صلاح سردوك: المستقبل للمدن الأكثر مرونة

"هي" تسأل: ماذا يعني أن تكون المدينة ذكية حقًا؟.. صلاح سردوك: المستقبل للمدن الأكثر مرونة

من الواضح في عصر لا يعرف الهدوء أن المدن الذكية لم تعد تُعرَّف بعدد أجهزة الاستشعار التي تحتضنها، ولا بحجم اعتمادها على الذكاء الاصطناعي والأنظمة المتصلة فقط، بل بقدرتها على الاستجابة للتحديات، والتكيف مع المتغيرات، وضمان حياة أكثر أمانًا واستدامة ومرونة لسكانها. وفي ظل تسارع التحولات المناخية والرقمية والاقتصادية، أصبحت جاهزية المدن للمستقبل مسألة تتجاوز التكنولوجيا، لتشمل التخطيط الحضري، والحوكمة، والبنية التحتية، واستمرارية الخدمات، وجودة الحياة.

في هذا الحوار مع "هي"، يوضح صلاح سردوك، مؤسس شركة "أبيكس أطلس"، كيف يمكن بناء مدن تستشرف المخاطر قبل وقوعها، وتدمج الأمن منذ المراحل الأولى للتصميم من دون أن تفقد طابعها الإنساني أو انفتاحها. كما يتناول أبرز التحديات التي تواجه مدن دولة الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي، وأهمية المرونة المناخية، والدور الذي يمكن أن تؤديه الإمارات في صياغة معايير عالمية جديدة لمدن أكثر أمانًا واستدامة وقدرة على الصمود.

صلاح سردوق مؤسس شركة  أبكس أطلس جلوبال مؤسس شركة  سيملس رينوفيشنز
صلاح سردوك مؤسس شركة أبكس أطلس جلوبال مؤسس شركة سيملس رينوفيشنز

ومن منظور يضع الإنسان في قلب المشهد، يؤكد سردوك لـ"هي" أن نجاح مجتمعات المستقبل لن يُقاس بمدى تطورها التقني فقط، بل بقدرتها على تمكين السكان من العيش والعمل والازدهار بثقة، ضمن بيئات ذكية، موثوقة، ومهيأة لعالم يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.

وبصفته مؤسس شركة أبكس "أطلس جلوبال" ومؤسس شركة "سيملس رينوفيشنز"، يقود صلاح سردوك التوجه الاستراتيجي للشركتين، ويشرف على تطوير الأعمال والتنفيذ التشغيلي للمشاريع التي تتطلب أعلى مستويات الدقة والابتكار وجودة التنفيذ. على مدار مسيرته المهنية، نجح صلاح في إدارة وتسليم مجموعة متنوعة من المشاريع التي تشمل أعمال التجهيزات التجارية والمؤسسية، وأجنحة المعارض، والبنية التحتية للفعاليات، والمرافق الآمنة، وغرف القيادة والتحكم، والبنى التحتية الحيوية، والحلول المتكاملة الجاهزة للتسليم. وتمتد خبراته إلى ما هو أبعد من قطاع الإنشاءات التقليدي، لتشمل البيئات الآمنة المدمجة بالتقنيات الحديثة، والمرافق التشغيلية، وحلول البنية التحتية المصممة خصيصًا لتلبية الاحتياجات المتطورة للجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص.

ومن خلال شركة  أبكس أطلس جلوبال ، يلتزم صلاح بدعم المؤسسات والجهات المختلفة عبر تقديم حلول بنية تحتية آمنة وجاهزة للمستقبل، تجمع بين الابتكار والمرونة والتميز التشغيلي. وينطلق في عمله من شغف حقيقي ببناء شراكات طويلة الأمد وتحقيق قيمة مستدامة للعملاء والاستشاريين والجهات الحكومية والمطورين والشركاء الاستراتيجيين في مختلف أنحاء المنطقة.

صلاح سردوق مؤسس شركة  أبكس أطلس جلوبال مؤسس شركة  سيملس رينوفيشنز

تشهد المدن اليوم تطورًا متسارعًا لتصبح أكثر ذكاءً وسرعةً وترابطًا. برأيك، ماذا يعني مفهوم "جاهزية المدينة الذكية" الحقيقي؟

عندما يسمع الناس مصطلح "المدينة الذكية"، فإن أول ما يتبادر إلى أذهانهم هو التكنولوجيا، وأجهزة الاستشعار، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة المتصلة. ورغم أن هذه العناصر تُعد مكونات أساسية، فإن مفهوم الجاهزية الحقيقية للمدن الذكية يتجاوز التكنولوجيا بكثير. فهو يتمثل في بناء مدينة قادرة على التكيف المستمر مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتكنولوجية، مع الحفاظ على جودة حياة عالية لسكانها.

المدينة الذكية بحق هي تلك التي تعمل فيها البنية التحتية، والحوكمة، والتنقل، والرعاية الصحية، والتعليم، والخدمات العامة بتناغم وتكامل. ولا ينبغي أن تكون التكنولوجيا غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لحل المشكلات الواقعية وتحسين الحياة اليومية للمجتمع. وتعني الجاهزية امتلاك القدرة على استشراف التحديات قبل وقوعها، والاستجابة لها بكفاءة عند حدوثها، والتعافي منها بسرعة لضمان استمرارية الحياة والعمليات.

كما تعني أيضًا تصميم المدن انطلاقًا من احتياجات الإنسان قبل الأنظمة. فالمدن الأكثر نجاحًا في المستقبل ستكون تلك التي توظف التكنولوجيا لبناء مجتمعات أكثر أمانًا، وشمولًا، واستدامةً، وقدرةً على التكيف. وفي نهاية المطاف، فإن جاهزية المدينة الذكية ليست هدفًا يتم الوصول إليه، بل التزام مستمر بالتطوير والاستعداد للمستقبل.

صلاح سردوق مؤسس شركة  أبكس أطلس جلوبال مؤسس شركة  سيملس رينوفيشنز

تتحدثون كثيرًا عن مفهوم "الأمن من خلال التصميم". كيف يمكن دمج هذا المفهوم في العمارة، والمشاريع العقارية، والمساحات العامة دون أن يشعر الناس بأنه يفرض قيودًا عليهم؟

يقوم مفهوم "الأمن من خلال التصميم" على أن تؤخذ اعتبارات السلامة والأمن في الحسبان منذ المراحل الأولى للتخطيط، بدلاً من إضافتها لاحقًا كرد فعل على المخاطر المحتملة. وغالبًا ما تكون أفضل الحلول الأمنية هي تلك التي لا يشعر بها المستخدم، لأنها مندمجة بسلاسة داخل البيئة المحيطة.

وفي مجالي العمارة والتخطيط الحضري، يتحقق ذلك من خلال تصميم مساحات تعزز بطبيعتها الرؤية الواضحة، وسهولة الحركة، ومستويات السلامة، مع الحفاظ على الانفتاح والجماليات المعمارية. ويشمل ذلك توزيعًا ذكيًا للمساحات، وإدارة متطورة للدخول والخروج، وبنية تحتية مرنة، وخططًا فعالة للاستجابة للطوارئ تعمل في الخلفية دون التأثير على تجربة المستخدم.

ويبقى التحدي الأساسي هو تحقيق التوازن بين الحماية والراحة. فالناس يرغبون في الشعور بالأمان، لكنهم لا يريدون أن يشعروا بأنهم محاصرون أو مقيدون. واليوم، تنجح المشاريع الحديثة في دمج التقنيات المتقدمة، وأنظمة المراقبة الذكية، وعناصر التصميم المرن، مع الحفاظ على بيئات إنسانية مريحة ومرحبة. فالأمن الحقيقي يجب أن يمنح الثقة وراحة البال، لا أن يثير القلق. وعندما يُنفذ بالشكل الصحيح، يستفيد الجميع من الحماية دون أن يشعروا بوجودها.

صلاح سردوق مؤسس شركة  أبكس أطلس جلوبال مؤسس شركة  سيملس رينوفيشنز

ما أبرز المخاطر التي ينبغي للمدن الحديثة الاستعداد لها اليوم، خصوصًا في دولة الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي؟

شهدت طبيعة المخاطر تغيرًا جذريًا خلال العقد الماضي، فلم تعد المدن تواجه التهديدات الأمنية التقليدية فقط، بل أصبحت عرضة لمجموعة واسعة من التحديات، تشمل التقلبات الاقتصادية، والهجمات السيبرانية، والظواهر المناخية، والأزمات الصحية، وتعطل البنية التحتية، والتوسع الحضري المتسارع، وكلها عوامل قد تؤثر بشكل مباشر في كفاءة عمل المدن واستمرارية خدماتها.

وتكتسب هذه التحديات أهمية خاصة في دولة الإمارات ودول الخليج، نظرًا للوتيرة السريعة للتنمية، ولدور المنطقة كمركز عالمي للأعمال، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والابتكار. ومع ازدياد الترابط بين الأنظمة والقطاعات، قد يؤدي أي خلل في قطاع واحد إلى تأثيرات متسلسلة تطال العديد من القطاعات الأخرى.

ولذلك، فإن الاستعداد لهذه المخاطر يتطلب نهجًا شاملاً يجمع بين القطاعين الحكومي والخاص. فلم يعد التركيز على الوقاية وحدها كافيًا، بل أصبح من الضروري تعزيز القدرة على التكيف، وضمان استمرارية الأعمال، والتعافي السريع عند وقوع الأزمات. فالمدن التي ستنجح في المستقبل هي تلك التي تنظر إلى المرونة باعتبارها ميزة استراتيجية، وليس مجرد أداة لإدارة المخاطر.

صلاح سردوق مؤسس شركة  أبكس أطلس جلوبال مؤسس شركة  سيملس رينوفيشنز

أصبحت المرونة المناخية من أبرز القضايا العالمية. كيف ينبغي لمدن المستقبل أن تهيئ بنيتها التحتية لمواجهة المخاطر البيئية والظروف المناخية القاسية؟

تحولت المرونة المناخية من كونها موضوعًا مرتبطًا بالاستدامة على المدى الطويل إلى أولوية ملحة في التخطيط الحضري. وتشهد المدن حول العالم ضغوطًا متزايدة نتيجة الظواهر الجوية المتطرفة، وارتفاع درجات الحرارة، وشح المياه، والتحديات البيئية المختلفة.

ولهذا، يجب أن تُصمم البنية التحتية المستقبلية بما يتوافق مع هذه المتغيرات، من خلال الاستثمار في أنظمة مرنة وقابلة للتكيف تستطيع مواصلة دعم النشاط الاقتصادي ورفاهية المجتمع رغم تغير الظروف البيئية. كما ينبغي أن يراعي التخطيط الحضري كفاءة استخدام الطاقة، وإدارة الموارد المائية، وأساليب البناء المستدام، وتوسيع المساحات الخضراء، وتعزيز شبكات النقل المرنة.

ولا ينبغي النظر إلى المرونة من منظور مادي فقط، بل أيضًا من منظور اجتماعي. فالهدف لا يقتصر على حماية الأصول والمنشآت، وإنما يشمل ضمان قدرة المجتمعات على مواصلة حياتها الطبيعية خلال الأزمات. فالمدن التي تستثمر في المرونة المناخية اليوم ستكون أكثر قدرة على جذب الاستثمارات، وتحفيز النمو، والحفاظ على تنافسيتها في المستقبل. ولم تعد الاستدامة والمرونة هدفين منفصلين، بل أصبحا عنصرين متكاملين لا يمكن الفصل بينهما.

صلاح سردوق مؤسس شركة  أبكس أطلس جلوبال مؤسس شركة  سيملس رينوفيشنز

أصبحت دولة الإمارات مرجعًا في الابتكار والتخطيط الحضري والمشروعات الطموحة. ما الدور الذي يمكن أن تؤديه في وضع معايير جديدة للمدن الآمنة والمستدامة؟

أثبتت دولة الإمارات قدرتها الاستثنائية على تحويل الرؤى الطموحة إلى واقع ملموس. وما يميزها هو تبنيها للابتكار بالتوازي مع الاستثمار المستمر في التخطيط طويل الأمد وتطوير البنية التحتية.

ومع استمرار التوسع الحضري عالميًا، تمتلك الإمارات فرصة حقيقية لتصبح نموذجًا عالميًا في كيفية دمج التكنولوجيا، والاستدامة، والأمن، وجودة الحياة ضمن منظومة متكاملة. كما يمكنها أن تقدم نموذجًا عمليًا للتعاون بين الحكومات، وقطاع الأعمال، والمجتمع لبناء مدن مزدهرة اقتصاديًا وقادرة على الصمود اجتماعيًا.

ولا يقتصر دور الإمارات على تطوير المشاريع العمرانية، بل يمتد إلى قيادة الفكر، وصياغة السياسات، وتقديم نماذج عملية حول كيفية تصميم وإدارة مدن المستقبل. ويمكن للدروس المستفادة من تجربتها التنموية أن تسهم في إثراء الحوار العالمي حول التنمية الحضرية، والمرونة، والنمو المستدام، بما يجعل تأثيرها يتجاوز حدود المنطقة ليصل إلى المستوى الدولي.

صلاح سردوق مؤسس شركة  أبكس أطلس جلوبال مؤسس شركة  سيملس رينوفيشنز

بالنسبة للسكان والعائلات، ماذا ينبغي أن يتوقعوا من الجيل القادم من المجتمعات الذكية والآمنة؟

سيتميز الجيل القادم من المجتمعات بتركيز أكبر على جودة الحياة، والرفاه، وسهولة المعيشة، والاستدامة، والمرونة. وسيصبح السكان أكثر تطلعًا إلى بيئات تلبي احتياجاتهم اليومية، وتدعم في الوقت نفسه صحتهم ورفاههم وجودة حياتهم بشكل عام.

وستلعب التكنولوجيا دورًا محوريًا في بناء مجتمعات أكثر كفاءة واستجابة، إلا أن قيمتها الحقيقية ستظهر في قدرتها على تحسين الحياة اليومية للسكان. وسيستفيد الأفراد من أحياء أكثر أمانًا، وحلول تنقل أكثر تطورًا، وبيئات أكثر نظافة، وخدمات أكثر سهولة، إضافة إلى تعزيز روح المشاركة المجتمعية.

وفي المقابل، ستزداد تطلعات السكان فيما يتعلق بالخصوصية، والأمن، والموثوقية. فالعائلات ترغب في الاطمئنان إلى أن الأماكن التي تعيش وتعمل وتتفاعل فيها مهيأة لمواجهة تحديات المستقبل. ولذلك، فإن مجتمعات الغد ستمنح الابتكار والمرونة القدر نفسه من الاهتمام، ولن يُقاس نجاح المدينة بمدى تطورها التقني فقط، بل بقدرتها على خدمة الإنسان وتعزيز جودة حياته.

وفي نهاية المطاف، ستقوم هذه المجتمعات المستقبلية على مبدأ بسيط وواضح: بناء بيئات تُمكّن الإنسان من العيش والعمل والازدهار بثقة في عالم يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.

مدير تحرير مجلة "هي" الإلكترونية، بخبرة تفوق 13 عامًا، متخصص في الصحافة الرقمية والسينما واللايف ستايل.