بين الحب والتعلق العاطفي: دليلكِ لحماية قلبكِ وفهم مشاعرك
قد نصاب بداء التعلق ونظنه حباً، والفارق بينهما كبير. ليس كل شعور قوي يعني حباً، وليس كل اشتياق دليل ارتباط صحي. أحياناً نخلط بين الحب والتعلق العاطفي لأن كليهما يحمل حرارة المشاعر وعمق الاحتياج.
كثير من العلاقات تستمر لسنوات، لا لأنها قائمة على حب حقيقي، بل لأنها قائمة على تعلق عاطفي عميق يصعب الانفصال عنه. تُرى، كيف يمكن التمييز بين الحب الحقيقي والتعلق العاطفي؟ وكيف لنا أن نقيم مشاعرنا تقييماً سليماً تجاه الآخرين؟ هل نحبهم حقاً، أم أن تعلقنا بهم هو سبب هذا الارتباط؟
أنا هنا لأفكر معكم، وليس لأحكم على المشاعر، بل لفهمها فهماً حقيقياً واضحاً، لأن العلاقات العاطفية الصحية تبدأ بفهم المشاعر واحتوائها.
ما الفرق بين الحب والتعلق العاطفي؟
الحب والتعلق العاطفي قد يتشابهان في المظهر، لكن الفرق بينهما كبير، ويكمن في أثر كل منهما. الأول يزرع في القلب السكينة، والأخر يربطه بخيط رفيع تحت مسمى التعود والاحتياج. وبين هذا وذاك تبدأ حيرتنا: هل نحب فعلاً، أم أننا فقط تعودنا وتعلقنا والتبس علينا الأمر بين العشق والهوى، والتعود؟
الحب الحقيقي ليس اندفاعاً مؤقتاً، ولا تعلقاً مشروطاً بوجود الآخر. الحب علاقة ناضجة تتوافر فيها أمور ذات أثر طيب وجميل على النفس، مثل الأمان النفسي، والمشاعر الدافئة، والمودة، والرحمة، والاحترام المتبادل. الحب هو الرغبة الحرة في الاستمرار في العلاقة وتبادل الدعم وكل الإيجابيات الجميلة فيها.
في الحب الصحي، لا يشعر أحد الطرفين بأنه مهدد أو خائف من الفقد في كل لحظة. الحب يمنح الطمأنينة، لا القلق. يمنح مساحة، لا مجالاً للشعور بالملل والاختناق، فمن يحب حقاً لا يمكن أن يمل ممن يحب.
أما التعلق العاطفي، فهو حالة نفسية يشعر فيها الإنسان باعتماد عاطفي مفرط على الطرف الآخر، بحيث يصبح وجوده مصدر الأمان الوحيد، وغيابه مصدر تهديد داخلي كبير. قد يشعر صاحبه كأنه حب في البداية، ولكنه ليس كذلك، فمشاعر الخوف من الوحدة تكشفه.
في التعلق، يصبح الطرف الآخر محور الحياة بالكامل، وتصبح العلاقة مصدراً للقلق بدل الراحة البال. هذا الفرق بين الحب والتعلق العاطفي يفسر لماذا نتمسك بمن لا يريدنا في بعض الأحيان.
ثمة أمور أخرى توضح الفرق بين الحب والتعلق العاطفي، أبرزها:
- الشعور بالأمان، حين نحب يرافقنا الأمان حتى في غياب الطرف الآخر، وحين نتعلق يسيطر علينا القلق بمجرد الغياب.
- الحرية والمساحة الخاصة مقابل الاعتماد على وجود الآخر،في الحب، لكل طرف مساحة خاصة، وأصدقاء، واهتمامات مستقلة. أما في التعلق، فمن الصعب تقبل استقلال الطرف الآخر بعيد عنا.
- تقبل العيوب، القبول بالعيوب في الحب يكون من أجل الحب وحده، لذلك يكون بوعي وإرادة دون أي دوافع تجبر على ذلك. في التعلق يحدث تغافل عن العيوب خوفاً من الخسارة والفقد الموجع.
- التعامل مع الخلافات، في الحب يُدار أي خلاف بنضج وفهم، وفي التعلق يرتبط أي خلاف بسيط سريعاً بمخاوف الانفصال.
- القيمة الذاتية، في الحب، لا تتوقف القيمة الذاتية على الشريك. أما في التعلق، فيوجد فهم خاطئ بأن القيمة الذاتية ترتبط بتواجد الطرف الآخر معه دائماً.

لماذا نخلط بين الحب والتعلق العاطفي؟
التعلق يشعرنا بشدة المشاعر، والإنسان بطبعه يربط الشدة بالصدق. كلما زادت الغيرة، والقلق، والاشتياق، ظننا أن الحب أكبر. لكن الحقيقة أن الحب لا يُقاس بالألم والمعاناة، بل بالطمأنينة التي ترافق المشاعر الدافئة الجميلة.
أحياناً يكون ما نظنه حباً هو محاولة لملء فراغ داخلي، أو تعويضا لحرمان عاطفي عانينا منه طويلاً، إذ إنه نتيجة لظروف حياتية صعبة، أو خبرات عاطفية مؤلمة، فنظل نبحث عمن يمنحنا الشعور الذي افتقدناه سابقاً.
كيف نعرف أنه حب أو تعلق؟
ثمة علامات توضح أنه تعلق وليس حبًا أبرزها ما يلي:
- التفكير المرهق في الطرف الآخر
- الخوف المبالغ فيه من الفقد
- التضحية المستمرة براحتك لإرضائه
- الشعور بالانهيار عند أي إشارة للابتعاد
- صعوبة تخيل الحياة بدونه
هذه العلامات لا تعني غياب الحب تماماً، فقد يرافقها الحب، ولكنها تحتاج إلى معالجة ليتحقق المعنى الكامل للحب الحقيقي بعيداً عن التعلق العاطفي.
هل يمكن أن يتحول التعلق إلى حب حقيقي؟
نعم، إذا تمت استشارة المختصين وتم التعامل معه بفهم. التعلق استجابة نفسية مفهومة، ومن السهل التخلص منه بدعم الخبراء المعنيين، لأنهم يساعدون من يعانون مرارة التعلق على إعادة بناء العلاقة مع النفس، تعزيز الثقة بالذات
أيهما أصعب الحب أم التعلق؟
سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في أثره. الحقيقة أن الأصعب هو التعلق العاطفي حين يتخفى في صورة حب. فالحب الحقيقي، رغم ما يحمله من تحديات، يمنح القلب طمأنينة ويزرع في الروح أماناً لا يغيب أبداً، حتى في لحظات الخلاف وعند الاختلاف. أما التعلق العاطفي، فتكمن صعوبته في المعاناة والإرهاق والخوف والقلق، وكل ذلك لا يرتبط بالحب، لأنه قائم على الخوف لا الاختيار، وعلى القلق لا السكينة. في الحب نشعر أننا نختار الآخر بحرية، بينما في التعلق نشعر أننا لا نستطيع العيش بدونه.
ختاماً، الحب والتعلق العاطفي قد يتشابهان ظاهرياً، لكن أثرهما مختلف تماماً. الحب يطمئن القلب، والتعلق يرهقه. لا بأس أن نحب بعمق، ولا عيب في احتياجنا في الحب، لكن الفرق الحقيقي في حسم الأمر ومعرفة الفرق بين الحب والتعلق العاطفي. لذا عزيزتي حواء، اختاري علاقة عاطفية تشعرك بالأمان لا القلق، والطمأنينة لا التوتر، واختاري قبل ذلك كله أن تكوني مكتفية بذاتك، لأن أجمل أنواع الحب هو ذلك الذي يأتيكِ وأنتِ كاملة، لا باحثة عمن يكملك.