لماذا ننجذب للأشخاص الذين يصعب الوصول إليهم؟ علم النفس وراء الحب الصعب
هناك نوع من العلاقات يرهق القلب منذ بدايتها، ومع ذلك يظل قادرًا على جذبنا بقوة غريبة. علاقة صعبة غير واضحة يطول فيها الانتظار، وتسيطر عليها المشاعر غير المفهومة، مشاعر تأخذنا بلا تفكير أو منطق لمن يصعب الوصول إليهم.
كثيرون يتساءلون: لماذا ننجذب للأشخاص الذين يصعب الوصول إليهم؟ ولماذا يبدو الحب معهم أكثر صعوبة؟
الأمر لا يتعلق دائمًا بالحب الحقيقي، بل أحيانًا يرتبط بالاحتياج العاطفي، والخوف من الرفض، وأنماط التعلق النفسية، وحتى بطريقة عمل الدماغ نفسه عند مواجهة الغموض وعدم اليقين.
اكتشفي معي لماذا يحدث الانجذاب للأشخاص الذين يصعب الوصول إليهم من منظور نفسي مفهوم عبر إفادة بحسب الدكتورة أميرة داوود دكتوراه صحة نفسية جامعة سيلينس إنجلترا-علاج شعورى وعلاج بالطاقة الحيوية.
من هم الأشخاص الذين يصعب الوصول إليهم؟
الأشخاص الذين يصعب الوصول إليهم هم أولئك الذين يمنحون اهتمامًا متقطعًا أو يبدون غير متاحين عاطفيًا بصورة طبعية كما في علاقات الحب الجميلة الواضحة، هؤلاء عادة ما يكونوا مترددين في الالتزام، غامضين في مشاعرهم، يتقربون ثم يبتعدون فجأة، ويخشون العلاقات الجادة، يرسلون إشارات متضاربة. ربما كان ذلك كله هو سر الانجذاب!
لماذا ننجذب للأشخاص الذين يصعب الوصول إليهم؟
بحسب د.أميرة داوود، تتعدد أسباب الانجذاب لهؤلاء الأشخاص أصحاب الحب الصعب، وهذه الأسباب هي:
-
الدماغ ينجذب إلى الغموض والتحدي
يميل العقل البشري بطبيعته إلى مطاردة الأشياء غير المضمونة. فعندما لا نحصل على الاهتمام بصورة كاملة، يبدأ الدماغ في التركيز أكثر على الشخص الغامض، لأن عدم الوضوح يخلق حالة من الترقب المستمر.
وفي علم النفس، وبحسب د. أميرة، ترتبط المكافآت غير المتوقعة بإفراز هرمون الدوبامين، وهو الهرمون المرتبط بالشعور بالحماس والرغبة. لذلك قد يشعر الإنسان بإثارة عاطفية أكبر تجاه العلاقة الصعبة مقارنة بالعلاقة المستقرة والواضحة.
-
الحب الصعب يوقظ الرغبة في إثبات الذات
أحيانًا لا يكون التعلق بالشخص نفسه، بل بالشعور الذي نريد الوصول إليه من خلاله. فعندما يكون الطرف الآخر بعيدًا أو صعب المنال، قد يتحول الأمر داخليًا إلى محاولة لإثبات القيمة الذاتية، وكأن الحصول على حب هذا الشخص يعني: "أنا أستحق الحب والاهتمام."
لهذا السبب قد يستمر البعض في مطاردة علاقة مرهقة عاطفيًا رغم الألم الواضح فيها.
-
أنماط التعلق النفسية تلعب دورًا كبيرًا
إن طريقة ارتباط الإنسان عاطفيًا في طفولته تؤثر بصورة كبيرة في اختياراته العاطفية لاحقًا.
وبحسب د. أميرة تتعدد أنواع التعلق كما يلي:
- التعلق القلق، الأشخاص الذين يعانون من هذا النوع من التعلق غالبًا ينجذبون إلى العلاقات غير المستقرة، لأنهم يشعرون بخوف دائم من الفقد أو الهجر، فيصبحون أكثر تعلقًا بالطرف غير المتاح.
- التعلق التجنبي، أما الشخص المتجنب عاطفيًا، فيميل إلى خلق مسافة في العلاقات، ما يجعله يبدو غامضًا وصعب الوصول. وغالبًا ما تنجذب الشخصيات القلقة إلى الشخصيات المتجنبة، فتدخل العلاقة في دائرة من القرب والابتعاد المستمر.
4. التعود على الحب المشروط
بعض الأشخاص نشأوا في بيئة لم يكن فيها الحب ثابتًا أو واضحًا، فارتبط الحب لديهم بالتعب أو القلق أو محاولة كسب الاهتمام. وعندما يكبرون، قد يشعرون أن العلاقات الصحية “مملة” لأنهم تعودوا نفسيًا على الحب الذي يحتاج إلى جهد ومعاناة. لهذا ينجذبون دون وعي إلى العلاقات المعقدة أو غير المستقرة.
5. الندرة تزيد القيمة النفسية
هناك قاعدة نفسية معروفة تُسمى "تأثير الندرة"، وتعني أن الإنسان يميل إلى تقدير الأشياء النادرة أو غير المتاحة بسهولة. فعندما يكون الشخص قليل الحضور أو صعب الوصول، قد يبدو أكثر أهمية وجاذبية، حتى لو لم يكن مناسبًا فعلًا للعلاقة الصحية.
علامات تدل على أنك منجذبة للحب الصعب
قد تكونين منجذبًة للأشخاص غير المتاحين عاطفيًا إذا كنتِ:
- تنجذبين لمن يمنحك اهتمامًا متقطعًا.
- تبررين الإهمال أو الغموض باستمرار.
- تشعرين بالملل من العلاقات المستقرة.
- تربطين الحب بالألم أو الانتظار.
- تبذلين مجهودًا عاطفيًا أكبر بكثير من الطرف الآخر.
- تفكرين بالطرف الآخر طوال الوقت رغم قلة التواصل.
هل الحب الصعب يعني حبًا حقيقيًا؟
ليس دائمًا. ففي كثير من الأحيان يتم الخلط بين: التعلق العاطفي، الإعجاب، التحدي النفسي، الخوف من الفقد، الحاجة للاهتمام، وبين الحب الحقيقي القائم على الأمان والوضوح. إن الحب الصحي لا يجعلك تعيش في قلق دائم أو تبحث باستمرار عن إشارات تطمئنك بأنك مهم للطرف الآخر.
ما هو تأثير العلاقات الصعبة في الصحة النفسية؟
العلاقات غير الواضحة قد تؤدي مع الوقت إلى:=
- الإرهاق العاطفي.
- القلق المستمر.
- ضعف الثقة بالنفس.
- التعلق المرضي.
- الشعور بعدم الأمان.
- التقلبات المزاجية.
- وفي بعض الحالات، قد يصبح الشخص مدمنًا على هذا النوع من العلاقات بسبب الارتفاع والانخفاض المستمر في المشاعر.
لماذا يصعب علينا الانسحاب من الحب الصعب؟
يحدث ذلك لأن الدماغ أحيانًا يربط "الانتظار" بالمكافأة. فكل لحظة اهتمام مفاجئة من الشخص الغامض تعطي شعورًا مؤقتًا بالسعادة، فيدخل الإنسان في دائرة من الترقب والإدمان العاطفي، منتظرًا الرسالة التالية أو الاهتمام القادم.
وهذا يشبه نفسيًا التعلق بالمكافآت غير المنتظمة، وهي من أقوى الأنماط التي يصعب التخلص منها.
كيف تتخلصين من الانجذاب للعلاقات الصعب؟
لكي تتخلصي من الانجذاب للأشخاص الذين من الصعب الوصول إليهم ومن علاقات الحب الصعبة، يجب عليكِ تطبيق ما يلي:
-
افصلي بين الحب والتحدي
اسألي نفسك (هل أحب هذا الشخص فعلًا؟ أم أحب فكرة الوصول إليه أو الارتباط به)، أحيانًا يكون التحدي هو مصدر التعلق وليس العلاقة نفسها.
-
راقبي تأثير العلاقة في صحتك النفسية
وهذا أمر مهم للغاية، لأن العلاقة الصحية تمنح شعورًا بالأمان، لا القلق الدائم. فإذا كانت العلاقة تستنزفك أكثر مما تمنحك راحة نفسية، فقد تكون علاقة غير صحية مهما كانت مشاعرك قوية. لذلك توصي د.أميرة بالانسحاب فورًا من العلاقة.
-
افهمي نمط تعلقك العاطفي
معرفة نمطك العاطفي تساعدك على فهم أسباب اختياراتك المتكررة في العلاقات. فبعض الأشخاص يكررون نفس نوع العلاقات المؤذية بسبب تجارب سابقة لم يتم التعافي منها بشكل نهائي.
-
لا تعتبري الغموض مبررًا للانجذاب
الشريك المناسب لا يجعلك تعيش في حيرة مستمرة. الوضوح العاطفي لا يقلل الجاذبية إلى الطرف الآخر ولكنه يحقق شعورك بالأمان في العلاقة، ويعكس النضج والرغبة في بناء علاقة مستقرة.
-
قدري ذاتك في الحب
كلما زادت ثقتك بنفسك، قل احتياجك لمطاردة أشخاص يمنحونك حبًا مؤلمًا ومشاعر تسبب حزنك. فالأشخاص الذين يعرفون قيمتهم لا يربطون الحب بالمعاناة المستمرة.
هل يمكن أن يتحول الحب الصعب إلى علاقة ناجحة؟
أحيانًا نعم، لكن بتوافر الشروط التالية بحسب د.أميرة
- الوضوح العاطفي
- رغبة حقيقية في الالتزام.
- التواصل الفعال
- النضج العاطفي والنفسي
وفي الختام، يبقى سؤال: لماذا ننجذب للأشخاص الذين يصعب الوصول إليهم؟ من أكثر الأسئلة المحيرة في العلاقات العاطفية غير الواضحة. فالحب الصعب لا يكون دائمًا حبًا عميقًا، بل قد يكون انعكاسًا لاحتياجات نفسية متراكمة أو لخوف من الرفض، أو بسبب التعلق.
وهنا تؤكد د.أميرة أن العلاقات الصحية لا تقوم على الحيرة المستمرة أو الجهد من طرف واحد، بل على الأمان والوضوح والاهتمام المتبادل. وعندما يفهم كل طرف نفسه جيدًا، يصبح أكثر قدرة على اختيار الحب الذي يمنحه الراحة النفسية والأمان وليس الحيرة والألم والمعاناة.

