هل أصبح Chatgbt المعالج النفسي الجديد في العالم العربي؟.. أخصائية نفسية تجيب
أثار الاستخدام المتزايد لـ"تشات جي بي تي" Chatgbt للحصول على الدعم العاطفي نقاشًا كبيراً. ومن اللافت أن دراسة جامعية حديثة في الإمارات وجدت أن 69 في المئة من الطلاب لجأوا إلى روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على دعم عاطفي، مع ارتباط الاستخدام المكثف بمستويات أعلى من القلق والاكتئاب. تبدو هذه النتيجة لافتة، لكن ربما ليس للأسباب التي قد يتصورها كثيرون. فهي لا تخبرنا فقط شيئًا عن الذكاء الاصطناعي، بل تكشف حقيقة غير مريحة حول الطريقة التي يختبر بها كثير من الناس العلاقات والصحة النفسية اليوم.
في هذا الاطار، تشير الدكتورة ريتا فيغيريدو Rita Figueiredo، أخصائية علم نفس مرخّصة والمديرة التنفيذية لمركز Peninsula Psychology في حوار خاص مع "هي" الى أنه "لطالما تعافى الناس من خلال العلاقات، تمامًا كما تأذوا بسببها. وهذه واحدة من الفرضيات الأساسية في العلاج النفسي. فنحن نتعلم المزيد عن أنفسنا من خلال الأشخاص المحيطين بنا، ونستوعب أكثر التجارب المؤلمة التي مررنا بها عندما نتحدث عنها مع شخص آخر، ونتعافى من الجروح العاطفية داخل علاقات آمنة بما يكفي لاحتوائها. ومن هنا تأتي المفارقة العميقة في واحدة من أبرز العادات النفسية في عصرنا الحالي؛ فكثيرون باتوا يلجؤون إلى الآلة لمساعدتهم على التعامل مع مشكلات بدأت أساسًا مع أشخاص آخرين. في السابق، كنا نلتقط صورة شاشة لرسالة من شريك ونسأل صديقًا: "ماذا تعتقد أنه كان يقصد؟" كنا تشارك وجهات النظر مع الآخرين ونقارن التجارب ونحاول فهم أنفسنا من خلال بعضنا بعضًا. أما اليوم، فكثير من هذه المحادثات بات يحدث مع نماذج اصطناعية كبيرة".

لماذا نلجأ إلى الآلة لفهم مشاعرنا؟
وتضيف: "يمكننا جميعًا أن نفهم جزءًا من جاذبية تشات جي بي تي. فهو متاح في أي ساعة. لا يبدو نافد الصبر أو مشتتًا أو مثقلًا عاطفيًا. لا يتنهد ولا يغيّر الموضوع ولا يجعلنا نشعر بأننا تحدثنا أكثر مما ينبغي. وربما للمرة الأولى في حياة كثيرين، أصبح الاهتمام الكامل متاحًا عند الطلب.
يتردد كثير من الناس في الحديث مع الآخرين عن حياتهم لأنهم يخشون أن يصبحوا عبئًا زائدًا؛ عاطفيين أكثر من اللازم أو مكررين أو محتاجين أو دراميين. فكل محادثة مع شخص آخر تحمل احتمال الحكم أو سوء الفهم أو الإنهاك. أما الذكاء الاصطناعي، فيزيل هذه الحسابات والقيود. فهو لا يطلب شيئًا في المقابل، وهذا جزء مما يجعله يبدو آمنًا نفسيًا".
العلاج النفسي... أكثر من مجرد إجابات
وتقول فيغيريدو إنه "من منظور الخبرة النفسية، يمكن فهم سبب مقارنة كثيرين بين الذكاء الاصطناعي والعلاج النفسي. فكلاهما يتضمن التفكير بصوت عالٍ ومحاولة فهم التجارب الصعبة. وإذا كنت تربط العلاج بمكان تحصل فيه ببساطة على نصيحة أو ردود مدروسة، فقد تبدو المقارنة منطقية. لكن العلاج النفسي يتكشف من خلال علاقة مستمرة. المعالج يتذكر قصتك عبر أشهر أو سنوات، ويلحظ الأنماط التي تبقى خارج وعيك، ويبقى حاضرًا عاطفيًا عندما تصبح المحادثات غير مريحة، ويفهم تدريجيًا الطريقة التي تتحرك بها في العالم. يلاحظ صمتك والمواضيع التي تتجنبها واللحظات التي تسرح فيها عيناك نحو النافذة وأنت تتحدث عن شخص تصرّ على أنه لم يعد مهمًا. وتصبح هذه الملاحظات جزءًا من العمل العلاجي".
وتلفت الى أن "العلاج الجيد يتضمن سوء الفهم وإصلاح الانقطاعات، أي تلك اللحظات التي تُصحح فيها الافتراضات وتُدار فيها الحوارات الصعبة معًا ويتعمق فيها الشعور بالثقة من خلال العملية نفسها. هذه التجارب جزء من العلاج، ولا يمكن فصلها عنه. ومع الوقت، يخرج الناس عادة من العلاج بقدرة أكبر على تحمل عدم اليقين واستيعاب التعقيد وتحمل مسؤولية اختياراتهم".
لكن العلاج النفسي، بالنسبة إلى كثيرين، ليس متاحًا دائمًا عندما يحتاجون إليه لأسباب مختلفة. وهنا يملأ الذكاء الاصطناعي فجوة حقيقية، إذ يوفر مساحة فورية للتفكير عندما تبدو أشكال الدعم الأخرى بعيدة المنال. وفهم سبب لجوء الناس إلى الذكاء الاصطناعي جزء مهم من هذا النقاش.
وترى فيغيريدو أن "هذه المساحة قد تكون مفيدة بالفعل. فبعض الناس ينظمون أفكارهم قبل الحديث مع الشريك، أو يستعدون لمحادثات صعبة، أو يستكشفون ردود فعلهم العاطفية، أو يصيغون رسائل يعيدون لاحقًا كتابتها بكلماتهم الخاصة. وهذه كلها طرق واعية لاستخدام الذكاء الاصطناعي. لكن التحدي يظهر تدريجيًا عندما يصبح التفكير بديلًا عن الفعل. مطالبة جديدة تحل محل مكالمة هاتفية. تحليل آخر يؤجل المحادثة. رأي إضافي يؤخر القرار. وهكذا يتحول البحث عن الوضوح شيئًا فشيئًا إلى بحث عن اليقين، وتصبح مسؤولية الخيارات الصعبة أسهل عندما نضعها خارج أنفسنا".
هل نفقد فرديتنا النفسية؟
كما تعتبر أن "هناك نتيجة أخرى تستحق التأمل. إذا بدأ ملايين الناس بالاعتماد بشكل متزايد على الآلة نفسها لفهم العلاقات والصراع والقرارات الصعبة، فماذا يحدث للتفرد النفسي؟ تُدرَّب أنظمة الذكاء الاصطناعي غالبًا ضمن سياقات لغوية وثقافية وتاريخية معينة. ويمكنها أن توسع منظورنا، لكنها قد تشجع أيضًا طرقًا متشابهة في تفسير العالم. تتشكل فرديتنا جزئيًا من خلال الخيارات التي نتخذها والمعنى الذي نمنحه لتجاربنا الشخصية الخاصة بناـ وإذا بدأنا بإسناد هذه العمليات إلى التكنولوجيا نفسها، فمن المهم أن نسأل عما يحدث لخصوصية حياتنا النفسية وتنوعها".
وتتابع: "يعكس ذلك تحولًا نفسيًا أوسع. فبشكل متزايد، يطرح الناس على الذكاء الاصطناعي أسئلة لا توجد لها إجابة صحيحة موضوعيًا: هل كنت مخطئًا؟ هل يجب أن أترك هذه العلاقة؟ هل يحبني شريكي؟ هل أنا قلق أم مؤذٍ أم أبالغ في رد فعلي؟ هذه الأسئلة هي محاولات للعثور على يقين في أماكن قد لا يوجد فيها يقين أصلًا. والعيش مع هذا الغموض والتفكير فيه وتحمل مسؤولية اختياراتنا في النهاية، كلها أجزاء أساسية من النمو النفسي. وإذا كان كل شعور صعب يدفعنا فورًا إلى البحث عن إجابة خارجية، فقد نفقد تدريجيًا ثقتنا بقدرتنا على التفكير والتأمل واتخاذ القرار".
وتعتر فيغيريدو أنه "من المفارقات أيضًا أن التقنيات نفسها التي تعدنا اليوم بالدعم العاطفي، ساهمت تدريجيًا في تقليل كثير من الفرص اليومية التي كنا نمارس من خلالها القدرة على الوجود مع الآخرين. أصبحنا نقضي وقتًا أقل في الحوارات وجهًا لوجه، ونتحمل الصمت المحرج بدرجة أقل، ونحل نزاعات أقل بصورة مباشرة، ونتواصل أكثر عبر رسائل محررة بعناية. وعندما تصبح العلاقات صعبة، بات اللجوء إلى شاشة أخرى طريقتنا الغريزية في البحث عن الراحة".
خصوصية نشعر بها... أم خصوصية حقيقية؟
وتستحق مفارقة أخيرة الانتباه بالنسبة الى فيغيريدو. تقول: " يشعر كثير من الناس بأمان أكبر عند مشاركة أفكار شديدة الخصوصية مع الذكاء الاصطناعي مقارنةً بمشاركتها مع إنسان آخر. ومع ذلك، يبقى العلاج النفسي واحدًا من الأماكن القليلة المحمية بأخلاقيات مهنية وسرية قانونية ومعايير ممارسة واضحة. قد تبدو محادثات الذكاء الاصطناعي خاصة، لكن كثيرًا من المستخدمين لا يعرفون بوضوح كيف تُخزّن هذه المحادثات أو تُعالج أو تُستخدم مع مرور الوقت. فالشعور العاطفي بالخصوصية وحقيقة الخصوصية ليسا بالضرورة الشيء نفسه".
تختم فيغيريدو قائل إن "صعود نماذج الذكاء الاصطناعي بوصفها رفيقًا عاطفيًا لا يعني توقف الناس عن الاحتياج إلى بعضهم بعضًا. بل يعني العكس. لا يزال الكثيرون يبحثون عن الانتباه والصبر والأمان العاطفي ومساحة يمكنهم فيها التفكير بصوت عالٍ من دون الخوف من الحكم عليهم أو من أن يصبحوا عبئًا زائدًا. وقد استجابت التكنولوجيا لهذه الحاجة بكفاءة لافتة. أما السؤال الأصعب، فهو لماذا لم يعد كثير من الناس يتوقعون العثور على هذه الشروط نفسها لدى الأشخاص من حولهم؟".