دروس في المرونة من مسيرات نساء سعوديات صنعن التغيير
لتصبح المرأة رائدة أعمال ناجحة من خلال توظيف ميزة المرونة، لا يعني ذلك مجرد القدرة على تحمل الصدمات، بل تحويل المرونة إلى "أداة استراتيجية" لإدارة الأعمال، واتخاذ القرارات، والابتكار. والمرونة في عالم ريادة الأعمال هي المحرك الأساسي لاستدامة المشاريع وتفوّقها.
وبحسب كارول دويك وأنجيلا دكورث فإن المرونة تصنع رائدات أعمال ناجحات من خلال تطبيق المرونة الاستراتيجية والتشغيلية عبر تطويع نموذج العمل وعدم التعلق بالفكرة الأولى بشكل أعمى. وإذا أثبتت السوق أو سلوك المستهلك عدم جدواها، تقوم بتغيير الاتجاه بسرعة لتلبية الاحتياجات الفوقية الجديدة دون هدر الموارد. كذلك عبر إدارة الأزمات كفرص واستغلال التغيرات الاقتصادية أو التكنولوجية وتبنيها كأدوات لتسريع العمل بدلاً من مقاومتها.
مرونة القيادة وبناء فرق العمل

من خلال إتاحة خيارات العمل المرنة، تستطيع الرائدة جذب أفضل الكفاءات العالمية، خاصة الكفاءات النسائية التي تبحث عن توازن بين الحياة والعمل، مما يقلل التكاليف التشغيلية. وبدلاً من الإدارة الدقيقة تمنح رائدة الأعمال فريقها مرونة في التنفيذ مع التركيز التام على النتائج والمخرجات. كما تجيد التعامل مع العثرات، خسارة العملاء، أو رفض التمويل من المستثمرين على أنها "بيانات تجريبية" للتطوير وتعديل المسار، وليست حكماً نهائياً على كفاءتها. كذلك إدراك أن المرونة تعني أيضاً معرفة متى يجب التوقف للحفاظ على الطاقة الذهنية والنفسية، وتجنب الاحتراق الوظيفي.
كيف نفعل ذلك؟

لتصبحي رائدة أعمال مرنة قادرة على اغتنام الفرص عن تلوح في الأفق يجب استغلال الفرص بذكاء فكوني مراقبة جيدة للسوق. عندما تلاحظين فجوة أو حاجة غير ملباة لدى المستهلكين، كوني مرنة وسريعة بما يكفي لإطلاق منتج أولي مبسط لاختبار السوق وتطويره بناءً على ردود فعل العملاء الحقيقية. كما أن المرونة تتطلب "عقليّة نمو" فخصصي وقتاً دورياً لتعلم أدوات الإدارة الحديثة، وفهم أساسيات التمويل، ومتابعة اتجاهات مجالك. ولا تعتمدي على عميل واحد كبير أو مورد واحد. فالمرونة تقتضي بناء شبكة أمان تشغيلية عبر تنويع الموردين وتوسيع دائرة العلاقات المهنية مع مستثمرين وموجهين في القطاع.
نماذج سعودية ودروس ملهمة

تقدّم مسيرات النساء السعوديات اللواتي صنعن التغيير في السنوات الأخيرة دروساً ملهمة في المرونة الاستراتيجية والصلابة النفسية. حيث تحوّلت هؤلاء الرائدات من مرحلة مواجهة التحديات إلى مرحلة قيادة التحول وصناعة أسواق وقوانين جديدة. ومن أبرز الدروس المستفادة من مسيراتهن المرونة الاستراتيجية وتحويل العقبات إلى أسواق جديدة كما فعلت سيدة الأعمال الملهمة أضوى الدخيل. والتي قدمت لنا أفض درس في اقتناص الفرص والتنويع. ولم تكتفِ بالنجاح في مجال واحد، بل تنقلت بمرونة عالية بين الاستثمار في الأسهم والتأليف والموسيقى وريادة الأعمال الرقمية.
أما في مجال الريادة في القطاعات غير التقليدية وتحدي الصورة النمطية فقد قدمت لنا الملهمة مشاعل الشميمري درسًا في المثابرة الأكاديمية والمهنية. اختارت مجالاً نادراً وشديد التعقيد، هو هندسة الصواريخ والمراكب الفضائية وواجهت تحديات إثبات الكفاءة عالمياً ومحلياً بالتركيز على جودة المخرجات والتعلم المستمر. ولتطبيق هذا لا تخشي دخول قطاعات تبدو معقدة مثل التقنية أو الصناعة. فثقتكِ المبنية على المعرفة والمهارة هي خط دفاعك الأول.

وعلى صعيد المرونة القيادية في المنظمات الكبرى وإدارة التغيير تأتي سارة السحيمي كأول امرأة ترأس مجلس إدارة شركة مالية كبرى. كما قادت تحولات هيكلية في السوق المالي خلال فترات تغيير اقتصادي كبرى، مستخدمة مرونة عالية في استيعاب الكفاءات وضبط التوازنات المالية. والمرونة هنا تعني الاستماع لآراء فريقكِ ومستشاريكِ، لكن مع الحفاظ على حزمكِ وصلابتكِ في تنفيذ الرؤية الاستراتيجية للمشروع.
كما تعتبر لبنى العليان واحدة من أشهر سيدات الأعمال في العالم العربي، وأول امرأة ترأس مجلساً لإدارة بنك سعودي. وقد بدأت مسيرتها المهنية في الثمانينات، وهي فترة كان تواجد المرأة فيها في قطاع المال والمقاولات شبه منعدم ومحاطاً بالكثير من القيود. لكن لم تتصادم العليان بالعقبات، بل اعتمدت على المرونة الهادئة وإثبات الكفاءة بالأرقام. وقد بدأت بالعمل كمتدربة ومساعدة ثم عندما تسلمت القيادة أظهرت مرونة فائقة في تنويع استثمارات المجموعة وتوطين الوظائف، وتهيئة بيئة العمل لاستقطاب الكفاءات النسائية تدريجياً وبشكل مدروس يحترم ثقافة المجتمع، مما جعلها نموذجاً يحتذى به في الإدارة التكيفية.
قواسم مشتركة

القاسم المشترك في نجاح النماذج السابقة أن كل سيدة من هذه القامات لم تنظر إلى العقبة التنظيمية أو الاجتماعية كحائط مسدود؛ بل كـ"معطيات متغيرة" تحتاج إلى تعديل زاوية الرؤية، وتحديث المهارات، والتحرك بذكاء وسلاسة بدون جمود لتحقيق الهدف النهائي.
حيث تواجه رائدات الأعمال عند دخول السوق لأول مرة تحديات وضغوطاً استثنائية تتطلب مزيجاً من الثقة بالنفس والصلابة النفسية. وهذه الصفات ليست مهارات فطرية فحسب، بل هي "عضلات نفسية" تُبنى وتُقوى من خلال استراتيجيات علمية وعملية محددة بالتركيز على نقاط القوة وتطويرها. ابدئي بجرد دقيق لمهاراتكِ وخبراتكِ السابقة مع التركيز على ما تميزين فيه يمنحكِ أرضية صلبة للتحرك، بينما يتم سد الثغرات الأخرى عبر تفويض المهام أو الاستعانة بمستشارين.
كذلك استبدلي التحدث السلبي مع الذات مثل: "السوق مزدحم ولن أنجح".. بعبارات موضوعية ومشجعة مثل: "السوق مزدحم وهذا يثبت وجود طلب عالي، وسأركز على ميزتي التنافسية الفريدة". وتذكّري دائماً أن الثقة الحقيقية تعني الإيمان بقدرتكِ على التعلم والنمو وتقبّل النقد البنّاء. كما أن الثقة تمنحكِ المرونة لتعديل مساركِ دون خجل. واعلمي أن الرائدات الأكثر صلابة يتعاملن مع الفشل على أنه "بيانات ومعلومات تغذية راجعة" تخبرهن بما لا يعمل، ليركزن على ما يعمل.
لذلك قومي بتفكيك أهدافكِ الكبيرة إلى مهام يومية وأسبوعية صغيرة وقابلة للقياس؛ فتحقيق هذه الانتصارات الصغيرة يفرز الدوبامين ويعزز شعوركِ بالسيطرة والإنجاز. وركزي على إدارة الضغوط عبر الفصل والراحة واحرصي على وضع حدود فاصلة بين حياتكِ الشخصية والمهنية، ومارسي تقنيات تفريغ الضغوط مثل الرياضة والقراءة لتجنب الاحتراق الوظيفي المبكر. كذلك ابني شبكة دعم وبيئة إيجابية بإحاطة النفس بالإيجابيين وعزل المؤثرات السلبية. وطوّري مهارة الوعي الذاتي بإنفعالاتكِ وضبطها عند حدوث الأزمات المادية أو التشغيلية، والقدرة على فهم نفسية العملاء والمستثمرين للتعامل مع الرفض بهدوء وعقلانية.
الصور من pinterest