خاص "هي": الدكتور مايكل فقيه: الإنجاب الدقيق نقطة تحوَل علاجات الخصوبة.. والتثقيف الصحي حول الصحة الإنجابية ضروري
منذ الأزل، ومنذ أن خلق الله الزوجين آدم وحواء، اختار لهما إنجاب الأطفال لاستمرارية الحياة. الخصوبة والإنجاب هما حجر الأساس في صحة المرأة والرجل، ويتأثران بعوامل بيولوجية، هرمونية، عمرية، ونمط حياة.
الخصوبة هي القدرة البيولوجية على حدوث حمل، بينما الإنجاب هو حدوث الحمل فعليًا ووصوله إلى ولادة ناجحة. تتأثر الخصوبة بعوامل مثل العمر، جودة البويضات أو الحيوانات المنوية، صحة الرحم والهرمونات، وأسلوب الحياة الذي نعيشهُ. وتكشفُ الأرقام أن حوالي 1 من كل 5 نساء عالميًا يواجهنَ صعوبة في الحمل، لكن معظم الحالات قابلة للعلاج.
وعندما نتحدثُ عن العقم، فإن تعابير جديدة مثل الإنجاب الدقيق تبرز إلى الواجهة؛ والحقيقة أن العقم والإنجاب الدقيق هما موضوعان متداخلان إنما لكلَ منهما معنى طبي مُحدد، ومع تطوّر العلم أصبحنا نميّز بينهما بدقة أكبر. العقم هو عدم حدوث حمل بعد 12 شهرًا من العلاقة الزوجية المنتظمة دون موانع؛ في حين يُشير الإنجاب الدقيق إلى تحليل كل خطوة من خطوات الحمل بدقة لتحديد أين يحدث الخلل: الإباضة، التخصيب، الانغراس، أو التطور الجنيني.
للحديث أكثر عن مشكلات العقم والإنجاب، وولوج عالم الإنجاب الدقيق والتطورات الحاصلة في مجال علاج العقم في منطقة الشرق الأوسط ودول مجلس التعاون الخليجي، كان لنا هذا اللقاء الحصري والمميز مع الدكتور مايكل فقيه، استشاري عالمي في أمراض النساء والولادة، علاج العقم وأطفال الأنابيب، وأحد الروَاد في مجال تقنيات الإخصاب المساعد.
الدكتور مايكل اليوم هو الرئيس التنفيذي لشركة بلو أوشن هيلث، المؤسس ورئيس مجلس الإدارة والمدير الطبي لمركز فقيه للإخصاب، ورئيس مختبر فيرست جينوميكس؛ رئيس مجلس إدارة FIRST IVF، رئيس عيادات جميرا الأمريكية، والمؤسس المشارك لشركة First Compounding. على مدار مسيرته المهنية التي امتدت لأكثر من أربعة عقود، أحدثَ الدكتور فقيه تحولًا كبيرًا في مجال الخصوبة والرعاية الصحية للنساء في جميع أنحاء الولايات المتحدة، لبنان، الكويت والإمارات العربية المتحدة. وبصفته مؤسس مركز فقيه للإخصاب والرئيس التنفيذي السابق لمجموعة مستشفيات الإمارات، فقد ساعدَ في تشكيل الرعاية الصحية الإنجابية الحديثة في المنطقة، بينما كان يقودُ المنظمات التي تجمع بين التميَز السريري وتقديم الرعاية الصحية المبتكرة.

مرحبًا بكَ معنا دكتور مايكل على موقع "هي"؛ بعد أن كرّستَ ما يقارب أربعة عقود لطب الإنجاب، كيف رأيتَ تطور مجال الخصوبة في دول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأوسط، وما التغييرات التي كان لها الأثر الأكبر على المرضى؟
لقد حظيتُ بشرف مشاهدة تطور رعاية الخصوبة في دول مجلس التعاون الخليجي منذ بداياتها، وحتى وصولها إلى هذا المستوى المتقدم الذي نراهُ اليوم. ما كان يُعتبر في السابق تخصصًا طبيًا دقيقًا، أصبح اليوم جزءًا أساسيًا من منظومة الرعاية الصحية، مدعومًا بخبرات، تقنيات وأبحاث عالمية المستوى.
كان التحول الأبرز هو الانتقال من علاج العُقم إلى ممارسة طب الإنجاب الدقيق. ولقد أحدثَ علم الوراثة نقلةً نوعية في فهمنا للخصوبة، مما مكّننا من تحديد أسباب العقم، الإجهاض المتكرر، والأمراض الوراثية بشكلٍ أفضل، مع تصميم العلاج بما يتناسب مع احتياجات كل مريضة. ونتيجةً لذلك، أصبح لدى المرضى اليوم إجاباتٍ أكثر، خياراتٍ أوسع، ونتائج أفضل من أي وقت مضى.
يبدو أن معدلات العقم آخذةٌ بالارتفاع في جميع أنحاء المنطقة. ما العوامل الرئيسية التي تدفع بهذا الاتجاه، ولماذا أصبحت الخصوبة موضوعًا متزايد الأهمية في نقاشات الصحة العامة اليوم؟
تُساهم عدة عوامل في هذا التوجه؛ منها تأخر الإنجاب، المشاكل الصحية المرتبطة بنمط الحياة، السُمنة، التوتر، وتزايد انتشار الأمراض التي تؤثر على خصوبة الرجال والنساء.
في الوقت نفسه، ازداد الوعي، وأصبح الناس يلتمسون المساعدة في وقتٍ مبكر ويتحدثون بصراحةٍ أكبر عن تحديات الخصوبة.
واليوم؛ لم تعد الخصوبة مجرد مسألةٍ شخصية، بل أصبحت موضوعًا هامًا في مجال الرعاية الصحية والمجتمع. ومع تطور أنماط تكوين الأسرة، من الضروري مواصلة تثقيف الأفراد حول الصحة الإنجابية وضمان حصولهم على رعاية الخصوبة في الوقت المناسب.
يختار العديد من الأفراد تكوين أسر في سنٍ متأخرة، بسبب طموحاتهم المهنية وتغيَر أنماط حياتهم. كيف يؤثر العمر على الخصوبة، وما هي بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة حول الصحة الإنجابية؟
لا يزال العمر عاملًا مهمًا في الخصوبة، لا سيما فيما يتعلق بجودة البويضات والقدرة الإنجابية. ورغم أن التلقيح الصناعي قد وسّع نطاق الإمكانيات، إلا أنه لا يمكنهُ التغلب تمامًا على الآثار الطبيعية للشيخوخة.

أما ما تغيَر بشكلٍ ملحوظ، فهو دور الحفاظ على الخصوبة. بالنسبة للأفراد الذين يختارون تأجيل الإنجاب لأسبابٍ شخصية أو مهنية أو طبية، يُمكن أن يُساعد تجميد البويضات أو الحيوانات المنوية في الحفاظ على خيارات الإنجاب المستقبلية، وتوفير مرونةٍ أكبر عند التخطيط لتكوين أسرة.
في نواحٍ عديدة، تحوّل النقاش من علاج العقم إلى التخطيط للخصوبة، مما يُتيح للأفراد اتخاذ قراراتٍ أكثر وعيًا بشأن مستقبلهم الإنجابي.
غالبًا ما ترتبط عوامل نمط الحياة، مثل التوتر والنظام الغذائي بمشاكل الخصوبة. ما مدى أهمية تأثيرها، وما الخطوات العملية التي يُمكن للأفراد اتخاذها لحماية صحتهم الإنجابية؟
لا شكَ في أن نمط الحياة يلعب دورًا في الصحة الإنجابية، ولكنني أعتقدُ أننا أحيانًا نُبسَط مسألة الخصوبة بشكلٍ مُفرط، من خلال عزو كل شيء إلى التوتر.
الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ يُمكن أن يُؤثر الحفاظ على وزنٍ صحي، ممارسة الرياضة بانتظام، إعطاء الأولوية للنوم، وتجنَب التدخين بصورة إيجابية على الخصوبة والصحة العامة. ومع ذلك، نصيحتي هي عدم الاعتماد فقط على تعديلات نمط الحياة في حال وجود مخاوف؛ يُعدَ فهم حالة الخصوبة مبكرًا من أهم الخطوات التي يُمكن اتخاذها. فالمعرفة تُتيح خيارات، والتوقيت غالبًا ما يكون أكثر أهمية مما يُدركه الكثيرون.
لعبتم دورًا محوريًا طوال مسيرتكم المهنية في تطوير رعاية الخصوبة بالمنطقة. ما هي، برأيكَ، العناصر الأساسية لبناء منظومة خصوبة قوية ومُستدامة تُلبَي احتياجات الأجيال القادمة؟
إن منظومة الخصوبة القوية تتجاوز بكثير مجرد التلقيح الصناعي. يحتاجُ المرضى للوصول إلى التشخيصات المتقدمة، علم الوراثة الداخلي، حفظ الخصوبة، خدمات المختبرات المتخصصة، دعم الصيدلية، برامج الصحة العامة، والرعاية النفسية، وكلها تعمل معًا ضمن رحلة متكاملة ومُنسَقة.

هذا هو النموذج الذي ركَزنا على بنائه. يجب ألا تكون رعاية الخصوبة مجزأة؛ المستقبلُ هو لأنظمة متكاملة تجمع بين العلم، التكنولوجيا، البحث، الطب الشخصي ودعم المرضى. وعندما تجتمعُ كل هذه العناصر، يحصل المرضى على رعايةٍ أفضل ويُحققون في نهاية المطاف نتائج أفضل.
قد تكون رحلة الخصوبة مليئة بالتحديات النفسية للأزواج والأفراد على حد سواء. ما مدى أهمية اتباع نهج شامل يجمع بين العلاج الطبي، الدعم النفسي والعاطفي؟
إن اتباع نهجٌ شامل، أمر ضروري؛ لأن رعاية الخصوبة تتجاوز الجوانب السريرية للعلاج. ويواجه المرضى في كثيرٍ من الأحيان، قراراتٍ شخصية، طبية وعائلية هامة، وقد تنطوي هذه الرحلة على تحدياتٍ مختلفة.
لا يقتصر دور مركز الخصوبة على تقديم رعاية طبية عالية الجودة فحسب، بل يشمل أيضاً ضمان حصول المرضى على الدعم المناسب عند الحاجة. ويشمل ذلك التثقيف، الإرشاد والدعم النفسي؛ في مركز فقيه لأطفال الأنابيب، نُدرك أهمية دعم المرضى طوال رحلتهم، ونُتيح لهم الوصول إلى أخصائيي الصحة النفسية كجزءٍ من التزامنا الأوسع بتقديم رعاية شاملة تتمحور حول المريض.
يستمرُ الابتكار التكنولوجي في إعادة تشكيل طب الإنجاب. ما هي أحدث التطورات التي تُثير اهتمامكَ أكثر، وكيف تُحسّن نتائج المرضى في المنطقة؟
مما لا شك فيه أن علم الوراثة كان من أهم التطورات التحويلية في طب الإنجاب. واليوم؛ لم يعد التلقيح الصناعي يقتصر على مساعدة المرضى على تحقيق الحمل فحسب، بل يتزايدُ سعيهم للحصول على إجاباتٍ حول المخاطر الوراثية، الإجهاض المتكرر، صحة الأجنَة، والتخطيط الأسري طويل الأمد. وتُتيح لنا التطورات في علم الجينوم، فهم هذه العوامل بشكلٍ أفضل، وتخصيص العلاج وفقًا لذلك.
وإلى جانب علم الوراثة، تُساعدنا التحسينات في علم الأجنة، تقنيات المختبرات، حفظ الخصوبة، وبروتوكولات العلاج الفردية على تقديم رعايةٍ أكثر دقة وقائمة على الأدلة من أي وقتٍ مضى.
بالنظر إلى المستقبل، ما هي رؤيتكم لمستقبل رعاية الخصوبة في دول مجلس التعاون الخليجي، وما الرسالة التي تودون توجيهها لمن يشعرون بالقلق حيال خصوبتهم أو يفكرون في تكوين أسرة بالمستقبل؟
أعتقدُ أن مستقبل رعاية الخصوبة في دول مجلس التعاون الخليجي، يتميز بسهولة الوصول إليها، الابتكار، والتخصيص.
تشهدُ المنطقة وعيًا متزايدًا، طلبًا متناميًا، ودعمًا قويًا من الحكومات والهيئات التنظيمية الصحية التي تُدرك أهمية الصحة الإنجابية. وبالنظر إلى المستقبل، سيلعبُ الاستثمار المستمر في البحث، التعليم والتقنيات الإنجابية المتقدمة دورًا حاسمًا في تشكيل الجيل القادم من رعاية الخصوبة. ومع استمرار توسَع نطاق الوصول، بما في ذلك تغطية تأمينية أوسع وحلول تمويلية، سيتمكن المزيد من الأفراد والأزواج من تحقيق حلمهم في الإنجاب.
رسالتي بسيطة: لا تنتظروا حتى تُصبح الخصوبة مشكلةً لتتعرفوا عليها؛ وتعرَفوا على خياراتكم مبكرًا. اليوم، لدينا من المعرفة العلمية، التكنولوجيا والفرص أكثر من أي وقتٍ مضى. وكلما سارع الناس إلى طلب المشورة، زادت الخيارات المتاحة لهم في المستقبل.