رؤية نقدية- "Joker".. فن صناعة الوحش على طريقة تود فيليس

فى عوالم السوبر هيروز عادة ما يكون الاهتمام بالأبطال وتفاصيلهم والشخصيات المؤثرة من الأشرار التي يمكن ان تتحول مع الوقت لمضاد البطل، تحافظ على الانانية والعنف الذى يجعلها تدمر وتقتل بلا اى خوف من تبعات تأنيب الضمير الذى يمنع الأبطال من اتخاذ مواقف مبالغة فى العنف، لكن فى النهاية اعمال مضاد البطل تحتسب ضمن أفعال الخير وما يسعى لتحقيقه الابطال من عدالة، لكن تظل الصورة ناقصة.

فيلم جوكر

السوبر فيلينز فى هذه العوالم هو شرير لأنه كذلك، لا يحظى بكل الاهتمام الدرامي الذى يكون شخصيته لتصل إلى هذا الحد من العدائية والشر، نتعامل مع الأشرار عادة على أنهم موجودين لينتهوا وينتصر الخير، حتى فى عالم DC الأكثر اهتماما بالدراما فى روايتها المصورة وأفلام الكارتون لم يحظ السوبر فيلينز بهذا الاهتمام هو اكبر مما هو موجود عند نظرائهم لكنه ليس بالحد الكافي والأشرار على ذكائهم يمكن بسهولة معرفة خطأ تفكيرهم والدوافع التي تقودهم لما يفعلون، الجوكر عدو باتمان الرئيسي هو احدهم لكنه ليس مثلهم والعداء التاريخي بين السوبر هيرو والسوبر فيلين لم يُكشف ابعاده لحد كبير.

فيلم joker

الجوكر فى الفيلم المعنون باسمه ولكن بدون أداة تعريف Joker من بطولة واكين فينيكس فى الفيلم الذي ينتسب لعالم DC وفى الوقت ذاته لا يفعل ذلك، فهو لم يغرق فى عالم الكوميكس قدر ما عكس الحالة العامة للبشر فى الوقت الحالي، الكثير من الكتابات التي لا تعد الفيلم عظيمًا يضع فى حساباته الارتباط بعالم الكوميكس أو يتعامل مع الفيلم دراميًا بانه منقوص لأن الكثير من التفاصيل الدرامية مطلوب من المشاهدين ملئها بأنفسهم من واقع خبرتهم بعالم DC، فى حين يرى آخرون أن الفيلم هو من أفضل الأفلام فى تاريخ السينما وهو حقيقة ليس فقط لتفوق عنصر التمثيل ولكن لإشتباك الفيلم مع التاريخ البشرى السينمائى والواقعى وإعادة الصياغة بالشكل الذى يحول فنًا راسخًا فيه شخصية يجرى تداولها منذ 79 عامًا إلى مادة صالحة للتفاعل معها من زاوية جديدة، كما فعل توم هوبر عام 2012 بفيلم Les Misérables الذى وضع الرواية التي صدرت عام 1832 والمعالجة الغنائية لها عام 1980 وسط الحراك السياسى العالمي فى مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة ليخرج منتج مكثف معتمد على خبرات التلقى المختلفة من عدة فنون.

فى البداية يجب تفكيك الفيلم بتتبع الإشارات والإحالات والتحيات، لفعل ذلك يجب الالمام بعالم مارتن سكورسيزى وباقى مجموعة نيويورك وودي الآن وفرانسيس فورد كوبولا وستانلي كوبريك، وكذلك عوالم DC تحديدًا العلاقة بين باتمان والجوكر، حياة وتجربة شارلى شابلن معرفتها إلزامية، التماس بين شخصية روبرت بامبكين (روبرت دي نيرو) وجيرى لانجفورد (جيرى لويس) من فيلم The King of Comdy إخراج مارتن سكورسيزي عام 1982 بداية من لون بدلة آرثر فليك/ جوكر (واكين فينيكس) الأحمر خلافًا للبنفسجى المميز لشخصية الجوكر وما يستدعى ذلك من ربط بين ما حدث فى الفيلم واللقاء بين آرثر وموري فرانكلين (روبرت دو نيرو) مجرد المقارنة بين الحوار فى الفيلمان يفتح آفاق جديدة فى موضوع تناول الكوميديا والسخرية وتحول الشكل الذى تقدم به الكوميديا السوداء، عودة للثمانينيات لم يكن من الممكن أن ينتهى الموقف المتأزم بنفس النهاية فى فيلم 2019، ما لحق بموري فرانكلين هو النهاية لهذا الشكل الفني مع كل الدعاوي الراديكالية المتعصبة تجاه النكات التي تطلق على المثليين والنساء والفئات.  

Joker

تود فيليس مخرج الفيلم رسم وبني شخصياته وفيلمه على غرار أفلام مجموعة نيويورك فى مكاشفتهم للعيوب المجتمعية والجو الغرائبي بعض الشيء والشخصيات التي لا يمكن ان تتواجد فى الواقع لغرابتها مع انها نظريًا موجودة أو سلوكها على الأقل، احاله أخرى هي استخدام شارلي شابلن الرائد الكوميدي العظيم والملهم لشكل الكوميديا السوداء وعدد من العناصر الفنية فى السينما وكذلك فى مجال الإنتاج، النموذج الواضح للثري المنحاز للفقراء الذى ربطه بالفيلم من خلاله معاناته مع والدته المريضة العقلية فى حياته وكيف أثر ذلك على نشأته وحياته وكون الفنان العظيم الذى اصبحه ومن خلال الربط بين فيلمه Modern Times الذى يشاهده أثرياء مدينة جوثام الذين لا يتحركون لمواجهة الظلام الذى يحل على المدينة والمتمثل فى مشكلة القمامة والفئران وانتشار الفساد وهم يضحكون على ما كان ينتقده شابلن وقتها بشكل أساسي، ومن وسط كل هؤلاء الأثرياء يظهر توماس وين واعدًا بحلول جذرية ورغبة فى تولى منصب العمدة، لا شك استنادا على المعلومات المتوفرة من عالم DC انه نظيف اليد خير، لكن نسخة توماس وين فى Joker هي نسخة يمينية متطرفة تشير وترمز لحد كبير إلى شكل الكوكب حاليًا على الرغم من نزاهته.

التعامل مع شخصية الجوكر يكشف الكثير من المساحات الرمادية فى ثلاثية كريستوفر نولان The Dark Night فالفيلم يرجع السبب الرئيسي لما حدث فى جوثام بعد سنوات لما أسسه الجوكر فى الليلة المشؤمة التي قرر فيها القتل المتواصل، والتي صنعت شخصيته بعد كم الضغط والحقائق التي تكشفت له، المثير ان السبب فى التحول الذى حدث هو اهل جوثام انفسهم ليس الأغنياء ولا الظروف الاقتصادية السيئة هو نتاج التنمر ممن هم فى نفس طبقته الاجتماعية ونتاج سلوك والدته فى تربيته وما حدث معه، الأمر الذى دفعه للتفكير الملتوى لا لتطبيق العدالة ولكن للانتقام لنفسه فقط، هنا يتبلور الصراع بين قوتين السوبر فيلين والسوبر هيرو، من هذا المنطلق على الرغم من التعاطف مع ما حدث لآرثر لكنه يدينه ولا يشجعه على الاطلاق بل يضعه فى مصاف الفوضى التى ستؤدي إلى القتل بالتأكيد وهو ما حدث لتوماس وين وزوجته الحدث الذى صنع باتمان السوبر هيرو الذى سعى الجوكر فقط لأن يجعله يرتب الخطأ الأعظم وهو القتل ليثبت فقط انه على حق وانه لا اختلاف بينه وبين بروس وين.