اعرفي كيف تتحكمين في مشاعرك بدلًا من أن تتحكم بكِ..ليس كل ما تشعرين به يستحق رد فعل
المشاعر والأحاسيس هي سر إنسانيتنا، وهي أيضًا الوقود الذي يمدنا بالطاقة التي تمكننا من الحياة بشكل طبيعي، فلا حياة بدون مشاعر، وبدونها تغيب الإنسانية. هذا أجمل ما قرأته في حياتي عن المشاعر للدكتور إبراهيم الفقي رحمه الله تعالى في كتاب "كيف تتحكم في شعورك وأحاسيسك".

إن معرفة كيف تتحكمين في مشاعرك أمر مهم للغاية، فالمشكلة الحقيقية هنا ليست في المشاعر ولكن في الطريقة التي تسيطر بها علينا دون أن نشعر. فكم من كلمة قيلت في لحظة غضب وتركت أثرًا لا يُنسى، وكم من قرار اتخذ تحت ضغط الحزن أو الخوف وفتح أبوابًا من الندم فيما بعد. أحيانًا نشعر وكأن مشاعرنا تقودنا من الداخل وتجبرنا على قول وفعل ما قد نستاء منه فيما بعد. فقد نغضب بسرعة، ونحزن بعمق، ونتعلق بأشخاص رغم معرفتنا بأنهم يؤذوننا، ثم نتساءل بعد ذلك لماذا نشعر بكل هذا الإرهاق النفسي؟
ولأنك امرأة، ولأننا نحن النساء نعيش مشاعرنا بصدق وعمق كبيرين، لا تمر بنا المواقف الحياتية على اختلاف أحداثها مرور الكرام بل نحتفظ بالكلمات والتفاصيل داخل قلوبنا لفترات طويلة. وهنا تبدأ الحرب مع الصراعات والانفعالات التي لا تظهر بسهولة. لذلك بات من الضروري أن تتعلمي كيف تتحكمين في شعورك وأحاسيسك بشكل فعال وذي تأثيرات إيجابية.
أنا هنا لا أطالبك بالتوقف عن الحب أو الحزن أو حتى الغضب، ولكن أتمنى أن تتعلمي كيف تشعرين دون أن تفقدي نفسكِ وسط تلك المشاعر، وكيف تحمين قلبكِ من الاستنزاف المستمر الذي تسببه الانفعالات الحادة وردود الفعل المتسرعة.
أعلم أن كل موقف قاسٍ مر عليك قد أخذ من صبرك وعافيتك، وجعلكِ هشة، وجعل مشاعرك متأرجحة، فقد تبكين لأتفه الأسباب، إنها التراكمات يا عزيزتي، ومشاعرك المكتومة التي تحكمت بكِ وأجبرتك على الكتمان. لذا هذه دعوة صريحة لكِ بالتوقف عن كل ذلك، وبدء استعادة سيطرتكِ على مشاعركِ بدلًا من أن تتحكم هي بكِ"
لماذا يصعب التحكم في المشاعر أحيانًا؟
الإنسان بطبيعته كائن عاطفي، والمشاعر جزء أساسي من تكوينه النفسي. لكن في بعض الفترات تصبح المشاعر أكثر سيطرة بسبب الضغوط النفسية والتجارب المؤلمة والتوتر المستمر، فيشعر الإنسان بأنه غير قادر على التحكم في ردود أفعاله أو تهدئة نفسه بسهولة.
وهنا تضيف "أميرة داوود" دكتوراة صحة نفسية جامعة سيلينس- انجلترا، علاج شعوري وعلاج بالطاقة الحيوية، أن بعض النساء يربين أنفسهن على كبت المشاعر لفترات طويلة، ظنًا أن الصمت قوة، لكن المشاعر المكبوتة لا تختفي، بل تتراكم حتى تنفجر في لحظة غير متوقعة. لذلك قد نجد امرأة تنهار بسبب موقف بسيط، بينما الحقيقة أن السبب ليس الموقف نفسه، بل كل المشاعر المتراكمة التي لم تجد مساحة صحية للخروج.
ومن الأسباب التي تجعل التحكم في المشاعر أكثر صعوبة ما يلي:
- التعلق العاطفي الشديد.
- الخوف من الفقد أو الرفض.
- التعرض المستمر للضغوط النفسية.
- ضعف الثقة بالنفس بسب الهزات النفسية العنيفة التي ترافق الصدمات والخيبات.
- التفكير الزائد وتحليل المواقف باستمرار.
- الإرهاق الجسدي وقلة النوم.
كل هذه الأمور تجعل النفس أكثر حساسية وانفعالًا حتى تجاه التفاصيل الصغيرة.

كيف تتحكمين في مشاعركِ وإنفعالاتك؟
يمكنك تعويد نفسك على التحكم في مشاعرك وإنفعالاتم من خلال النصائح التالية المقدمة من دكتورة أميرة داوود.
-
لا تتخذي قراراتكِ أثناء الانفعال
اتخاذ قرارات مصيرية في لحظات الغضب أو الحزن أو الصدمة من أكبر الأخطاء التي قد تقعين فيها. ففي تلك اللحظات تكون المشاعر في ذروتها، بينما يصبح التفكير المنطقي أضعف.
قد ترغبين في إنهاء علاقة، أو إرسال رسالة قاسية، أو اتخاذ موقف حاد فقط لأنكِ تشعرين بالألم الآن. لكن بعد هدوء المشاعر قد تكتشفين أن الأمر لم يكن يستحق كل هذا الاندفاع. لذلك اعرفي كيف تتحكمين في مشاعرك، وامنحي نفسكِ وقتًا للهدوء قبل أي رد فعل مهم، فالتأجيل أحيانًا يحميكِ من كثير من الندم.
-
افهمي مشاعركِ بدلًا من الهروب منها
بعض النساء يحاولن تجاهل مشاعرهن أو دفنها بالانشغال المستمر في ما عليهن من مسؤوليات وأعباء، لكن الحقيقة أن المشاعر لا تختفي بالتجاهل. بل تبقى داخل النفس وتظهر لاحقًا بصورة غضب أو قلق أو حزن مفاجئ. عندما تفهمين السبب الحقيقي وراء مشاعركِ يصبح التعامل معها أكثر سهولة ووعيًا.
لذلك اسألي نفسكِ دائمًا:
- لماذا أشعر بهذا الانزعاج؟
- ما الذي يؤلمني فعلًا؟
- هل المشكلة في الموقف الحالي أم في شيء أعمق داخلي؟
-
لا تسمحي للمواقف الصغيرة بأن تسرق هدوءكِ
بعض التفاصيل اليومية لا تستحق كل هذا الاستنزاف النفسي، لكن التفكير الزائد يجعلها تبدو أكبر مما هي عليه.
قد تكون رسالة متأخرة، موقف صعب في العمل، موقف بسيط في العلاقات الاجتماعية، كلها أمور قد تتحول داخل العقل إلى سيناريوهات مرهقة بسبب التحليل المستمر.
حاولي أن تسألي نفسكِ دائمًا: هل سيبقى هذا الأمر مهمًا بعد أسبوع أو شهر؟، هذا السؤال البسيط يساعد على تهدئة المشاعر وإعادة الأمور إلى حجمها الطبيعي.
-
تعلمي التعبير عن مشاعركِ بطريقة صحية
الكبت المستمر لا يصنع منكِ إنسانة قوية كما تطنين، بل يجعل نفسك متعبة من الداخل، وغير قادرة على تحمل سخافات الآخرين ممن يحاولون استفزازك. هم لا يعلمون ما مررتِ به حقًا، وربما لم يتحملوا إذا كانو مكانك. لذلك احذري تراكم المشاعر بداخلك وتعلمي كيف تعبرين عنها بطريقة صحيحة وهادئة. هذا سيجعلك تتحكمين في مشاعرك، ولن تنقادي إلى محاولات البعض لاستفزازك.
يمكنك الاستعانة بالآتي:
- تفريغ مشاعر بالكتابة أول بأول لوصف ما تشعرين به.
- التحدث مع شخص مقرب تثقين به.
- ممارسة التأمل أو الرياضة.
- أخذ وقت هادئ بعيدًا عن الضغوط.
-
ضعي حدودًا تحميكِ نفسيًا
لا تسمحي للآخرين بتجاوز حدودكِ باستمرار، لكي لا تصبحين أكثر غضبًا وتوترًا وحزنًا. تعلمي أن تقولي "لا" عندما يؤذيكِ شيء، ولا تشعري بالذنب لأنكِ تحمين راحتكِ النفسية حتى لو تضررت من بعض التبعيات، فالحدود الصحية ليست قسوة، بل احترام للنفس أولًا وأخيرًا.

-
لا تربطي قيمتكِ بردود أفعال الآخرين
من أكثر الأمور التي تستنزف المرأة نفسيًا أن تجعل مزاجها وقيمتها مرتبطين باهتمام الآخرين أو تصرفاتهم، أو انطباعاهم عنها.
لذا اعرفي كيف تتحكمين في مشاعرك، لأن سلامك النفسي يبدأ عندما تدركين أن قيمتكِ لا يحددها أحد، وأن حب الذات أهم من انتظار التقدير من الآخرين طوال الوقت.
-
اهتمي براحتكِ الجسدية
الصحة النفسية مرتبطة بالجسد بشكل كبير. قلة النوم، والإجهاد المستمر، وسوء التغذية، كلها أمور تجعل الإنسان أكثر عصبية وحساسية وانفعالًا.
لذلك فإن النوم الجيد، وتناول الطعام الصحي، والحصول على وقت للراحة، وحتى المشي أو ممارسة الرياضة، كلها أمور تساعدكِ على التحكم في مشاعركِ بشكل أفضل.
-
أبدًا لا تجلدي ذاتك
بعض النساء يعاقبن أنفسهن نفسيًا على كل خطأ صغير، ويبالغن في لوم الذات وتحميل النفس فوق طاقتها. ومع الوقت يتحول هذا النقد الداخلي إلى مصدر دائم للحزن والتوتر. احذري أن تفعلي ذلك في نفسك، وجددي من طاقتك ببعض التغيرات الأيجابية.
تذكري دائمًا يا عزيزتي أنكِ إنسانة، ومن الطبيعي أن تمرّي بلحظات ضعف وتعب نفسي تشعرين فيها بأنكِ غير قادرة على النهوض بسهولة.
أبدًا. التحكم في المشاعر لا يعني أن تتحولي إلى شخص بارد أو بلا إحساس، بل يعني أن تشعري دون أن تنهاري، وأن تغضبي دون أن تؤذي نفسكِ أو الآخرين، وأن تحزني دون أن تفقدي قدرتكِ على الاستمرار. كوني ناضجة بما يكفي حتى لا تسمحي للحظات ضعفكِ أو انفعالكِ بأن تمنح أحدهم فرصة لاختلاق صورة لا تشبهكِ، ثم إقناع الآخرين بها. فالإنسانة الناضجة عاطفيًا ليست من لا تشعر، بل من تعرف كيف تدير مشاعرها بحكمة ووعي.وختامًا، ستظل المشاعر جزءًا جميلًا وأساسيًا من الحياة، فهي التي تمنح العلاقات معناها، وتجعل للحب والاهتمام والحنان قيمة حقيقية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول تلك المشاعر إلى قوة تسيطر على قراراتكِ كلامك وتصرفاتك وراحتكِ النفسية بالكامل.

كوني قريبة من مشاعركِ، لكن لا تسمحي لها بأن تقودكِ دائمًا. فالتوازن النفسي الحقيقي يبدأ عندما يصبح العقل والقلب قادرين على العمل معًا، لا أن يدخل أحدهما في صراع دائم مع الآخر.
تحكمي في مشاعرك بدلًا من أن تتحكم فيكِ واعمر أن مشاعركِ ليست عدوكِ.. لكن لا تسمحي لها بالسيطرة على حياتكِ