قوة الحضور مع خبيرة الصورة ومدرّبة الأسلوب رالوكا ماركو: الصورة كلغة جديدة للتأثير والقيادة

قوة الحضور مع خبيرة الصورة ومدرّبة الأسلوب رالوكا ماركو: الصورة كلغة جديدة للتأثير والقيادة

مع تغيّر بيئة العمل، تعود الملابس لتؤدي دوراً يتجاوز المظهر، فتؤثر في الانطباعات الأولى، ونظرة الآخرين إلى القيادة، والتقدم المهني، وحتى الأمان الوظيفي. فكيف أصبح ما نرتديه أكثر أهمية من جديد؟ خبيرة الصورة ومدرّبة الأسلوب ومؤسسة Loupe، رالوكا ماركو، تشاركنا رؤيتها حول العلاقة المتجددة بين الملابس، والحضور، والتأثير في عالم العمل المعاصر.

2

المسألة، كما تقول ماركو، لا تتعلق بعودة البدلة الرسمية أو بالحاجة إلى قواعد جديدة تحدد معنى "المهنية"، بل بواقع أن بيئة العمل نفسها أصبحت أقل قابلية للتنبؤ. فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهارات التي تقدّرها المؤسسات، وأصبحت عمليات التوظيف أكثر انتقائية، فيما باتت المسارات المهنية تمتد من الاجتماعات ومكالمات الفيديو إلى المؤتمرات ووسائل التواصل الاجتماعي والمواقف التي يظهر فيها الشخص أمام الجمهور.

وتوضح ماركو أن "عندما تصبح القواعد أقل وضوحاً، تصبح الإشارات التي نرسلها أكثر أهمية"، مضيفة أن الملابس واحدة من أهم هذه الإشارات.

نرى قبل أن نعرف

تلفت ماركو إلى أن الناس يكوّنون أحكاماً سريعة جداً عن الآخرين، وقبل أن تتاح لهم فرصة معرفة مدى كفاءة الشخص أو مصداقيته أو موثوقيته، يكون الدماغ قد بدأ بالفعل في معالجة ما يراه أمامه.

وتستشهد بدراسة أجراها الباحثان "أوه وشافير وتودوروف"، خلصت إلى أن المشاركين كوّنوا انطباعات مختلفة حول كفاءة شخص ما استناداً إلى إشارات اقتصادية واجتماعية دقيقة ظهرت في ملابسه. وقد اعتُبرت الوجوه نفسها أكثر كفاءة عندما ارتبطت بملابس ذات مكانة اجتماعية أعلى، حتى بعد مشاهدة قصيرة جداً لم تتجاوز 129 ميلي ثانية. وتشير ماركو إلى أن هذا التأثير استمر حتى عندما طُلب من المشاركين تجاهل الملابس.

لكنها تحرص على التمييز بين الانطباع والكفاءة الحقيقية. تقول: "الملابس لا تجعل الشخص كفؤاً تلقائياً، لكنها قد تؤثر في مدى إدراك الآخرين لكفاءته في البداية".

وقبل أن يتمكن الآخرون من اختبار خبرتنا أو قيادتنا أو شخصيتنا، تضيف، عليهم أولاً أن يفسروا الصورة التي يرونها أمامهم.

بيئة العمل الجديدة تمنحنا إشارات أقل

3

في رأي ماركو، غيّر العمل الهجين أيضاً الطريقة التي نتعرف بها إلى بعضنا بعضاً مهنياً. فقد نعرف شخصاً من خلال صورة ملفه الشخصي، أو من خلال مربع صغير على تطبيق Teams، أو عبر اجتماع قيادي واحد شهرياً، أو فعالية مهنية من حين إلى آخر، بدلاً من رؤيته والتفاعل معه خمسة أيام في الأسبوع داخل المكتب.

وهذا يعني، بحسب قولها، فرصاً أقل لمراقبة الشخص في سياقات مختلفة، ما يجعل الإشارات التي نلتقي بها أكثر أهمية.

وتشمل هذه الإشارات المظهر، وتعابير الوجه، ووضعية الجسد، والصوت، ومدى انسجام حضورنا البصري مع ما نقوله.

وترى ماركو أن "الحضور التنفيذي الحديث أصبح أقل ارتباطاً بإظهار القوة، وأكثر ارتباطاً بوضوح الصورة التي نقدمها للآخرين".

ومن هنا، تقترح طرح أسئلة أكثر دقة على أنفسنا: إذا كنت تريد إيصال صورة عن السلطة والقيادة، فهل يدعم حضورك العام هذه الرسالة؟ وإذا كانت قيادتك تقوم على الثقة وسهولة التواصل، فهل يستطيع الآخرون رؤية ذلك أيضاً؟ وهل يروي مظهرك وسلوكك وكلماتك القصة نفسها؟

الملابس تؤثر في الشخص الذي يرتديها أيضاً

6

لكن تأثير الملابس، بالنسبة إلى ماركو، لا يتوقف عند نظرة الآخرين. فبصفتها عالمة في مجال الصورة، يثير اهتمامها أيضاً تأثير الملابس في الشخص الذي يرتديها.

وتشير إلى الأبحاث المرتبطة بمفهوم "الإدراك من خلال الملابس" Enclothed Cognition، والتي بحثت في ما إذا كان المعنى الرمزي الذي نربطه بالملابس، إلى جانب ارتدائنا الفعلي لها، يمكن أن يؤثر في عملياتنا النفسية.

لكنها تحذر من تبسيط هذه الفكرة إلى العبارة الشائعة: "ارتدِ هذا وستصبح أكثر ثقة".

وتقول إن معظمنا يعرف الفرق بين ارتداء شيء نشعر بأنه مناسب تماماً للموقف، وارتداء شيء يجعلنا نشعر بأننا مكشوفون أو غير مرتاحين أو لا نشبه أنفسنا.

"قد نقف بطريقة مختلفة، ونتحرك بطريقة مختلفة، ونشارك بحرية أكبر"، تقول ماركو، موضحة أن الملابس لا تمنحنا مهارات القيادة، لكنها قد تزيل بعض الاحتكاك بين الطريقة التي نشعر بها والطريقة التي نريد أن نظهر بها أمام الآخرين.

عندما تصبح القيمة التي نقدمها مرئية

8

مع تغير التكنولوجيا لما تحتاجه المؤسسات من موظفيها، تظل القدرات الإنسانية المميزة ذات قيمة: القيادة، والتعاون، والمرونة، والتأثير، وحسن التقدير، والثقة.

لكن ماركو ترى أن هذه الصفات لا تنتقل من خلال السيرة الذاتية وحدها. فالآخرون يختبرونها من خلال طريقة حديثنا، وتصرفنا، واستجابتنا تحت الضغط، وطريقة حضورنا وتفاعلنا معهم.

لذلك، لم يعد السؤال ببساطة: "هل أبدو بمظهر مهني؟". بل أصبح، بحسب ماركو: "هل يستطيع الآخرون فهم ما أضيفه إلى المكان الذي أكون فيه؟".

وبالنسبة إلى شخص يسعى إلى الترقية، قد يعني ذلك الظهور بمظهر الشخص المستعد لمستوى المسؤولية الذي يطمح إليه. أما بالنسبة إلى قائد رفيع المستوى، فقد يعني تحقيق التوازن بين السلطة وسهولة التواصل. وبالنسبة إلى رائد الأعمال، فقد يعني التعبير عن الإبداع من دون فقدان المصداقية.

وترى أن النساء قد يواجهن تحدياً إضافياً: كيف تظهر المرأة بمظهر قوي وقيادي من دون أن تبدو صارمة؟ وكيف تحافظ على أناقتها من دون أن يصبح مظهرها هو محور القصة؟ وكيف تتميز مع الاستمرار في فهم طبيعة المكان والسياق؟

لكن الحل، كما تؤكد، ليس تحويل أزيائنا إلى زي رسمي موحّد للشركات.

وتقول ماركو إن "القيادة لا تحتاج إلى أن تبدو ذكورية حتى تكون موثوقة". وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتقاطع في بيئات العمل ثقافات وتقاليد ومهارات مختلفة في اللباس.

وتوضح أنه "لا يوجد زي موحّد واحد للقيادة"، معتبرة أن السياق والقصد الواعي أهم من الأفكار القديمة حول "الملابس التي تعكس القوة".

كما أن الفخامة، في رأيها، ليست طريقاً مختصراً إلى المصداقية. فقد تعكس قطعة استثنائية الذوق والتميّز والاهتمام بالتفاصيل، لكن السعر وحده لا يحمل الرسالة. وتختصر الفكرة بعبارة واضحة: "الغالي والفعّال ليسا الشيء نفسه".

هل يمكن لما ترتديه أن يؤثر في أمانك الوظيفي؟

لا ترى ماركو أن ارتداء السترة المناسبة يمكن أن يحمي الوظيفة، وتؤكد أنه لا توجد أدلة علمية موثوقة تدعم هذه الفكرة.

لكنها تلفت إلى أن المسارات المهنية لا تُبنى على الأداء وحده. فالحضور، والثقة، والسمعة، والعلاقات، ومدى وضوح مساهمتنا وإمكاناتنا أمام الآخرين، كلها عوامل تؤدي دوراً في المسيرة المهنية.

وتزداد أهمية هذه العناصر، بحسب ماركو، عندما تمر الشركات بعمليات إعادة هيكلة أو تزداد المنافسة على الوظائف. ففي هذه الظروف، قد يكون كونك شخصاً متميزاً، ولكن يصعب على الآخرين فهم قيمته أو إدراك إمكاناته، عائقاً غير ضروري.

ولهذا، ترى أن الصورة المهنية الأكثر فعالية اليوم ليست بالضرورة الصورة التي تجذب أكبر قدر من الاهتمام، بل تلك التي تساعد على جعل الجوانب الصحيحة فيك مرئية للآخرين.

وتختتم ماركو الفكرة بالتأكيد على أن "الموضة لم تصبح أهم من الموهبة"، لكن الموهبة نفسها لا تزال بحاجة إلى أن تُرى وتُفهم ويُوثق بها.

وما نرتديه هو إحدى الإشارات التي تساعد الآخرين على القيام بذلك.

مسؤولة التحرير في النسخة الورقية من مجلة "هي" ومسؤولة قسم تطوير الذات في الموقع الإلكتروني.