لماذا نتمسك بمن لا يريدنا؟خبيرة نفسية تجيب
ليس لأننا ضعفاء نتمسك بمن لا يريدنا، ولا لأننا لا نعرف قيمتنا. أحيانًا نتمسك لأن للقلوب منطقًا يخالف حسابات الربح والخسارة؛ منطق الأمل، ذلك الضوء الصغير الذي يكون دائمًا سبب صبرنا على أخطاء وهفوات من نحب.
نُقنع أنفسنا بأنهم ربما يتغيرون، ربما لم يقصدوا إيذاء مشاعرنا أو جرح كرامتنا، وربما.. وربما. فعندما يتعلق الأمر باحتمالية فقدان من نحب، تصبح التبريرات بلا نهاية.
قطعًا، هذا ليس عيبًا فينا، بل تجسيدٌ لمعنى الحب بلا حدود، والغفران بلا حساب. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذا هو السبب الوحيد، أم أن هناك أسبابًا أعمق تفسر لنا لماذا نتمسك بمن لا يريدنا؟
إذا كنتِ تتمسكين بمن لا يريدك، فهذا المقال لكِ، لتتعرفي على التفسير النفسي لذلك. السطور التالية ليست إدانة للتعلق، بل محاولة لفهم أسبابه النفسية العميقة، لأن الفهم هو أول خطوة حقيقية نحو التحرر.

أسباب نفسية تفسر لماذا نتمسك بمن لا يريدنا
نتمسك بمن لا يريدنا لأن الفقد موجع، ولأن الاعتراف بأننا غير مرغوب بنا يهز صورة الذات، ويجبرنا على مواجهة فراغ لم نستعد له بعد. الحب من طرف واحد هو نوع آخر من الفقد؛ فقدٌ للطمأنينة، فقدٌ لراحة البال والسعادة، فقدٌ للكرامة وعزة النفس، أي فقدُ الذات بمعنى أعم وأشمل."
وتفصيلًا، وبحسب "أميرة داوود: دكتوراه صحة نفسية جامعة سيلينس إنجلترا،الأسباب التالية تجيب على سؤال لماذا نتمسك بمن لا يريدنا، لنفهم جميعًا وبتعمق تام الأسباب التي تقف وراء ذلك، ولتكون النتيجة مثمرة ألا وهي التحرر من قلوب لا تشبه قلوبنا.
أبرزها ما يلي:
-
الخوف من الفراغ العاطفي
الفراغ العاطفي ليس غياب شخص فقط، بل غياب الإحساس بالاحتواء والاهتمام. العقل أحيانًا يختار الألم المألوف على ذلك المجهول، أحيانًا نفضل البقاء في علاقة غير صحية وتحمل الألم، لأننا لا نتخيل قلوبنا خالية من حبهم، وحياتنا فارغة بدونهم. هنا تبدأ مواجهة قاسية مع الذات بسبب تساؤلات عديدة لا إجابة لها إلا بالتجربة.
-
التعلق المرضي
أنبل ما في الحب الحقيقي أن القلب يزدهر به، أما التعلق فيُبقي صاحبه في حالة ترقب دائم، وقلق مستمر، ومراقبة مفرطة لكل تصرف أو كلمة.
-
جرح قديم لم يُشفَ بعد
في كثير من الأحيان، لا نتمسك بالشخص ذاته، بل بما يمثله لنا نفسيًا. شخص لا يريدنا قد يوقظ داخلنا جرحًا من أيام الطفولة أو بعد الرشد أدى إلى شعور سابق بعدم الكفاية، أو علاقة سابقة انتهت دون تعافٍ صحي.
-
الرغبة في إثبات القيمة
حين لا يُظهر الطرف الآخر رغبة واضحة في التمسك بنا، يتحول الأمر إلى تحدٍ داخلي: إن جعلته يحبني، فهذا يعني أنني كافية ومميزة. هنا التمسك بمن لا يريدنا يكون لإثبات الذات لا باسم الحب.
-
الهروب من الحقيقة المؤلمة
ليس سهلًا أن نعترف أن شخصًا لا يريدنا، وخصوصًا إذا كان له في القلب مكانة لا يعلو عليها أحد، لأن ذلك يعني أننا سنخسر من نحب، وأننا أحببنا الشخص الخطأ. الإنكار هو الحل المؤقت لهذه العلاقة العاطفية المخذلة.

كيف يؤثر التمسك بمن لا يريدنا على النفس؟
الاستمرار في علاقة من طرف واحد لا يمر مرور الكرام، فهناك العديد من السلبيات التي تعصف بالقلب وتقتل الروح، أخطرها ما يلي:
- التعرض للاستنزاف العاطفي بقسوة
- ضعف الثقة بالنفس
- جلد الذات باستمرار
- قلق دائم وخوف من الفقد
- شعور خفي بعدم الاستحقاق
- القبول بالقليل، وهذا بالطبع يُنزل من قدرنا.
ما هي العلامات التي تدل على خطورة التمسك بمن لا يريدنا؟
- ثمة علامات عديدة أبرزها ما يلي:
- نحن من نبدأ التواصل في كل مرة
- عندما نبرر الإهمال بدل رفضه
- عندما نخشى التعبير عن الاحتياجات العاطفية
- عندما نشعر بأننا نعطي أكثر مما نتلقى
- عندما تزيد التنازلات دون الاهتمام بقيمة الذات
- المعاناة من استنزاف عاطفي بالغ.
لماذا يصعب علينا الانسحاب بعد معرفة الحقيقة؟
بالرغم من معرفة الحقيقة المرة، يبقى الانسحاب صعبًا، فالمشاعر لا تنتهي بقرار، وقبول تحول الواقع إلى ذكريات أمر صعب جدًا. الأمر يحتاج إلى مجاهدة كبيرة مع النفس لكي لا نقبل ما يقلل من قيمتنا.
كيف يمكن التحرر من التمسك بمن لا يريدنا؟
تقول دكتورة أميرة: يمكن ذلك من خلال الالتزام بتطبيق ما يلي:
- مواجهة الحقيقة المؤلمة كما هي دون أي تجميل، والتسليم بأن من يريدنا سيجد طريقة واضحة لذلك. وضوح الحقيقة مؤلم، لكنه شافٍ.
- حسم الموضوع بالاختيار بين القيمة والتمسك، وهما قطعًا يتنافيان مع بعضهما البعض.
- التسليم بأن عدم مبادلتنا المشاعر لا ينقص من قدرنا، فمن الطبيعي أن يكون هناك قبول ورفض، والرفض لا يعرف القيمة، ولكنه يحدد المواقف فقط.
- الإجابة على هذه الأسئلة: هل نتمسك بهم بدافع الحب أم لأننا نخشى المعاناة من الوحدة؟
- السماح لأنفسنا بالحزن وعدم كبت المشاعر، لأن ذلك يطيل الألم.
- تحويل طاقة الحب بداخلنا إلى حب الذات، مثل العناية بالنفس، وبناء حدود صحية في العلاقات بمختلف أنواعها.
- استرجاع وتعزيز الثقة بالنفس.
- السماح بالاقتراب من العلاقات الصحية المتوازنة.
ختامًا، هل علمتِ الآن لماذا نتمسك بمن لا يريدنا؟ إن الحب لا يجب أن يكون معركة، ولا اختبار صبر. الحب الحقيقي لا يجعلك تتساءلين عن مكانتك، ولا يدفعك للتنازل عن ذاتك. نعم، قد نتمسك بمن لا يريدوننا في بعض الأوقات، ولكن الله جل شأنه وتبارك اسمه لا يقبل بالمهانة، فقلوبنا عزيزة، ولا يرضى سبحانه بهدر عواطفنا، واستنزاف مشاعرنا. لذلك يرزقنا البصيرة لنكتشف ما وراء الأقنعة ونتخلى عن من لا يريدنا.
تذكروا أن الحب ليس عيبًا فينا، والتحرر لا يعني التوقف عن الحب، بل اختيار حب يقدر الذات، ويحمي الكرامة؛ حب حقيقي بعيد عن الزيف والخداع.