خاص "هي": سماء جديدة للطموح.. 4 سعوديات يشكّلن ملامح مستقبل قطاع الطيران بالمملكة في THC
حوار: YORGO EL BITAR
لم تعد السماء في المملكة العربية السعودية مجرّد فضاء تعبره الطائرات، بل أصبحت واحدة من المساحات التي تُكتب فيها ملامح مستقبل المملكة. ففي قمرة القيادة، وغرف العمليات، ومراكز التحكم، تقف اليوم نساء سعوديات في مواقع لم تكن ربّما سابقا جزءا مألوفا من المشهد، لا ليكنّ شاهدات على التحول فحسب، بل شريكات فعليات في صناعته.
وبمناسبة اليوم الوطني السعودي، نقترب في "هي" من أربع نساء اخترن أن تكون مساهمتهن في رؤية السعودية 2030 من واحد من أكثر القطاعات دقة وتطورا: الطيران. مسارات مختلفة تجمع بين قيادة المروحيات، والخدمات الطبية الجوية، والعمليات والترحيل الجوي، وتكشف عن قطاع يتسع لأدوار جديدة وكفاءات سعودية تسهم اليوم في بناء مستقبله.

تجسّد شركة الطائرات المروحية THC جانبا من هذا التحول، فبعد أن أطلقها صندوق الاستثمارات العامة ضمن استراتيجيته لتفعيل القطاعات الواعدة ودعم رؤية 2030، توسّعت عملياتها إلى ما يقارب 60 طائرة مروحية تخدم مجالات تمتد من الإسعاف الجوي إلى السياحة والمشاريع الكبرى في أرجاء المملكة. وفي قلب هذه المنظومة، تظهر كفاءات سعودية نسائية تفتح مسارات جديدة.
ريم فلمبان، هيا عبدالله الخميس، أشواق مصطفى الطيب، ورغد حسان محضر، تجارب مختلفة ترسم معا صورة أوسع لمستقبل الطيران السعودي. لكل واحدة منهن مسارها الخاص، لكنهن يلتقين عند طموح واحد: الانتقال من خوض المسارات الجديدة إلى الإسهام في تشكيل مستقبلها، بما يعكس الدور المتنامي للمرأة السعودية في رسم مستقبل قطاع الطيران بالمملكة.
كابتن ريم فلمبان
أول كابتن طائرة مروحية سعودية وأول امرأة في العالم تقود Airbus H160
أعيش حلما تحقق والمرأة السعودية حاضرة بكفاءة

بصفتك أول كابتن طائرة مروحية سعودية، وأول امرأة في العالم تقود طائرة Airbus H160، كيف تعيشين هذا الإنجاز على المستوى الشخصي قبل المهني؟
أشعر بفخر كبير ومسؤولية أكبر. بالنسبة إليّ، هذا الإنجاز لا يمثلني وحدي، بل يمثل كل فتاة سعودية تؤمن بأن الأحلام الكبيرة ممكنة مهما بدت بعيدة. على المستوى الشخصي، أشعر بالامتنان لكل خطوة وتحدٍّ مررت به حتى وصلت إلى هنا، وعلى المستوى المهني، أراه بداية لطريق أطول وطموحات أكبر بإذن الله.
متى بدأت علاقتك بالطيران؟ هل كان الحلم واضحا منذ البداية، أم أنه تبلور مع الوقت؟
بدأ الأمر بشغف بسيط تجاه الطيران والسماء منذ الصغر، لكن مع الوقت تحول هذا الشغف إلى رغبة حقيقية في أن أكون جزءا من هذا العالم. لم يكن الطريق واضحا بالكامل منذ البداية، لكن كل تجربة وكل خطوة جعلتاني أكثر يقينا بأن هذا هو المكان الذي أنتمي إليه.
ماذا يعني لك أن تكوني جزءا من THC في مرحلة تشهد فيها المملكة توسعا كبيرا في الطيران والسياحة والخدمات الجوية؟
أفخر بمشاركتي في هذه المرحلة التاريخية من مسيرة المرأة السعودية في قطاع الطيران، حيث تشهد المملكة اليوم تطورا استثنائيا في هذا القطاع. وعملي في شركة THC يمنحني فرصة للمساهمة في هذا النمو والمشاركة في بناء مستقبل واعد للقطاع، بما يواكب طموحات رؤية السعودية 2030.
بصفتك قائدة طائرة ضمن أسطول Airbus H160، ما الذي يميز هذه الطائرة بالنسبة إليك من حيث التكنولوجيا وتجربة الطيران وطبيعة القيادة؟
توفر طائرة Airbus H160 مستوى متقدما جدا من التكنولوجيا والراحة والسلامة. وما يميزها هو الانسيابية العالية والدقة في الأداء، وهذا يمنح الطيار شعورا بالثقة والتركيز أثناء الطيران. أشعر فعلا بأنها تعكس مستقبل الطيران الحديث، كما تعكس قيادتها ضمن أسطول THC تركيز الشركة على توظيف التقنيات المتقدمة والاستثمار المستمر في مجالات التدريب والسلامة والأداء التشغيلي.
كونك امرأة سعودية في مجال كان يُنظر إليه في الماضي على أنه قطاع يهيمن عليه الرجال، هل شعرتِ يوما بأن عليك إثبات نفسك أكثر من غيرك؟
لا شك في أن المجالات الجديدة أو الصعبة تتطلب من الشخص أن يثبت نفسه، سواء كان رجلا أو امرأة. لكنني كنت دائما أركز على العمل والاجتهاد وتطوير نفسي، وأؤمن بأن تحقيق النتائج والعمل باحترافية هما الطريق الأفضل لإثبات القدرات.
كيف ترين حضور المرأة السعودية اليوم في القطاعات المتخصصة، وخصوصا تلك التي تتطلب مهارات تقنية وتشغيلية عالية؟
أرى أن المرأة السعودية اليوم أثبتت نفسها بقوة في مختلف المجالات، وأصبحت حاضرة بكفاءة في القطاعات التقنية والتشغيلية، والهندسية، والطيران وغيرها. وتجربتنا في THC، التي تضم أول قائدات طائرات مروحية تجارية في المملكة، هي مثال حي على الفرص التي أصبحت متاحة للمرأة السعودية لإثبات كفاءتها في أحد قطاعات الطيران شديدة التخصص. ولدينا اليوم نماذج ملهمة كثيرة تؤكد أن الطموح لا حدود له.
ما الدعم أو التغيير الذي شعرتِ به في المملكة خلال السنوات الأخيرة، وأسهم في فتح المجال أمام طموحات شابة مثلك؟
الدعم الكبير الذي نعيشه اليوم في المملكة خلق بيئة مشجعة لكل شخص لديه شغف وطموح. وعلى مستوى قطاع الطيران، أرى هذا التوجه في استثمار THC في تدريب وتأهيل الكفاءات الوطنية، فقد أسهم برنامج "قِمم للطيران" في تدريب وتخريج أكثر من 100 طيار وفني سعودي، بما يدعم بناء مسار مستدام للمواهب الوطنية في القطاع. وأصبحت الفرص متاحة بشكل أكبر، والأبواب مفتوحة أمام الشباب والشابات لإثبات أنفسهم وتحقيق أحلامهم.
هل هناك امرأة في حياتك كان لها دور في تشجيعك أو دفعك نحو هذا المسار؟
بالتأكيد، كان لوالدتي تأثير كبير جدا فيّ. دعمها وثقتها بي في مراحل كثيرة منحاني القوة، حتى في اللحظات التي كنت أشك فيها بنفسي. وأعتقد أن خلف كل امرأة ناجحة شخصا آمن بها.
عندما ترتدين الزي الرسمي وتدخلين قمرة القيادة، ما الشعور الذي يرافقك في كل مرة؟
أشعر بالفخر والمسؤولية والحماس في كل مرة. هناك شعور جميل لا يوصف، لأنني أتذكر دائما أنني أعيش حلما تحقق.
ماذا تعلمك السماء عن الحياة؟
تعلمني الصبر والتركيز والهدوء، وتذكرني بأن الوصول إلى أي هدف يحتاج إلى الوقت والاستمرارية والثقة بالنفس. كما تعلمني أن كل رحلة تحمل درسا جديدا، وأن الخبرة مهما تراكمت لا تعني أن رحلة التعلم والتطور قد انتهت.
كيف توازنين بين الجانب الإنساني في شخصيتك وبين المتطلبات الصارمة لمهنة الطيران؟
أعتقد أن الجانب الإنساني مهم جدا في أي مهنة، خصوصا في الطيران. صحيح أن الانضباط والدقة سمات أساسية للمشتغلين، لكن الهدوء والتعامل الجيد والوعي بالمحيط عوامل مهمة أيضا في شخصية الطيار.
ما الطموح التالي بعد هذا الإنجاز؟ وهل هناك محطة مهنية تحلمين بالوصول إليها قريبا؟
أشعر بأن كل إنجاز يفتح بابا لحلم جديد. طموحي أن أستمر في التطور والتعلم أكثر، وأن أترك أثرا طيبا، وأن أواصل تمثيل المرأة السعودية بصورة مشرّفة في هذا المجال. وأطمح أيضا إلى الوصول إلى موقع قيادي يتيح لي نقل خبرتي وتدريب الجيل القادم من الطيارات السعوديات، ليكون هذا الطريق الذي شققته امتدادا لمن يأتين بعدي.
لو أردتِ اختصار رحلتك حتى اليوم بجملة واحدة، فماذا تقولين؟
الأحلام الكبيرة لا تحتاج إلى ظروف مثالية، بل تحتاج إلى الثقة بالنفس والاستمرار مهما كانت التحديات.
كابتن هيا عبدالله الخميس
مساعد قائد طائرة أول
كلما زادت ساعات الطيران ارتفع سقف طموحاتي

كيف تصفين شعورك بأن تكوني واحدة من النساء السعوديات اللواتي يصنعن حضورا للمرأة السعودية داخل قمرة القيادة؟
هو شعور تمتزج فيه السعادة والامتنان والفخر، بأن تبدأ مسيرتي المهنية في وقت تشهد فيه المملكة هذه المرحلة من التحول والتطور، وتحظى فيه المرأة بدور بارز ومنصف، وأنا واحدة من هؤلاء النساء. أفخر بما وصلت إليه، وبأن أكون جزءا من الحضور المتنامي للمرأة السعودية في قمرة القيادة. وأتمنى أن تسهم تجربتي في تعريف المزيد من النساء بهذا المجال، وترسيخ قناعتهن بأن الوصول إليه أصبح ممكنا.
متى تحوّل الطيران بالنسبة إليك من حلم أو اهتمام إلى قرار مهني حقيقي؟
لم يكن الطيران بالنسبة إليّ حلما في الطفولة، بل بدأ من خلال تجربة. عندما أتيحت لي الفرصة للمرة الأولى لأن أكون على متن طائرة تدريب صغيرة بصفتي راكبة، شعرت بإحساس مختلف؛ كان هناك نوع من اليقين بأنني في المكان الصحيح الذي أنتمي إليه، وبأنني وجدت المجال الذي أريد أن أتطور فيه. كانت تلك اللحظة نقطة التحول بالنسبة إليّ؛ فلم يعد الطيران مجرد اهتمام، بل أصبح قرارا مهنيا حقيقيا ومسارا أردت أن أمضي فيه بثقة وعزم.
تعملين اليوم على مروحية AW139 وتشاركين في مهام الخدمات الطبية الجوية. كيف يختلف شعور قيادة رحلة قد تكون فيها كل دقيقة حاسمة في حياة شخص ما؟
أضافت الخدمات الطبية الجوية بُعدا إنسانيا مختلفا للطيران بالنسبة إليّ؛ فمعرفة أن عملي قد يسهم في إنقاذ حياة شخص تمنحني شعورا كبيرا بالامتنان، وأحتسب أجر ذلك عند الله. ومع أهمية كل دقيقة في هذه المهام، يجب أن يكون القرار التشغيلي مهنيا ومدروسا، وقائما على معطيات الرحلة ومتطلبات السلامة، لأن سلامة الطائرة ومن على متنها تأتي دائما في المقام الأول، والوصول بأمان هو العامل الأساسي في نجاح تلك المهمة. وإدراكي أن عملي جزء من منظومة الإسعاف الجوي التي تطورها THC بالشراكة مع هيئة الهلال الأحمر السعودي، والتي أسهمت في إنقاذ أكثر من 8,000 حياة، يمنح هذه المسؤولية معنى أكبر بالنسبة إليّ.
عندما بدأتِ هذا المسار، هل كنتِ ترين نماذج نسائية سعودية كثيرة أمامك في الطيران؟ وكيف اختلف المشهد اليوم؟
عندما بدأت دراسة الطيران، كانت النماذج النسائية السعودية في المجال محدودة جدا، ولم يكن دخول المرأة إلى وظائف الطيران منتشرا كما هو اليوم. أما في مجال الطيران المروحي تحديدا، فلم يكن هناك من سبقنا. والتحدي لم يكن في قلة النماذج فحسب، بل في غياب مسار واضح أو خبرات سابقة يمكن الاستفادة منها؛ فكنا، إلى حد كبير، نشق طريقنا بأنفسنا. وكوننا من أوائل النساء في هذا المجال أضاف شعورا أكبر بالمسؤولية، لأن التجربة لم تكن شخصية بالكامل، بل كانت أيضا جزءا من تشكيل حضور جديد للمرأة في هذا القطاع. واليوم أصبح هذا الحضور أكثر وضوحا، والفرص أكبر، وإن كنا ما زلنا في بداية الطريق.
ماذا يعني لك أن تكبر فتاة سعودية اليوم وهي ترى امرأة سعودية تقود مروحية وتعمل في واحدة من أكثر المهن تطلبا؟
عندما كنت طفلة، لم يكن أن أصبح طيّارة ضمن الخيارات التي أتخيلها لنفسي، ليس لغياب الطموح، وإنما لأن هذه الصورة لم تكن موجودة أمامي من الأساس. لذلك يسعدني اليوم أن تكبر فتاة سعودية وهي ترى امرأة تقود مروحية، وأن يكون هذا المشهد جزءا طبيعيا من الصورة التي تكوّنها عن مستقبلها وما يمكن أن تصبح عليه. بالنسبة إليّ، الأجمل أن ترى أمامها خيارات أوسع، وأن تكبر وهي مؤمنة بأن طموحها وكفاءتها واجتهادها هي ما يصنع مسارها ويحدد إلى أين يمكن أن تصل.
بعيدا عن المهارات التقنية، ما الصفات التي تعتقدين أن قمرة القيادة كشفتها أو طورتها في شخصيتك؟
منذ رحلتي الأولى، اكتشفت أن الطيران يستدعي لديّ مستوى عاليا من الحضور الذهني، ففي قمرة القيادة يصبح الانتباه أكثر دقة، والوعي بالتفاصيل والمتغيرات أكثر حدة. هذا التركيز يجعل كل ما هو خارج قمرة القيادة يتراجع للحظة، ويضعني في حالة من الانتباه الكامل لما يحدث أمامي. ومع هذا المستوى من التركيز تأتي القدرة على استيعاب المتغيرات وتحليلها، مهما تسارعت، مع الحفاظ على هدوء الاستجابة ووضوح القرار. وأعتقد أن هذه من أكثر الصفات التي كشفها الطيران في شخصيتي وعززها.
إذا عدتِ إلى هيا في بداية رحلتها، قبل أولى ساعات الطيران، ما الجملة التي ستقولينها لها اليوم؟
كلما استكملت ساعات طيران أكثر، ازداد لديّ شعور أكبر بالمسؤولية، وارتفع معه سقف طموحاتي وحرصي على أن أكون دائما على قدرها. وربما كان التحدي في البدايات أنني كنت أقيس قدرتي على تحمّل هذه المسؤولية بما أعرفه عن نفسي في ذلك الوقت. ولو عدت اليوم إلى هيا قبل أولى ساعاتها في الطيران، لقلت لها: لا تجعلي حدود معرفتك بنفسك اليوم تحدد سقف ما ترين أنك قادرة عليه فبعض القدرات لا يكشفها إلا الطريق!
ما السماء التي تريدين أن تصلي إليها بعد ذلك؟ وما الحلم المهني الذي لم يتحقق بعد؟
مهنيا، أطمح إلى مواصلة التقدم في مسيرتي والوصول إلى مقعد القائد في الخدمات الطبية الجوية، لكنني أرى طموحي أبعد من حدود قمرة القيادة، فنحن لا نزال من أوائل السعوديات في طيران المروحيات، وتجربتنا اليوم لا تبني مساراتنا المهنية فحسب، بل تصنع خبرة لم تكن موجودة من قبل. أتمنى أن تصل حقيقة هذه التجربة إلى المرأة السعودية، وأن تتعرف إلى هذا العالم كما نعيشه فعلا، بتحدياته ومسؤولياته وفرصه. وعلى المدى الأبعد، أطمح إلى أن تمنحني خبرتي موقعا أستطيع من خلاله الإسهام في تشكيل بيئة أكثر وعيا بحضور المرأة في هذا القطاع، وأن تصبح هذه الخبرة أساسا لمسارات أكثر وضوحا للجيل القادم من السعوديات في الطيران. بالنسبة إليّ، النجاح لن يكون فقط في المدى الذي أصل إليه بوصفي طيّارة، بل في قدرتي يوما على تولي دور قيادي أعلّم من خلاله وأوجّه الجيل القادم من الطيّارات.
كابتن أشواق مصطفى الطيب
مساعد طيار
الشغف قرار غيّر مساري بالكامل

درستِ وعملتِ في مجالات مختلفة قبل أن تختاري الطيران. متى أدركتِ أن المسار الذي تبحثين عنه موجود في السماء؟
مع تعدد خبراتي الوظيفية، كنت أبحث عن مسار لا يضع حدا لطموحي، فوجدت أن الطيران يشبه طموحي في وصوله إلى عنان السماء بما يحمله من تحدٍّ ومسؤولية وتطور مستمر. ومع الوقت، تحوّل الفضول تجاه هذا العالم إلى شغف، والشغف إلى قرار غيّر مساري بالكامل.
بدأتِ بالطائرات ذات الجناح الثابت، ثم انتقلتِ أيضا إلى المروحيات. ما الذي جذبك إلى عالم المروحيات تحديدا؟
كانت الطائرات ذات الجناح الثابت بدايتي في عالم الطيران، وستظل تجربة مهمة جدا بالنسبة إليّ، لكن المروحيات كان لها تأثير مختلف. جذبني فيها ما توفره من حرية في الحركة والقدرة على الوصول إلى أصعب الأماكن، إلى جانب تنوع المهام التي تستطيع تنفيذها. كما أنها تتطلب من الطيار حضورا كاملا ودقة عالية في التحكم، وهذا التحدي تحديدا زاد شغفي بها. وهذا التنوع هو ما أعيشه اليوم فيTHC، حيث تُستخدم المروحيات في مهام تمتد من الإسعاف الجوي والسياحة إلى الأعمال الجوية والمهام الخاصة، وهو ما يتطلب من الطيار جاهزية عالية وقدرة مستمرة على التعلم والتكيف.
ماذا أضافت لك تجربة التدريب خارج المملكة، وماذا كنتِ حريصة على أن تعودي به إلى السعودية؟
أضافت إلي تجربة التدريب الكثير على المستويين المهني والشخصي، إذ أطلعتني على أساليب وبيئات مختلفة. وكنت حريصة على أن أعود بنجاح تفخر به المملكة ويسهم في مسيرتي في قطاع الطيران. وتتضاعف قيمة هذه التجربة بالنسبة إليّ عندما أضعها في خدمة بيئة العمل فيTHC، التي تجمع خبرات من أكثر من 55 جنسية، وتستثمر في الوقت نفسه في تطوير الكفاءات السعودية وبناء كوادر وطنية للمستقبل.
ماذا يعني لك أن تكوني من جيل سعودي لا يكتفي بالدخول إلى مجالات معيّنة، بل يسعى إلى التميز فيها؟
أشعر بالفخر والمسؤولية لكوني جزءا من جيل سعودي مُنح فرصا كبيرة لإثبات قدراته. وبالنسبة إليّ، لا يقتصر الإنجاز على دخول المرأة مجالات جديدة، بل على أن تتقنها وتتميز فيها، وتنافس بكفاءتها، وتصنع لنفسها المكان الذي تستحقه.
عندما تنظرين إلى قطاع الطيران السعودي خلال السنوات المقبلة، أين ترين المساحة الكبرى التي يمكن للمرأة السعودية أن تشغلها؟
أرى أن المرأة السعودية ستشغل مساحات متميزة في قطاع الطيران السعودي، من قمرة القيادة إلى المناصب القيادية. فالقطاع لا يقتصر على قيادة الطائرات، بل يضم مسارات تقنية وتشغيلية وقيادية متعددة. وأرى أن تنوع الأعمال داخل THC يفتح أمام السعوديات مساحة أوسع لإثبات كفاءتهن، والتقدم نحو مواقع صنع القرار.
ما النصيحة التي تقدمينها لشابة سعودية لديها الشغف بالطيران، لكنها ما زالت تخشى اتخاذ الخطوة الأولى؟
اتبعي شغفك. ابدئي وتعلّمي، وخذي الخطوة الأولى عندها سيتلاشى الخوف، وتزداد الثقة والشغف مع كل خطوة. ابني حلمك واستمتعي بالتجربة.
تشهد المملكة توسعا سريعا في قطاعات السياحة والنقل والطيران والخدمات الجوية. كيف ترين انعكاس هذا التحول على الفرص المتاحة للجيل الجديد من السعوديات؟
نعيش اليوم عصرا ذهبيا للمملكة في ظل رؤية السعودية 2030، وما نشهده من نمو متسارع يفتح أمام الجيل الجديد من السعوديات فرصا ومسارات متنوعة لم تكن متاحة في السابق. وفي قطاع الطيران تحديدا، نرى هذا التحول في توسع THC بخدمات تدعم الرعاية الصحية والسياحة والرياضة والمشاريع الكبرى، ما يخلق احتياجات ومسارات مهنية جديدة للكفاءات الوطنية. والأجمل أن هذه الفرص تمتد إلى التميز والمساهمة في صناعة مستقبل هذه القطاعات.
ما السماء التي تريدين أن تصلي إليها؟
سماء طموحاتي لا حدود لها، فكل مرحلة أصل إليها تفتح أمامي طموحا جديدا. حلمي أن أبني اسما مهنيا يُعرف بالكفاءة والاحتراف، وأن أتقدم إلى أدوار أكبر في الطيران والقيادة. كما أحلم بترك أثر مهني يسهّل الطريق أمام الجيل الجديد من السعوديات.
ما الذي يجعلك فخورة تحديدا بأن تكوني جزءا من قطاع يتطور بهذه السرعة داخل المملكة؟
أفخر بأن تكون مسيرتي جزءا من مرحلة تشهد فيها المملكة هذا التطور الكبير في قطاع الطيران. والأجمل أنني لا أتابع هذا التحول من بعيد، بل أعيش تفاصيله وأتطور معه. وأطمح إلى أن يكون لي دور ومساهمة حقيقية في مستقبله، بما يواكب طموحات المملكة العربية السعودية وما تسعى للوصول إليه.
رغد حسان محضر
مرحّل جوي
مجالي يدفعني إلى تحدي ذاتي باستمرار

كيف وجدتِ طريقك إلى عالم عمليات الطيران والمروحيات؟
يعود شغفي بالطيران إلى عمر العاشرة، حين اصطحبني والدي، رحمه الله، إلى المطار وحدثني عن الطائرات والمحركات، فبدأ حب لم يفارقني. في بداياتي المهنية، عملت إداريا في مستشفى، لكنني لم أجد نفسي في ذلك المجال، إذ كان حلم طفولتي أن أصبح مهندسة طيران، وهو تخصص لم يكن متاحا للفتيات وقتها. وبعد حصولي على البكالوريوس، عاد شغف الطيران ليتملكني، فوجدت أكاديمية رواد الطيران وبرنامجها لتأهيل المرحّل الجوي. وبالفعل، درست وأنا على رأس العمل صباحا في مكة ومساء في جدة، حتى حصلت على الرخصة.
ما اللحظة التي جعلتك تشعرين بأن الطيران لم يعد مجرد وظيفة جديدة، بل أصبح مجالا تريدين بناء مستقبلك داخله؟
في أول سنة لي في العمل، شاركت في رحلة بحث وإنقاذ لشخصين تاها وسط الجبال؛ للأسف توفي أحدهما، بينما تمكّنا من إنقاذ الآخر ونقله إلى المستشفى. في تلك اللحظة أدركت أن هذا ليس مجرد عمل، بل رسالة أريد بناء مستقبلي حولها، وأن كل قرار قد يكون فارقا في حياة إنسان لا يعرف اسمي.
شاركتِ ميدانيا في عمليات مرتبطة برالي داكار. كيف كانت تجربة العمل في حدث بهذا الحجم؟
يُعدّ "رالي داكار" حدثا ضخما يتطلب تنسيقا دقيقا لعدد كبير من المروحيات في وقت واحد؛ من قلة النوم والمبيت في الخيام، إلى تجهيز الرحلات في بيئة صحراوية، والعمل أحيانا من دون شبكة إنترنت، وترتيب هبوط طارئ والتنسيق مع الجهات المعنية للحفاظ على سلامة الطائرة والكابتن. أثبتت لي هذه التجربة أنني قادرة على اتخاذ القرار الصحيح تحت أصعب الظروف. كما جعلتني أرى عن قرب كيف تسهم THC، بصفتها الشريك الاستراتيجي للطيران للشركة السعودية لرياضة المحركات، في تنفيذ عمليات جوية آمنة وموثوقة خلال فعاليات عالمية تتطلب أعلى مستويات التنسيق والجاهزية.
هناك الكثير من الوظائف في قطاع الطيران التي لا يعرف عنها الجمهور كثيرا. هل تعتقدين أن الشابات السعوديات اليوم يعرفن حجم الفرص الموجودة خارج وظيفة الطيار أو طاقم الضيافة؟
لا يزال الوعي محدودا، فكثير من الفتيات يربطن الطيران بالطيار والمضيفة فقط. لكن القطاع اليوم يفتح أبوابه أمام مجالات أكثر بكثير، مثل الصيانة، والترحيل الجوي، وتخطيط الطواقم، والجودة، واللوجستيات. وفي THC، يعكس هذا التنوع حجم منظومة العمل وتعدد التخصصات والخبرات التي تقف خلف كل رحلة.
كيف ترين حضور المرأة السعودية اليوم داخل غرف العمليات ومراكز القرار والتنسيق في قطاع الطيران مقارنة ببداية مسيرتك؟
بدأت مسيرتي كأول امرأة في هذا المجال بالشركة، وكان لزملائي الدور الرئيس في تعلّمي، حيث رحبوا بكل أسئلتي، ولم أشعر يوما بأي تفرقة، رغم أنني كنت المرأة الوحيدة في الفريق. أما اليوم، فرغم أن عدد النساء في المجال ما زال قليلا مقارنة بالرجال، فإن حضورهن في غرف العمليات ومراكز القرار أصبح أوضح وأكثر ثباتا من قبل، وهذا أكبر تغيير ألمسه مقارنة ببداية مسيرتي. كما أرى أن تركيز الشركة على بناء فريق عمل متنوع وتطوير الكفاءات الوطنية يسهم في ترسيخ هذا الحضور وفتح المجال أمام مزيد من السعوديات لتولي المهام التشغيلية والمشاركة في صنع القرار.
ما الذي يجعلك فخورة تحديدا بأن تكوني جزءا من قطاع يتطور بهذه السرعة داخل المملكة؟
أشعر بفخر شديد كل يوم لعملي في مجال يدفعني إلى تحدي ذاتي باستمرار. أحب أن أصف نفسي بـ"الجندي المجهول" الذي لا يعرفه أحد، لكن عمله يرافق الكابتن خطوة بخطوة، بداية من متابعة الطقس والوقود، وصولا إلى توفير كل ما يحتاج إليه لإتمام رحلته بأمان. ونظرا إلى تشغيل الشركة عملياتها من 14 قاعدة في أنحاء المملكة، أدرك حجم المنظومة التي يعمل مركز العمليات على ربطها وضمان جاهزيتها، سواء في المدن أو المناطق النائية أو مواقع المشاريع الكبرى. وأفخر بأنني جزء من جيل أثبت أن تمكين المرأة في هذا القطاع قرار صحيح، في وطن يتيح لبناته اليوم الوصول إلى أي مجال يخترنه.
ما النصيحة التي تقدمينها لشابة سعودية لديها الشغف بالطيران، لكنها ما زالت تخشى اتخاذ الخطوة الأولى؟
كنت كأي فتاة تحلم بمجال كان يراه البعض صعبا على النساء، ولم أكن أعرف من أين أبدأ. لكن والدتي كانت وما زالت الداعم الأول لي في قراراتي، وكانت ثقتي بربي أولا وبقدراتي هي ما جعلني أؤمن بأنه لا شيء مستحيلا. ونصيحتي لكل فتاة شغوفة: لا تنتظري أن يظهر طريق واضح أمامك، فالخطوة الأولى نادرا ما تكون مثالية، لكنها البداية التي تفتح المجال أمام آفاق أوسع.
ما السماء التي تريد رغد أن تصل إليها بعد ذلك؟ وما الحلم المهني الذي لم يتحقق بعد؟
حلمي أن أتولى دورا قياديا يتيح لي أن أعلّم أجيالا قادمة في القطاع، تماما كما فعل زملائي معي. طموحي دائما أكبر مما أتخيله، وما زال هناك الكثير الذي أتطلع إلى تحقيقه وتعلّمه، ورحلتي ما هي إلا بداية طريق أطول أريد أن أتركه مفتوحا لمن يأتي بعدي.