خاص- هلا الأشقر صليبي لـ"هي": "لم أعد أبحث عن النجاح… بل عما أتركه ورائي"
بعد أكثر من عشرين عاماً في عالم الاستشارات، اختارت هلا الأشقر صليبي أن تنتقل من موقع تقديم المشورة إلى موقع بناء تجربتها الخاصة، فتأسست People & Co. انطلاقاً من إيمانها بأن نجاح المؤسسات لا يرتبط بالهياكل والاستراتيجيات وحدها، بل بالإنسان الذي يقف خلفها. مسيرة مهنية طويلة علمتها أن القيادة ليست منصباً، وأن النجاح لا يقاس فقط بالألقاب والأرقام، بل بالأثر الذي نتركه في الآخرين وبالمؤسسات التي تستمر من بعدنا.
في هذا الحوار، تتحدث هلا بصراحة عن قرارها ترك مسار مهني مستقر، والخوف الذي رافق تأسيس شركتها، وعن الجرأة التي تعلمت أن تستخدمها، والصبر الذي اضطرت إلى تطويره. كما تتوقف عند مفهومها المتغير للنجاح، وعلاقتها بالناس، والتوازن بين الحياة والعمل، وما تعلمته من العمل عن قرب مع القادة والمؤسسين. حديث يكشف جانباً شخصياً وإنسانياً من امرأة بنت مسيرتها على الخبرة، لكنها اختارت في النهاية أن تقيس نجاحها بما تتركه وراءها.

بعد ما يقارب 20 عاماً في عالم الاستشارات والعمل مع مؤسسات وقادة من مستويات مختلفة، كيف تصفين المرأة التي أصبحت عليها اليوم مقارنة بالمرأة التي بدأت مسيرتها المهنية قبل عقدين؟
اليوم، أدخل إلى أي غرفة وأنا أملك حضوري فيها. لا أطلب الإذن لأتكلم، ولا أنتظر أن يدعوني أحد إلى الطاولة. لكن الأمر لم يكن كذلك دائماً.
قبل نحو عشرين عاماً، دخلت مؤسسة متعددة الجنسيات من عالم المال، من دون خريطة واضحة، وتعلمت بالمراقبة وطرح الأسئلة والعمل. كنت قد دفعت أقساطي الجامعية بنفسي، ولذلك شعرت دائماً أن عليّ أن أستحق كل مقعد أجلس فيه، وكنت أحتاج أحياناً إلى تأكيد بأنني أقوم بعمل جيد.
اليوم، لم أعد بحاجة إلى إثبات أنني في مكاني. عشرون عاماً من الخبرة، والعمل مع شركات وعملاء مختلفين، ثم تأسيس شركتي الخاصة، جعلتني أكثر ثقة بقدرتي على التعامل مع الصعب. تحت الضغط، أرى الأزمة مشكلة تحتاج إلى حل، لا بحثاً عن المخطئ، وأفضل أن أكون مفيدة على أن أكون محبوبة.
ما أكثر شيء تغير في طريقتك في النظر إلى النجاح مع مرور السنوات؟ وهل تغير تعريفك الشخصي للنجاح؟
تغير تعريفي للنجاح بشكل كبير مع مرور السنوات. في العشرينات من عمري، كنت أقيسه باللقب، واسم الشركة، والترقية، والرقم في العقد. وهذا طبيعي في بداية المسيرة، حين نبحث عن إثبات خارجي قبل أن نتعلّم الثقة بحكمنا الخاص.
اليوم، ما زالت الاستدامة المالية مهمة بالنسبة إلي، لكنني أراها أرضية لا سقفاً؛ فالمال يمنحك حرية اختيار من تعمل معه، ورفض ما لا يتوافق مع قيمك، وبناء شيء بشروطك.
لكن النجاح أصبح بالنسبة إلي أيضاً مرتبطاً بالأثر الذي أتركه في حياة الآخرين، وبما يستمر بعد أن أغادر المؤسسة. ثم هناك الإرث، وأعني به القيم أكثر من الإنجازات. قد تُنسى المشاريع والأرقام، لكن الناس يتذكرون كيف عاملتهم، وهل كنت صريحة معهم، وهل تمسكت بما تؤمنين به. لذلك، كنت أرى النجاح في الماضي شيئاً أجمعه، أما اليوم فأراه شيئاً أتركه ورائي.
ما القرار المهني الأصعب الذي اتخذته في حياتك حتى الآن، وما الذي علمك إياه؟
أصعب قرار مهني اتخذته كان ترك عالم الشركات لأبني شركتي الخاصة. كنت أترك خلفي بيئة منظمة، ووظيفة آمنة، وفريقاً وراتباً ثابتاً، لأبدأ من الصفر وأتحمل مسؤولية كل التفاصيل.
علمتني هذه الخطوة أن أقدر وقتي وطاقتي بشكل مختلف، وأن أفهم أن ليس كل شيء يحتاج إلى الكمال، كما علمتني معنى جديداً للمثابرة، خصوصاً في الفترات الهادئة حين لا يكون هناك من يطمئنك بأن الأمور ستتحسن.
لكن الدرس الأهم كان التعاطف. بعد عشرين عاماً من تقديم المشورة لأصحاب الأعمال، أصبحت واحدة منهم، وفهمت من الداخل حجم المسؤولية التي يحملونها والقرارات الصعبة التي يتخذونها. لذلك أصبحت نصيحتي اليوم مختلفة، لأنني لم أعد أقف خارج التجربة، بل أعيشها.
ترك مسار مهني مستقر وناجح بعد سنوات طويلة ليس قراراً سهلاً. ما الذي كان يحدث داخلك في الفترة التي سبقت اتخاذ قرار تأسيس People & Co.؟ وهل كان هناك خوف أو تردد؟
نعم، كان هناك خوف كبير، لأنني كنت أترك خلفي سنوات من العلاقات والخبرة وبيئة مهنية صنعتني، وليس مجرد وظيفة مستقرة. لكن في المقابل، كنت أرى فجوة واضحة في منطقتنا؛ شركات عائلية وشركات في طور النمو تحتاج إلى خبرات وأطر تنظيمية أستخدمها منذ سنوات مع الشركات العالمية، لكنها لم تكن تصل إليها بالشكل الكافي. ومع الوقت، أصبحت رغبتي في بناء شيء يخدم هذه الشركات أكبر من خوفي من ترك ما كنت أملكه.
لم أتخذ القرار وحدي، كان حولي عدد صغير من أفراد العائلة والأصدقاء الذين يعرفونني جيداً ويؤمنون بقدرتي على خوض هذه الخطوة. وفي مرحلة ما، شعرت أن عدم القيام بها أصبح أصعب من المخاطرة نفسها.
هل شعرت في لحظة معينة أنك وصلت إلى مرحلة لم تعودي فيها تريدين فقط تقديم النصائح للآخرين، بل تريدين بناء شيء يحمل بصمتك الخاصة؟
نعم، لكن الدافع لم يكن رغبتي في ترك بصمتي بقدر ما كان رغبتي في بناء نموذج يعمل بالطريقة التي أؤمن بها. بعد عشرين عاماً في الشركات الكبرى، أصبحت أرى بوضوح أين لا تخدم النماذج التقليدية بعض العملاء، خصوصاً الشركات العائلية وتلك التي تمر بمراحل نمو متسارعة.
كنت قد جمعت خبرة واسعة، وتعلمت من نجاحاتي وإخفاقاتي، وأصبحت أعرف نقاط الألم التي تحتاج إلى معالجة. لذلك أردت أن أجمع كل ما تعلمته في نموذج متكامل، أختار فيه العميل، وأصمّم المقاربة، وأبقى مسؤولة عن النتيجة من البداية إلى النهاية.
في النهاية، كان الأمر أقل ارتباطاً بالأنا وأكثر ارتباطاً بالانسجام؛ أردت أن يكون عملي انعكاساً حقيقياً لما أؤمن به.

ما الصفة التي تعتبرينها نقطة قوة أساسية في شخصيتك، وما الصفة التي اضطررت إلى العمل عليها وتطويرها مع مرور الوقت؟
أعتقد أن الجرأة هي إحدى أبرز نقاط قوتي؛ الجرأة في أن أقول ما أراه، لا ما يريد الآخرون سماعه. عندما أواجه مشكلة داخل شركة، أميل إلى النظر إلى الهيكل الذي يقف خلفها، لا إلى الأشخاص فقط، وغالباً ما أصل إلى استنتاج مختلف عما هو سائد في الغرفة. مهمتي أن أكون مفيدة، لا أن أكون مريحة.
أما الصفة التي عملت على تطويرها فهي الصبر. كنت أصل إلى استنتاجاتي بسرعة وأشعر أنني فهمت الشخص أو الموقف من الدقائق الأولى، لكنني أدركت أن أن تكوني محقة بسرعة لا يعني بالضرورة أن تكوني منصفة.
لذلك تعلمت أن أؤجل حكمي، وأن أطرح سؤالاً إضافياً قبل أن أجيب، وأن أترك مساحة لاحتمال أن يكون لدى الشخص سبب لم أسمعه بعد. كما تعلّمت أن أبطئ في طريقة تواصلي، لأن الفكرة لا تكفي وحدها؛ المهم أن تصل بطريقة يستطيع الآخرون فهمها واستيعابها.
عملك يتطلب الاستماع إلى القادة، فهم الأشخاص، قراءة ما بين السطور وأحياناً التعامل مع مقاومة التغيير. ماذا علمك ذلك عن طبيعة الإنسان؟
علمني هذا العمل أن المقاومة ليست عناداً في الغالب، بل تعلقاً. بالنسبة إلى المؤسس، الشركة ليست مجرد عمل، بل شيء بناه وحماه لسنوات، لذلك فإن تغيير طريقة إدارتها قد يشعره بأنه يتخلى عن جزء من شيء صنعه بنفسه. كما أن التغيير يعني غالباً فقدان جزء من السيطرة، وهذا بطبيعته يثير الخوف.
لكن اللافت أن الشخص الذي يقاوم التغيير هو نفسه من طلب المساعدة، ما يعني أن لديه في الوقت نفسه رغبة في النمو. مهمتي ليست محاربة خوفه، بل مساعدة هذه الرغبة على أن تصبح أقوى.
وتعلمت أيضاً أن الاعتراض الظاهر ليس دائماً المشكلة الحقيقية. قد يتحدث الشخص عن الهيكل أو الإجراءات، بينما يكون قلقه الحقيقي متعلقاً بدوره أو مكانته. لذلك، عليك أن تصغي جيداً لما يقال، والأهم أحياناً إلى ما لا يقال.
بعد سنوات من العمل مع الرؤساء التنفيذيين والمؤسسين، ما أكثر شيء اكتشفت أن القادة الناجحين يحتاجون إلى سماعه، لكن نادراً ما يخبرهم به أحد؟
أكثر ما اكتشفته هو أن الصفات التي أوصلت القادة إلى النجاح قد تصبح نفسها ما يحد من تطورهم. فالقائد الذي اعتاد أن يفعل كل شيء بنفسه قد ينفصل عن فريقه، والمؤسس الذي لا يتخلى عن السيطرة قد يجد صعوبة في بناء صف ثان قوي ومؤسسة تستمر من دونه.
كما أن الخلافات في القمة لا تكون دائماً حول التنفيذ، بل حول الاتجاه والرؤية، خصوصاً عندما يحمل الشركاء أو أفراد العائلة تصورات مختلفة للمستقبل.
لذلك، ما يحتاج القادة إلى سماعه هو أن المشكلة ليست دائماً في الأشخاص، بل أحياناً في الهيكل الذي يعملون ضمنه، وأن المؤسس نفسه جزء من هذا الهيكل.
هل أصبحت مع الوقت أكثر حذراً في اختيار الأشخاص الذين تحيطين نفسكِ بهم، سواء في العمل أو في حياتك الشخصية؟ وما الصفات التي أصبحت تقدرينها أكثر في الناس؟
نعم، أصبحت أكثر انتقائية، لكن ليس أكثر انغلاقاً. ما زلت أؤمن أن كل شخص نلتقيه يمكن أن نتعلم منه، لكنني أصبحت أكثر وعياً بمن أُبقيهم قريبين مني وكيف أستثمر وقتي.
أقدر اليوم الصدق والاحترام والفضول الفكري، وأفضل الأشخاص الذين يقولون الحقيقة، ويبقون إلى جانبك في النجاح والفشل، ويستمرون في التعلّم والنمو.
ومع الوقت، أصبحت أقدّر أيضاً الأشخاص الذين يمنحونني السلام الداخلي. لذلك، لا أقيس قيمة العلاقات بعدد مرات التواصل، بل بصدقها وأمانها واستمراريتها.
هل هناك درس أو نصيحة مهنية تلقيتها في بداية مسيرتكِ وما زلت تحملينها معك حتى اليوم؟
هناك نصيحة ما زلت أحملها معي منذ بداية مسيرتي: لا تحكمي على الناس من دون دليل، ولا تقبلي دليلاً ما لم يكن مبنياً على بيانات.
في المؤسسات، تنتقل الآراء أحياناً أسرع من الوقائع. قد يقال إن مديراً صعب أو إن قسماً ضعيف، ومع تكرار الكلام يتحول الرأي إلى حقيقة، وتبنى عليه قرارات تؤثر في أشخاص ومسيرات مهنية، من دون أن يتحقق أحد من أصل هذه المعلومة.
لكن عندما ننظر إلى البيانات، تكون الصورة غالباً مختلفة. قد يكون المدير الذي وصف بالصعب يتعامل مع عملية معطلة، وقد يكون القسم الذي وصف بالضعيف يعاني ببساطة من نقص في الموارد.
لذلك، لا أبني قراراتي على أحاديث الممرات، بل أسأل دائماً: ماذا تقول البيانات؟ لأن التحقق قبل إصدار الحكم ليس مجرد تحليل أفضل، بل هو أيضاً شكل من أشكال الاحترام للناس.
وماذا عن العكس: هل هناك شيء كنت تؤمنين به بقوة في بداية حياتك المهنية، لكنك اكتشفت لاحقاً أنه لم يكن صحيحاً؟
كنت أظن في بداية مسيرتي أن من هم في القمة كانوا محظوظين، وأن الوصول إلى مواقعهم بعيد وشبه مستحيل. اكتشفت لاحقاً أن الأمر مختلف؛ فخلف كل موقع مسؤول سنوات من الالتزام والعمل الشاق وتطوير الذات وبناء العلاقات، إضافة إلى تعلّم القيادة قبل ممارستها.
كما كنت أعتقد أن الأقدمية تعني راحة أكبر، لكنني اكتشفت العكس. كلما ارتفعت المسؤولية، ارتفع معها ثمن الخطأ، لأن قراراتك لا تؤثر فيك وحدك، بل في أشخاص وأعمال وحياة كاملة.
لذلك تغير مفهوم «الوصول» بالنسبة إلي. لا توجد نقطة تنتهي عندها الرحلة، بل مسؤوليات أكبر، والنجاح هو أن تكوني مستعدة لحملها.
الاستشارات عالم سريع ومليء بالضغط والسفر والمواعيد والتحديات. كيف حافظت على توازنك الشخصي وسط هذه الحياة المهنية المكثفة؟
لم يكن الحفاظ على توازني قراراً واحداً، بل مجموعة من العادات الصغيرة التي بنيتها مع الوقت. كنت أحرص على تخصيص وقت ثابت لعائلتي يومياً، وأحاول الحد من السفر قدر الإمكان، وحتى عندما أكون بعيدة، كانت مكالمة الفيديو معهم أمراً لا أتخلى عنه.
وفي العمل، أؤمن أن القائد يحدد إيقاع فريقه، لذلك أحاول مراعاة حياة فريقي الشخصية عند تحديد المواعيد والمهل، وأن أقيس العمل بالنتيجة والأثر، لا بعدد ساعات العمل. كما أحرص على توفير مساحة من المرونة والأمان ليتمكن كل شخص من التعبير عما يحتاج إليه بصراحة.
لأن التوازن ليس مسؤولية شخصية فقط، بل مسؤولية قيادية أيضاً؛ لا يمكنك أن تحمي وقتك الخاص بينما تأخذ، من دون أن تشعر، وقت الآخرين.
هل تعتقدين أن الطموح يتغير مع العمر والخبرة؟ وما الذي تطمحين إليه اليوم، بعيداً عن الألقاب والمناصب؟
الطموح لا يخفت مع العمر، بل يتغير شكله. في بداية المسيرة يكون طموحنا عمودياً: منصب أعلى، لقب أكبر، واعتراف أكبر. أما اليوم، فأصبح طموحي مرتبطاً بما أتركه ورائي أكثر مما أحصل عليه.أطمح إلى بناء أشخاص، لا مشاريع فقط؛ من الاستشاريين الذين أدربهم إلى المدراء والطلاب الذين أرافقهم. وأطمح أيضاً إلى سمعة تقوم على الجدية والصدق، وإلى أن يساهم عملي في جعل الشركات اللبنانية والإقليمية أقوى، وأن يخلق فرصاً تستحق أن يبقى الشباب من أجلها.
وبالطبع، يهمني النمو التجاري والربحية، لأنهما يمنحانني حرية اختيار العملاء والقضايا التي أؤمن بها. لكن أكثر ما أقدره اليوم هو الحرية؛ فبعد عشرين عاماً داخل أنظمة الآخرين، أصبحت القدرة على اختيار كيف أمضي أيامي أهم بالنسبة إلي من أي لقب أو منصب.
ما الشيء الذي لا يعرفه الناس عنك من خلال سيرتك المهنية أو حضورك كرائدة أعمال، لكنه جزء أساسي من شخصيتك؟
الناس يرون مسيرتي المهنية وشركتي وإنجازاتي، لكنهم لا يعرفون دائماً من أين بدأ كل شيء. عملت منذ سن مبكرة لأموّل دراستي الجامعية، وهذه التجربة علّمتني أن الأشياء تكتسب ولا تعطى، ورسخت في قيمة العمل الجاد، كما جعلتني أكثر قرباً من الناس وفهماً لمن يحاول إثبات نفسه.
ولا يعرف كثيرون مدى تعلقي بعائلتي وجذوري. أنا من ساحل علما، وقريتي وعائلتي ولبنان جزء أساسي من هويتي، وكل ما بنيته مهنياً قام فوق هذا الأساس.
كما أنني قارئة؛ أجد في الكتاب المساحة التي أستعيد فيها هدوئي وأفكر بعيداً عن ضغط العمل والسفر. باختصار، وراء الاستشارية ورائدة الأعمال هناك فتاة عملت باكراً، بقيت قريبة من جذورها، وما زالت تجد وقتاً للقراءة.

مسيرتك المهنية، قبل نحو 20 عاماً، ما النصيحة التي كنت ستعطينها لتلك المرأة؟
لو عدت إلى المرأة التي كنتها قبل نحو عشرين عاماً، سأقول لها: ضعي أهدافك، تعلمي من أخطائك، أصغي جيداً، واهتمي بالناس من حولك، ولا تنسي أن تحتفلي بما تحققينه.
وسأقول لها إن القيادة ليست نقطة تصلين إليها، بل رحلة تنضج مع الوقت، وإن صوتها أهم من صمتها. عليها أن تعبّر عن موقفها وتتمسّك بما تؤمن به، حتى عندما لا يكون ذلك سهلاً.
وسأطلب منها أن تستثمر في الناس بقدر ما تستثمر في العمل، لأن ما يبقى في النهاية ليس المشاريع فقط، بل الأشخاص الذين ساهمت في تطويرهم والمسارات التي أثرت فيها.
هل هناك ثمن دفعته مقابل النجاح المهني الذي حققته، سواء على المستوى الشخصي أو العاطفي أو حتى في علاقتك بنفسك؟
بصراحة، لا أعتقد أنني دفعت ثمناً كبيراً مقابل نجاحي المهني. لم أضح بحياتي الشخصية من أجل عملي، وكان لنظام الدعم الذي حظيت به من عائلتي دور كبير في ذلك، وأنا أقدر هذه النعمة كثيراً.
كما تعلمت أن أحمي وقتي مع عائلتي وأصدقائي، وأن أكون أكثر مرونة في مواعيدي المهنية؛ فالتأخير في تحقيق هدف لا يعني الفشل ما دامت عائلتي وصحتي بخير.
وإذا كان هناك ثمن، فهو تلك اللحظات التي أكون فيها حاضرة جسدياً، لكن ذهني لا يزال منشغلاً بمشكلة مهنية، وهذا ما زلت أعمل على تحسينه.
اليوم، بعد كل ما تعلمته عن المؤسسات والقيادة والناس، ما الشيء الذي أصبحت تؤمنين به عن الحياة أكثر مما تؤمنين به عن العمل؟
أصبحت أؤمن أكثر بأن الحياة في النهاية تتعلق بالعلاقات. أمضيت سنوات أدرس المؤسسات والهياكل والقرارات، لكن عندما نزيل كل ذلك، يبقى الناس وطريقة تعاملهم مع بعضهم.
في العمل وخارجه، العلاقات هي ما يحملنا في الأوقات الجيدة والصعبة، ومنها يأتي كثير من تعلّمنا الحقيقي. لذلك، أؤمن اليوم بأن علينا أن نبني علاقات قوية ونعتني بها، لأن الألقاب والإنجازات قد تنسى، بينما يبقى أثرنا في الناس وكيف يتذكروننا.