ناتالي معايطة أخصائية نفسية مرخصة بمركز ثرايف للصحة النفسية

لماذا لا نشعر بالاكتفاء حتى بعد تحقيق أهدافنا؟ أخصائية نفسية تجيب

"سأكون سعيدة حين أصل إلى أهدافي وأحقق أحلامي"؛ كم مرة قلتِ هذه العبارة وأنتِ تسعين إلى هدف ظننتِ أن تحقيقه سيمنحكِ أخيرًا شعورًا بالرضا؟ ثم وصلتِ بالفعل، وعشتِ فرحة انتظرتِها طويلًا، لكنكِ وجدتِ نفسكِ بعد وقت قصير تسألين: وماذا بعد؟ وكأن ما كان بالأمس حلمًا يستحق السعي أصبح اليوم أمرًا عاديًا، بينما انتقل شعوركِ بالسعادة إلى موعد آخر، ينتظر إنجازًا جديدًا.

لستِ وحدك، فهذا الأمر يتكرر معنا جميعًا. هنا يراودنا سؤال قد نتردد في البوح به لأحد: لماذا لا نشعر بالاكتفاء حتى بعد تحقيق أهدافنا؟ هل لأن طموحنا يكبر مع كل خطوة، أم لأننا ننتظر من النجاح أن يمنحنا شعورًا لا يصنعه الإنجاز وحده؟ وكيف نواصل السعي إلى أحلامنا، دون أن نفقد قدرتنا على الفرح بما حققناه فعلًا؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، تحاور «هي» "ناتالي معايطة" الأخصائية النفسية المرخصة من هيئة تنمية المجتمع في دبي، والحاصلة على درجة الماجستير في علم النفس السريري والصحي من جامعة مانشستر البريطانية؛ لنفهم معها ما وراء هذا الشعور، وكيف نحقق التوازن بين الطموح والرضا عن أنفسنا.

ناتالي معايطة أخصائية نفسية مرخصة بمركز ثرايف للصحة النفسية
ناتالي معايطة أخصائية نفسية مرخصة بمركز ثرايف للصحة النفسية

لماذا لا نشعر بالاكتفاء حتى بعد تحقيق أهداف عملنا من أجلها طويلًا؟ وهل يرتبط ذلك بالتوقعات التي رسمناها قبل الوصول إليها؟

تلعب التوقعات دورًا كبيرًا جدًا، وهذا أمر أسمعه كثيرًا في عملي. فعندما نمضي وقتًا طويلًا في السعي نحو هدف ما، غالبًا ما نرسم صورة لما ستكون عليه حياتنا ومشاعرنا بعد تحقيقه. قد نتخيل أننا سنشعر أخيرًا بالسعادة أو الثقة أو الأمان أو الاكتفاء. لكن الواقع قد يكون مختلفًا تمامًا؛ إذ يجد بعض الأشخاص أنفسهم يتساءلون: «أهذا كل شيء؟»، أو يفكرون في الغاية من كل ذلك الجهد. وقد تكون الفجوة بين ما توقعنا أن نشعر به وما نعيشه فعلًا مربكة ومقلقة.

وثمة جانب آخر، وهو أن السعي نفسه يمنحنا الكثير. فالعمل نحو هدف يضفي على حياتنا نظامًا وغاية واتجاهًا، ويمنحنا تصورًا واضحًا للخطوة التالية. وعندما نحقق الهدف، قد يختفي هذا الإطار فجأة، فنجد أنفسنا نتساءل: «وماذا الآن؟». أحيانًا، لا يكون ما نفتقده هو الهدف بحد ذاته، بل الإحساس بالاتجاه والغاية الذي منحنا إياه السعي نحوه.

كما أننا نحمّل الإنجاز أحيانًا توقعات تتجاوز ما يستطيع أن يقدمه. نتخيل أن الوصول إلى محطة معينة سيغيّرنا بطريقة ما؛ وأننا سنصبح أخيرًا أكثر ثقة، أو أكثر شعورًا بالأمان الداخلي، أو سنتوقف عن التساؤل عمّا إذا كنا على قدر كافٍ من الكفاءة والاستحقاق. ونبدأ بربط شعورنا بالاكتمال بشيء خارجي، معتقدين أننا سنشعر أخيرًا بأننا مكتملون متى حققناه. لكن الإنجاز، وإن كان قادرًا على تغيير ظروفنا وفتح فرص جديدة، لا يستطيع بالضرورة معالجة مشاعر الشك العميقة في الذات أو تغيير نظرتنا إلى أنفسنا.

في نهاية المطاف، قد لا نشعر بالاكتفاء لأننا توقعنا من الإنجاز أن يمنحنا شيئًا لا يستطيع توفيره بمفرده. ومن المفيد أن نقدّر ما حققناه، مع إدراك أن الشعور المستمر بالاكتفاء يتطلب أكثر من الوصول إلى المحطة التالية؛ فهو يرتبط أيضًا بما نشعر به تجاه أنفسنا بعيدًا عن إنجازاتنا.

هل نعتاد إنجازاتنا بسرعة إلى درجة تفقد معها قدرتها على إسعادنا؟ وكيف نفسّر تلاشي فرحة النجاح أحيانًا بعد وقت قصير من تحقيقه؟

هناك مفهوم نفسي يُعرف باسم «التكيّف مع المتعة»، ويصف ميلنا إلى الاعتياد تدريجيًا على التغيّرات التي تطرأ على ظروفنا، بما فيها التغيّرات الإيجابية. فالشيء الذي يثير فينا الحماس والسعادة في البداية قد يصبح، مع الوقت، جزءًا من حياتنا اليومية. وما كان يبدو استثنائيًا يصبح مألوفًا.

على سبيل المثال، قد تمنحنا الترقية في العمل شعورًا كبيرًا بالفخر والإنجاز في البداية. لكن مع تأقلمنا مع المنصب الجديد، تصبح مسؤولياته وتوقعاته جزءًا من روتيننا. ويتجه انتباهنا بطبيعته إلى أمور أخرى، ويبدأ الحماس الأولي بالهدوء. وهذا لا يعني أن الإنجاز فقد قيمته، بل إن استجابتنا العاطفية تجاهه قد تغيّرت.

وهناك أيضًا فرق لافت بين ترقّب الإنجاز وعيشه فعلًا. ففي بعض الأحيان، يكون السعي نفسه مثيرًا بقدر الوصول إلى الهدف، وربما أكثر. إذ يكون لدينا ما نعمل من أجله، وإحساس بالاتجاه، ودافع نابع من معرفتنا بأن مكافأة ما تنتظرنا. وبمجرد تحقيق الهدف، يختفي هذا الترقّب بصورة طبيعية.

ومن الناحية العصبية، يؤدي الدوبامين دورًا مهمًا في التحفيز وتوقّع المكافأة والتعلّم. فهو يساعد على دفعنا نحو الأشياء التي نتوقع أن تكون مُجزية، وهو ما يفسّر جزئيًا شعور الحماس الذي يصاحب العمل نحو هدف.

لكن ثمة تمييز أعمق يستحق التأمل. فبينما يُعدّ تراجع الحماس عملية نفسية طبيعية، قد تشير مشاعر عدم الاكتفاء المستمرة إلى شيء يتجاوز التكيّف مع المتعة. أحيانًا، لا نسعى إلى الإنجاز وحده، بل إلى ما نأمل أن يمنحنا إياه عاطفيًا: الأمان، أو التقدير، أو الثقة، أو الانتماء، أو الشعور بأننا أخيرًا على قدر كافٍ من الاستحقاق. وإذا بقيت هذه الاحتياجات الأعمق من دون تلبية، فقد لا يمنحنا الوصول إلى الهدف الاكتفاء الذي توقعناه.

ولهذا أيضًا قد نجد أنفسنا ننتقل فورًا إلى المحطة التالية، معتقدين أن الإنجاز المقبل هو الذي سيجعلنا سعداء أخيرًا. وهنا نخاطر بالدخول في دائرة نعمل فيها باستمرار نحو شيء ما، من دون أن نسمح لأنفسنا بتقدير ما وصلنا إليه. قد يتلاشى الحماس المرتبط بالإنجاز، لكن ذلك لا يعني أن معناه أو قيمته يجب أن يتلاشيا معه. يمكننا مواصلة السعي نحو طموحات جديدة، وفي الوقت نفسه تعلّم الاعتراف بما حققناه بالفعل وتقديره.

كيف نميّز بين الطموح الصحي الذي يشجّعنا على التطور، والسعي المتواصل الذي يتركنا نشعر بأن إنجازاتنا لا تكفي أبدًا؟

غالبًا ما يرتبط الفرق بما يحرّك طموحنا، وبكيفية تعاملنا مع أنفسنا خلال الطريق، وبما يحدث عندما لا نلبّي توقعاتنا. ينبع الطموح الصحي عادةً من الفضول والاهتمام والرغبة الصادقة في التطور. ويمكننا أن نسعى إلى هدف يتطلب جهدًا وتحديًا، وأن نعترف بتقدمنا ونواجه الانتكاسات، من دون أن نسمح لها بتحديد نظرتنا إلى أنفسنا بالكامل. وتبقى هناك مساحة للاستمتاع بالرحلة، والتعلّم من الصعوبات، والشعور بالرضا عمّا ننجزه. كما يمكننا السعي إلى أهداف جديدة من دون الشعور بأن قيمتنا تتوقف على تحقيقها.

لكن عندما يرتبط الإنجاز ارتباطًا وثيقًا بتقديرنا لذاتنا، قد يتغيّر الدافع وراءه. فبدلًا من السعي إلى شيء لأنه يحمل معنى بالنسبة إلينا، قد نسعى إليه لأننا نشعر بأن علينا إثبات شيء ما، أو لأننا نحاول تجنّب الشعور بعدم الكفاية. ويبدأ الإنجاز بالتحوّل من خيار إلى واجب. وحتى عندما ننجح، قد يكون الرضا قصير الأمد، لأن انتباهنا ينتقل سريعًا إلى ما لم ننجزه بعد.

ومن منظور الممارسة النفسية، قد يترافق ذلك أحيانًا مع نزعة إلى الكمالية، حيث ترتفع المعايير باستمرار، ويصبح من الصعب الاعتراف بأن ما أُنجز جيد بما يكفي. وقد يصبح الشخص شديد النقد لذاته، أو يجد صعوبة في الانفصال ذهنيًا عن العمل، أو يشعر بعدم الارتياح عند الراحة، لأنه يعتقد دائمًا أن هناك المزيد مما ينبغي عليه فعله. ومع الوقت، قد يأتي ذلك على حساب علاقاته وصحته النفسية وقدرته على الاستمتاع بالحاضر.

ومن الفروق التي أجدها مفيدة بشكل خاص أن نسأل: هل يضيف طموحنا معنى إلى حياتنا، أم أنه يتحوّل تدريجيًا إلى المحور الذي تدور حوله هويتنا بالكامل؟ ويمكننا أن نسأل أنفسنا: عندما أحقق هدفًا، هل أسمح لنفسي بالشعور بالرضا وتقدير ما أنجزته، أم ينتقل انتباهي فورًا إلى ما ينبغي عليّ فعله بعد ذلك؟ وإذا لم أحقق شيئًا ما، فهل أستطيع تقبّل خيبة الأمل من دون أن تتغيّر مشاعري تجاه نفسي؟

يتيح لنا الطموح الصحي أن نرغب في المزيد لأنفسنا، مع الاستمرار في تقدير ذواتنا والمرحلة التي وصلنا إليها في حياتنا. أما السعي الذي لا يهدأ فقد يتركنا نشعر بأننا مقصّرون دائمًا، مهما بلغ حجم إنجازاتنا. ينبغي أن نتمكن من التطور وتحدّي أنفسنا من دون أن نجعل قيمتنا مشروطة بالمدى الذي نصل إليه.

اعرفي لماذا لا تشعرين بالاكتفاء بعد انجاز ما
اعرفي لماذا لا تشعرين بالاكتفاء بعد انجاز ما

إلى أي مدى يرتبط هذا الشعور بربط قيمتنا الذاتية بالإنجاز؟ وكيف تؤثر التربية القائمة على التفوق والمقارنة في تشكيل نظرتنا إلى أنفسنا؟

هذا أحد أهم الجوانب التي تساعدنا على فهم سبب عدم تحوّل الإنجاز دائمًا إلى شعور بالاكتفاء. فعندما يرتبط تقديرنا لذواتنا ارتباطًا وثيقًا بما نحققه، قد يصبح الإنجاز شيئًا نحتاج إليه، بدلًا من أن يكون شيئًا نستمتع به فحسب. وقد يتكوّن لدينا، من دون وعي، اعتقاد بأننا أكثر استحقاقًا للتقدير أو القبول أو الاحترام عندما يكون أداؤنا جيدًا. ونتيجة لذلك، قد يمنحنا النجاح طمأنينة مؤقتة، لكنها قد لا تستمر، لأن شعورنا بقيمتنا يظل معتمدًا على ما سننجزه لاحقًا.

وقد يبدأ هذا في مرحلة مبكرة من الحياة. فالنشأة في بيئة تضع تركيزًا كبيرًا على الأداء الدراسي أو التفوق أو المقارنة قد تشكّل الطريقة التي يتعلّم بها الأطفال تقييم أنفسهم. وهذا لا يعني بالضرورة أن الوالدين ارتكبا خطأ، أو أن تشجيع الإنجاز أمر ضار؛ بل يتعلق بالرسائل التي يستوعبها الأطفال تدريجيًا من خلال تجاربهم.

على سبيل المثال، إذا كان الطفل يحظى بأكبر قدر من التقدير عندما يحصل على درجات مرتفعة أو يتفوق على الآخرين، فقد يبدأ بربط الاستحسان والقبول بمستوى أدائه. وقد يعتقد أن قيمته تكون أكبر عندما ينجح، وأن ارتكاب الأخطاء أو عدم بلوغ التوقعات قد يخيّب آمال الأشخاص الذين يهمّه رضاهم. ومع الوقت، قد ينشأ لديه شعور بأن الحب والقبول مشروطان، حتى لو لم يكن ذلك مقصودًا مطلقًا.

الأطفال شديدو الحساسية للتوقعات المحيطة بهم. وقد يكبرون ليصبحوا بالغين يتمتعون بكفاءة عالية ويحققون الكثير، لكنهم يعانون في الوقت نفسه من شعور دائم بأن ما يفعلونه لا يكفي. وقد ينشغلون بتلبية توقعات الآخرين إلى درجة يفقدون معها وضوح ما يريدونه فعلًا لأنفسهم.

عندما تصبح قيمتنا مشروطة بالإنجاز، يكون هناك دائمًا معيار آخر علينا بلوغه، أو توقع جديد ينبغي تلبيته، أو سبب إضافي للتساؤل عمّا إذا كنا كافين كما نحن. وغالبًا ما يكمن وراء هذا السعي توقٌ إلى الشعور بالتقدير والقبول من دون الحاجة إلى إثبات أنفسنا باستمرار. ويساعدنا تعلّم الفصل بين قيمتنا وإنجازاتنا على الاعتزاز بما نحققه، من دون الشعور بأن علينا مواصلة الإنجاز كي نستحق هذا التقدير.

ما دور المقارنة الاجتماعية، ولا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في تقليل رضانا عن إنجازاتنا؟

المقارنة الاجتماعية نزعة إنسانية طبيعية. فنحن غالبًا ما نقيّم تقدمنا وقدراتنا وظروفنا بالقياس إلى من حولنا. وتبدأ الصعوبة عندما نستخدم إنجازات الآخرين معيارًا لما نعتقد أنه ينبغي أن نكون قد وصلنا إليه.

قد نحقق شيئًا عملنا من أجله سنوات، لكننا نجد صعوبة في تقديره عندما يبدو أن شخصًا آخر قد سبقنا. ويتحوّل انتباهنا من الإنجاز الذي حققناه إلى ما نشعر بأننا لم نحققه بعد.

وقد تضخّم وسائل التواصل الاجتماعي هذا الشعور، لأنها تعرّضنا لدائرة أوسع بكثير من الأشخاص وإنجازاتهم. وغالبًا ما نرى لحظات بارزة منتقاة بعناية، لا الصورة الكاملة؛ فنقارن تجاربنا اليومية وشكوكنا وانتكاساتنا بأكثر لحظات الآخرين نجاحًا. وقد يخلق ذلك تصورًا غير واقعي لحجم ما يحققه الجميع، وللمكان الذي يفترض أن نكون فيه مقارنة بهم.

ويُعرف هذا في علم النفس باسم «المقارنة الاجتماعية الصاعدة»، أي أن نقيّم أنفسنا بالقياس إلى أشخاص نعتقد أنهم أفضل حالًا أو أكثر تقدمًا منا. ورغم أن هذه المقارنة قد تكون محفّزة أحيانًا، فإنها قد تتركنا أيضًا نشعر بعدم الكفاية أو بأننا نتأخر عن الآخرين.

على سبيل المثال، قد نتخرج ونشعر بالفخر، ثم نرى شخصًا آخر يُكمل الدكتوراه. أو نحصل على وظيفة جديدة، ثم نرى شخصًا في عمرنا يتولى منصب مدير. وفجأة، يبدو الإنجاز الذي كان يحمل معنى لنا أقل أهمية، ليس لأن قيمته تغيّرت، بل لأننا نقيسه بتقدم شخص آخر.

سيكون هناك غالبًا من يبدو أنه سبقنا بخطوات. لكن إنجازات الآخرين لا تنتقص من قيمة إنجازاتنا. ويمكننا الإعجاب بتقدم شخص آخر من دون اعتباره مقياسًا للمكان الذي ينبغي أن نكون فيه. وينبع الشعور الصحي بالإنجاز من قياس تقدمنا وفق قيمنا وظروفنا وتطورنا الشخصي، بدلًا من مقارنته باستمرار بالجدول الزمني لحياة الآخرين.

هل يمكن أن يشير غياب الاكتفاء إلى أننا نسعى وراء أهداف تعكس توقعات الآخرين بدلًا من احتياجاتنا؟ وكيف نميّز بين الأمرين؟

قد يكون غياب الاكتفاء أحيانًا دعوة إلى التوقف والتأمل: هل الحياة التي نعمل من أجلها تحمل فعلًا معنى بالنسبة إلينا؟

قد نعتاد السير في طريق معين إلى درجة نادرًا ما نتوقف لنسأل إن كان يعكس ما نريده حقًا. وقد يحدث ذلك في اختياراتنا المهنية، وعلاقاتنا، وتعليمنا، وحتى في المحطات التي نعتقد أنه ينبغي أن نبلغها عند عمر محدد. وقد نجد أنفسنا نسعى نحو شيء لمجرد أن عائلتنا أو مجتمعنا أو الأشخاص المحيطين بنا يرونه نجاحًا، من دون أن نسأل بالضرورة إن كان هذا ما نريده لأنفسنا.

ومن المنظور النفسي، من المفيد التمييز بين الدافعية الخارجية والدافعية الداخلية. فالدافعية الخارجية تعني السعي نحو شيء للحصول على نتائج خارجية، مثل التقدير أو الاستحسان أو المكانة الاجتماعية أو المكافأة المالية. أما الدافعية الداخلية فترتبط بدرجة أكبر بالاهتمام الشخصي والمتعة والمعنى الذي نجده في النشاط نفسه.

ولا تُعدّ أي منهما جيدة أو سيئة بطبيعتها، كما أن معظم أهدافنا تجمع بين الاثنين. لكن الصعوبات قد تظهر عندما تصبح التوقعات الخارجية المحرّك الأساسي لقراراتنا، ولا سيما عندما نغفل عمّا يهمنا شخصيًا. وقد ينتهي بنا الأمر إلى تحقيق أشياء تبدو مبهرة للآخرين، لكنها لا تمنحنا بالضرورة شعورًا بالرضا الشخصي.

ومن الأسئلة التي أشجّع الأشخاص على تأملها: لو لم يكن بإمكان أحد رؤية هذا الإنجاز، ولم يرتبط به أي تقدير أو مديح أو استحسان من الآخرين، فهل سيظل مهمًا بالنسبة إليّ؟ قد يساعدنا هذا السؤال على فهم ما إذا كنا نريد شيئًا فعلًا، أم أن جزءًا كبيرًا من جاذبيته يرتبط بالطريقة التي سينظر بها الآخرون إلينا.

وقد يفيد أيضًا أن ننتبه إلى مشاعرنا خلال السعي نفسه، بدلًا من التركيز على النتيجة النهائية وحدها. فالأهداف المنسجمة مع قيمنا قد تمنحنا إحساسًا بالغاية والانخراط والمعنى الشخصي، حتى عندما تكون الرحلة صعبة. في المقابل، عندما تكون توقعات الآخرين هي دافعنا الأساسي، قد تبدو التجربة أقرب إلى الضغط أو الواجب، ويصبح الارتياح لانتهاء المهمة، بدلًا من الرضا الحقيقي، هو الشعور الغالب عند بلوغ الهدف.

أعتقد أن من المهم أن نسمح لأنفسنا بمراجعة الطرق التي اخترناها، حتى تلك التي استثمرنا فيها الكثير من الوقت والجهد. ويمكننا أن ندرك أن أمرًا ما قد يُعدّ نجاحًا في نظر الآخرين، مع الاعتراف بأنه لا يناسبنا بالضرورة. وغالبًا ما ينبع الاكتفاء من بناء حياة تعكس قيمنا وأولوياتنا، بدلًا من الاكتفاء بتحقيق تصور خارجي للشكل الذي ينبغي أن تكون عليه حياتنا.

كيف نتعلّم الاستمتاع بما حققناه، ونسمح لأنفسنا بالشعور بالرضا، مع الحفاظ على طموحنا؟

لا أعتقد أن الحل هو أن نصبح أقل طموحًا أو أن نتوقف عن وضع الأهداف، بل أن نطوّر علاقة أكثر صحة مع الإنجاز؛ علاقة تسمح لنا بالسعي إلى التطور من دون ربط قيمتنا الذاتية بالنتيجة. وإذا كنتم تجدون صعوبة في ذلك، فاعلموا أن كثيرين يشاركونكم هذا الشعور، وأننا نستطيع تعلّم التعامل معه بطريقة مختلفة.

يمكن أن تساعدنا بعض الممارسات:

  • تدرّبوا على الاعتراف بتقدمكم. قد ننشغل بالمحطة التالية إلى درجة نغفل معها عن المسافة التي قطعناها بالفعل. إن تخصيص وقت للتأمل فيما حققناه، وما تطلّبه الوصول إليه، يسمح لنا بتقدير تقدمنا بدلًا من رفع سقف التوقعات فورًا.
  • افصلوا بين إنجازاتكم وهويتكم. لا تزيد قيمتكم عندما تنجحون، ولا تقل عندما تواجهون الانتكاسات. الإنجاز جزء من حياتكم، وليس مقياسًا لقيمتكم الإنسانية.
  • كونوا أكثر وعيًا بتوقعاتكم من أنفسكم. انتبهوا إلى اللغة التي تستخدمونها في حديثكم الداخلي. إذا كنتم تكررون عبارات مثل: «كان ينبغي أن أفعل المزيد»، أو «هذا لا يكفي»، فقد يفيد أن تسألوا أنفسكم إن كنتم ستخاطبون صديقًا بالطريقة نفسها. فهذه الأنماط قد تجعل تقدير ما يسير جيدًا أمرًا صعبًا، حتى عندما يكون لدينا الكثير مما يستحق الفخر.
  • أعيدوا التواصل مع قيمكم. بدلًا من التركيز حصرًا على ما تريدون تحقيقه، فكّروا في الطريقة التي تريدون أن تعيشوا بها. تأملوا العلاقات والتجارب والجوانب التي تمنح حياتكم معنى يتجاوز الإنتاجية والنجاح الخارجي.
  • اسمحوا لأنفسكم بعيش اللحظة. لسنا مضطرين دائمًا إلى تحويل كل إنجاز إلى هدف جديد. أحيانًا، نحتاج إلى التوقف، والاعتراف بالجهد الذي بذلناه للوصول، والسماح لأنفسنا بالاستمتاع بما نحن فيه، بالرفق نفسه الذي نمنحه لشخص نحبه.

ختامًا، أعتقد أننا بحاجة إلى الابتعاد عن فكرة أن الاكتفاء شعور سنبلغه عندما نكون قد أنجزنا ما يكفي. فإذا واصلنا تأجيل الرضا إلى المحطة التالية، فقد نمضي جزءًا كبيرًا من حياتنا في السعي نحو السعادة، من دون أن نسمح لأنفسنا باختبارها خلال الطريق.

يمكننا أن نكون طموحين وراضين في الوقت نفسه. ويمكننا أن نرغب في المزيد لأنفسنا، من دون الشعور بأن ذواتنا أو ما أنجزناه بالفعل لا يكفي. هناك فرق بين السعي إلى شيء لأنه يضيف معنى إلى حياتنا، والسعي إليه لأننا نعتقد أننا لا نكفي من دونه. نحن نستحق أن نفخر بالمسافة التي قطعناها، وأن نظل متحمسين لما نريد الوصول إليه.

والآن شاركينا، هل سبق أن حققتِ هدفًا انتظرتِه طويلًا، ثم شعرتِ أن فرحتكِ به لم تدم كما توقعتِ؟ وما الذي يساعدكِ على الشعور بالرضا وتقدير إنجازاتكِ؟

كاتبة محتوى متخصصة في الصحة ومواضيع الأم والطفل والعلاقات.