في يوم المرأة الإماراتية بسمة حبيب تتحدث لـ"هي"عن القيادة والتمكين في قطاع الطيران
هناك فرق بين الوصول إلى موقع قيادي، وبين أن تتعلم كيف تقود. مسيرة بسمة حبيب، رئيسة عمليات مبنى المسافرين في شركة "فيلورا" Velora، تبدو أقرب إلى النوع الثاني؛ فالمناصب لم تكن نقطة النهاية في تجربتها، بل اختبارات متتالية أعادت من خلالها تعريف معنى المسؤولية، من إدارة عمليات معقدة إلى قيادة فرق كبيرة في لحظات لا تحتمل الخطأ.
افتتاح مطار زايد الدولي كان إحدى أكثر هذه التجارب كثافة. خلف المشهد الذي رآه المسافرون في يوم الافتتاح، كانت هناك سنوات من التخطيط والتجارب والتنسيق والقرارات، وهي تجربة تقول بسمة إنها علّمتها أن النجاح الكبير لا يصنعه قائد واحد، بل فريق يشعر بالثقة ويعرف دوره. وربما هنا تحديداً تكمن رؤيتها للقيادة: أن تمنح الآخرين المساحة التي يحتاجونها ليقدموا أفضل ما لديهم، وأن تظل أنت مستعداً للتعلم بدورك.
في حوارنا الخاص بمناسبة يوم المرأة الإماراتية، نتوقف معها عند ما يحدث خلف الإنجاز: التحديات، القرارات، الأخطاء والدروس، وكيف يمكن للمرأة أن تبني حضورها في مجال طالما ارتبط بصورة مهنية يغلب عليها الرجال.
ماذا يمثل لكِ هذا اليوم، وكيف ترين أثر المرأة الإماراتية في رسم ملامح مستقبل دولة الإمارات؟
يمثل يوم المرأة الإماراتية مناسبة وطنية للاحتفاء بالدور المحوري الذي تؤديه المرأة في مسيرة التنمية والإنجاز في دولة الإمارات، كما يجسد ما تحظى به من ثقة ودعم مكّناها من الحضور والتأثير في مختلف القطاعات.
بالنسبة لي، يحمل هذا اليوم أيضاً مسؤولية تتمثل في مواصلة تمهيد الطريق أمام الأجيال القادمة من الكفاءات النسائية، وتشجيعهن على خوض مجالات جديدة وتولي أدوار قيادية في قطاعات حيوية مثل الطيران. واليوم، أثبتت المرأة الإماراتية قدرتها على الانتقال من المشاركة إلى صناعة الأثر، والمساهمة بفاعلية في رسم مستقبل أكثر تنافسية وابتكاراً واستدامة لدولة الإمارات.
قدتِ فريق الجاهزية التشغيلية ونقل العمليات (ORAT) خلال افتتاح مطار زايد الدولي، وهو أحد أكبر المشاريع الوطنية. ما أكثر لحظة شعرتِ فيها بالفخر خلال هذه التجربة، وما الذي تعلمته منها كقائدة؟
كانت من أكثر اللحظات التي شعرت فيها بالفخر رؤية سنوات من التخطيط والاستعداد تتحول إلى واقع تشغيلي ناجح، ومشاهدة آلاف المسافرين يستخدمون المطار الجديد بسلاسة منذ انطلاق عملياته. لم يكن ذلك إنجازاً فردياً، بل ثمرة جهود جماعية كبيرة شملت التخطيط الدقيق، والتجارب التشغيلية، وتدريب فرق العمل، والتنسيق المستمر بين مختلف الجهات والشركاء.
وعلى المستوى القيادي، رسخت هذه التجربة لدي قناعة أساسية بأن نجاح المشاريع الكبرى يقوم على الثقة والعمل الجماعي وتمكين الأفراد. فدور القائد لا يقتصر على اتخاذ القرارات، بل يشمل بناء فرق قادرة على العمل بكفاءة تحت الضغط، ومنحها الثقة والمساحة لتقديم أفضل ما لديها. وستظل رؤية جميع الفرق تعمل بروح واحدة لإنجاح هذا المشروع الوطني محطة بارزة في مسيرتي المهنية.
يشهد قطاع الطيران تحولاً متسارعاً، كما أنه لطالما ارتبط بالمهن التي يهيمن عليها الرجال. كيف استطعتِ أن تكسري هذه الصورة النمطية، وأن تثبتي حضورك في هذا المجال؟
يُعد قطاع الطيران مجالاً واسعاً للفرص والتطور، لذا حرصت منذ بداية مسيرتي المهنية على بناء خبرتي من خلال خوض تحديات جديدة بعيداً عن الصور النمطية، وتولي مسؤوليات متزايدة، والمشاركة في قيادة مشاريع وعمليات معقدة أسهمت في تطوير قدراتي القيادية والتشغيلية.
أؤمن بأن الحضور الحقيقي في أي قطاع يُبنى من خلال الأداء والمصداقية والقدرة على تحقيق الأثر. وقد أثبتت المرأة الإماراتية اليوم قدرتها على النجاح والقيادة في مختلف تخصصات قطاع الطيران، بما فيها المجالات التشغيلية والتقنية التي كانت تُعد تقليدياً مجالات يهيمن عليها الرجال. ومع توافر الفرص والثقة والدعم، تصبح الكفاءة هي المعيار الحقيقي للنجاح.
وراء كل نجاح تحديات لا يراها الآخرون. ما أصعب تحدٍ واجهك في مسيرتك المهنية، وكيف ساهم في تشكيل شخصيتك القيادية؟
من أبرز التحديات التي واجهتها إدارة فترات من العمليات التشغيلية المعقدة وبرامج التحول واسعة النطاق، حيث تتطلب مثل هذه الظروف اتخاذ قرارات دقيقة وسريعة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استمرارية الأعمال وتنسيق جهود فرق وجهات متعددة.
تعلمت من هذه التجارب أن التواصل الواضح والشفاف وفي الوقت المناسب يمثل أحد أهم عناصر القيادة، خصوصاً في أوقات الضغط وعدم اليقين. فالحفاظ على ثقة الفرق، وتوحيد الجهود حول الأولويات، وتوجيه التركيز نحو الحلول لا يقل أهمية عن القرارات التشغيلية نفسها.
وقد أسهمت هذه المواقف في تشكيل أسلوبي القيادي؛ فعلمتني أهمية الهدوء تحت الضغط، والمرونة في التعامل مع المتغيرات، واتخاذ القرارات بثقة ومسؤولية، مع الحفاظ دائماً على وضوح الهدف.
القيادة اليوم لا تعتمد فقط على الخبرة التقنية، بل أيضاً على الذكاء العاطفي والقدرة على إدارة الفرق. كيف تصفين فلسفتك في القيادة، وما المبادئ التي لا تتنازلين عنها؟
تقوم فلسفتي في القيادة على ثلاثة مبادئ أساسية: تمكين الأفراد، والمساءلة، والتحسين المستمر. أؤمن بأن دور القائد هو بناء بيئة يشعر فيها الأفراد بالثقة والتقدير، ويمتلكون الأدوات والصلاحيات التي تمكّنهم من النجاح والتطور وتحمل المسؤولية.
أحرص دائماً على القيادة بالقدوة، والتواصل بشفافية، واتخاذ القرارات بنزاهة ووضوح. وفي قطاع مثل الطيران، هناك مبادئ لا تقبل المساومة، وفي مقدمتها السلامة والاحترام والمسؤولية تجاه موظفينا وعملائنا. فالنجاح التشغيلي الحقيقي لا يقاس بالنتائج وحدها، وإنما أيضاً بالطريقة التي نحقق بها هذه النتائج.
في ظل مسؤولياتك الكبيرة، كيف تحرصين على الاستثمار في تطوير ذاتك؟ وهل هناك عادة أو مبدأ تعتبرينه سر استمرارية نجاحك ونموك المهني؟
أتعامل مع التعلم باعتباره جزءاً مستمراً من مسيرتي المهنية، وليس مرحلة تنتهي مع الوصول إلى منصب أو مستوى معين. فالطيران من أكثر القطاعات ديناميكية، ويتطور باستمرار على مستوى التكنولوجيا والعمليات وتجربة المسافرين، ولذلك أحرص على مواكبة أحدث التوجهات، والتعلم من الخبراء، وتبادل المعرفة مع الزملاء والمتخصصين في القطاع.
ومن أهم الممارسات التي أحرص عليها مراجعة التجارب والتعلم منها، سواء كانت نجاحات أو تحديات. أؤمن بأن كل تجربة تحمل درساً يمكن البناء عليه، وأن القدرة على التقييم والتكيف والتحسين المستمر من أهم العوامل التي تساعد القائد على التطور والحفاظ على جاهزيته للمستقبل.
مع إنطلاق "فيلورا" بهويتها الجديدة، كيف ترين دور الشركة في رسم مستقبل خدمات الطيران في أبوظبي، وما الفرص التي تفتحها أمام الكفاءات الإماراتية؟
تمتلك "فيلورا" دوراً مهماً في دعم طموحات أبوظبي وتعزيز مكانتها كمركز عالمي رائد للطيران والخدمات اللوجستية. وانطلاقاً من خبراتها التشغيلية وقدراتها المتخصصة على مدار 40 عاماً، تركز الشركة على الارتقاء بمعايير خدمات الطيران من خلال تعزيز الكفاءة التشغيلية، وتبني الابتكار والتكنولوجيا، وتطوير تجربة المسافرين، والاستثمار في قدرات فرق العمل.
ويأتي تطوير الكفاءات الوطنية في صميم هذه الرؤية. فمع تطور قطاع الطيران وتوسع نطاق عملياته، تنشأ فرص مهنية جديدة أمام المواهب الإماراتية في مجالات متعددة، بدءاً من العمليات والخدمات الأرضية وصولاً إلى التكنولوجيا والابتكار والقيادة.
ونحن في "فيلورا" نؤمن بأن بناء مستقبل قطاع الطيران يبدأ بالاستثمار في الإنسان، ولذلك نحرص على توفير بيئة تتيح للكفاءات الإماراتية تطوير خبراتها، وتولي مسؤوليات أكبر، والمشاركة بفاعلية في قيادة المرحلة المقبلة من نمو القطاع. وبالنسبة للمرأة الإماراتية على وجه الخصوص، فإن الفرص اليوم تتسع بصورة متزايدة لتولي أدوار تشغيلية وتخصصية وقيادية، والمساهمة بصورة مباشرة في صياغة مستقبل الطيران في أبوظبي ودولة الإمارات.