هل اقتبس الفيلم البريطاني "Blithe Spirit" مسرحية فؤاد المهندس "حواء الساعة 12" ؟
في مساء يوم 24 فبراير عام 1968 بدأ جمهور المسرح المصري متابعة أول عروض المسرحية الكوميدية "حواء الساعة 12"، وهى مسرحية أخرجها "عبد المنعم مدبولي" وقام ببطولتها "فؤاد المهندس" و"شويكار" و"زهرة العلا"، وكانت فكرة المسرحية غريبة على المسرح المصري وقتها؛ فهى فانتازيا اجتماعية رومانسية، تتناول الأشباح وتحضير الأرواح، وقصتها عن كاتب يعاني توقف قدرته على الكتابة، ويتسبب وسيط روحاني عن طريق الخطأ في إحضار روح زوجة الكاتب الميتة، وتكتشف الزوجة الشبح أن زوجها تزوج من إمرأة أخرى بعد وفاتها، وتبدأ في محاولات التفرقة بينهما بكل الطرق.
روح مرحة ودراما تفتقد المرح
بعد 53 عاما من عرض مسرحية "حواء الساعة 12" تعرض السينما حالياً الفيلم البريطاني Blithe Spirit "روح مرحة"، وقصته وشخصياته لا تختلف كثيراً عن فكرة وشخصيات المسرحية المصرية الكلاسيكية.
في "روح مرحة" تعود إلفيرا "ليزلي مان" الزوجة الأولى لتشارلز كوندمين "دان ستيفنز" إلى حياته مرة أخرى، وينقلب عالمه فوق رأسه؛ فهو متزوج من امرأة أخرى يُحبها، وحماه منتج سينمائي كبير يتولى إنتاج الأفلام المأخوذة عن الروايات البوليسية التي يكتبها، ولكن من ناحية أخرى قد تكون عودة إلفيرا طوق نجاة لتشارلز؛ فهو يُعاني من حالة عجز عن التأليف منذ سنوات، وكانت إلفيرا تُلهمه وتُساعده على كتابة حبكات قصصه وسيناريوهات أفلامه، دون أن يضع اسمها على تلك الأعمال، ولم تنحصر مشاكله في شعور زوجته الحالية بالغيرة من الزوجة السابقة، ولكن كانت مشكلته الأكبر عدم قدرته على السيطرة على الزوجة السابقة ونوبات غضبها؛ وعد توقع شكل إنتقامها منه لأنها ببساطة كانت شبح.

المُعالجة السينمائية إبتعدت بالنص عن الشكل المسرحي، ورغم أن أغلب مشاهد الفيلم تدور داخل فيلا الكاتب، لكن المخرج "إدوارد هول" نجح في إضفاء حيوية على الصورة بإختيار زوايا تصوير مُتنوعة، ومنح موقع الفيلا فوق تلة عالية المكان أجواء غامضة، ورغم قتامة فكرة الأشباح لكن ألوان الديكورات والإضاءة كانت مُبهجة، وتتلائم مع شخصية إلفيرا الشبح، الزوجة الأمريكية الراحلة، وهى شخصية ساخرة وحادة العواطف، وتميل للشغب، وتستمتع بتخويف الأحياء، وجسدت "ليزلي مان" الشخصية بعيداً عن الغموض والجدية، فهى تحاول استعادة زوجها وحياتها السابقة، وتستغل كونها شبح في تدبير الحيل والألاعيب لتصل لهدفها.
رغم أن عنوان الفيلم "الروح المرحة" يشير إلى إلفيرا، لكن شخصيتها تفتقد المرح، وهذه أزمة الفيلم وشخصياته؛ فهو يقدم الشخصيات والأحداث بلا روح حقيقية، ويبرز هذا بشكل واضح للغاية من خلال شخصية مدام "أركاتي" التي تقدمها "جودي دينش"، وتقوم بدور الوسيطة الروحانية الفاشلة المحتالة؛ فهى شخصية تخلو من الغموض وتبدو لطيفة أكثر من اللازم، وأضاف الفيلم لها بُعد شخصي، وجعل أهتمامها بالأرواح لرغبتها في تحضير روح زوجها الذي مات في الحرب.

روح حواء الساعة 12
في بدايات القرن العشرين انتشرت جلسات تحضير الأرواح في المجتمعات الغربية، وأصبحت جزء من الثقافة الشعبية، وصار لها جمعيات تضم الشخصيات التي تدعي القدرة على التواصل مع العالم الأخر، وبينما اعتبر كثيرون الأمر خرافة وشعوذة صدقه وآمن به عدد كبير من العامة، وأيضاً من المثقفين، ومن هؤلاء كان السير "آرثر كونان دويل"، مبتكر شخصية "شرلوك هولمز"، وكانت جلسات تحضير الأرواح جزء من أجواء الأربعينيات، وهى الحقبة التي كتب فيها الكاتب البريطاني "نويل كوارد" مسرحيته الكوميدية "روح مرحة" Blithe Spirit، وقد اقتبستها السينما والإذاعة في بريطانيا، وتحولت لاحقاً إلى مسرحية موسيقية لا زالت تُعرض حتى الآن على مسارح برودواى.
من أشهر إقتباسات المسرحية الفيلم البريطاني Blithe Spirit إنتاج عام 1945 وأخرجه "ديفيد لين" وقام ببطولته "ركس هاريسون"، وجسدت "مرجريت روثفورد" شخصية مدام "أركاتي" الوسيطة الروحانية الفاشلة، وعام 1968 اقتبس كلا من "بهجت قمر" و"سمير خفاجي" نفس المسرحية، وقام "عبد المنعم مدبولي" بإخراجها، وحملت عنوان "حواء الساعة 12"، وقدم "فؤاد المهندس" شخصية الكاتب، وجسدت "شويكار" دور الزوجة الشبح، وجسدت "زهرة العلا" دور الزوجة الثانية، وجسد "حسن مصطفى" بصورة مرحة للغاية شخصية الوسيط الروحاني "مخلوف"، وربما تكون تلك النسخة الوحيدة عالمياً التي غيرت شخصية مدام "أركاتي" من امرأة إلى رجل، كما أن المسرحية تعاملت مع فكرة الأشباح بحبكة ساذجة للغاية حينما صورت قصة المسرحية في النهاية على أنها حلم طويل للكاتب، والزوجة الشبح لم تمت أصلاً.
فيلم "روح مرحة" يعيد الحياة إلى مسرحية "نويل كوارد" الكلاسيكية، ويعيد تقديم الصراع الدرامي المرح بين زوج يحاول التعايش مع عصبية ونزق زوجته السابقة، وغيرة زوجته الحالية، وكل منهما يُحاول إستقطابه إلى عالمه، ورغم أنه لم ينجح تماماً كعمل كوميدي، لكنه يظل فيلم لطيف في مُجمله.