نوع شخصية جديد: هل أنتِ "أوتروفيرت"؟
لسنوات طويلة، طُلب من النساء أن يعرّفن أنفسهن وفق قوالب واضحة: إما اجتماعية بطبعها، أو هادئة تميل إلى الانسحاب؛ قوية أو حسّاسة؛ حاضرة في المشهد أو متأملة من بعيد. لكن ماذا لو لم يكن أيٌّ من هذه التصنيفات كافيًا؟ ماذا لو كان شعور "عدم الانتماء الكامل" ليس ضعفًا، بل علامة على وعي أعمق بالذات؟
في عالمٍ يزداد صخبًا، بدأت كثير من النساء يكتشفن أن علاقتهن بالناس، وبالمساحات الاجتماعية، وبأنفسهن لا تشبه ما تعلّمناه أو ما يُتوقع منّا. قد نكون قادرات على التواصل، لكن من دون رغبة في الذوبان داخل الجماعة. حاضرات، لكن من موقع المراقِبة لا المنخرطة بالكامل. مستقلات شعوريًا، دون أن يعني ذلك عزلة أو برودًا.
من هنا، يظهر مصطلح "الأوتروفيرت" Otrovert كمرآة جديدة للتجربة النسائية المعاصرة؛ ليس كتسمية جامدة، بل كلغة تساعدنا على فهم هذا التوازن الدقيق بين القرب والمسافة، بين التواصل والحفاظ على الذات. في هذا المقال، نفتح بابًا علميًا ونفسيًا لفهم هذا النمط، بعيدًا عن الأحكام أو التصنيفات السطحية، لنطرح سؤالًا أعمق: ماذا يعني أن نكون نساء لا يشبهن القوالب، وأن نجد قوتنا في هذا الاختلاف؟

أصل المصطلح وتعريفه
"الأوتروفيرت" مصطلح اقترحه الطبيب النفسي الأمريكي د. "رامي كامينسكي" في عام 2025، مشتق من الكلمة الإسبانية otro بمعنى "الآخر" أو "المختلف"، ويُستخدم لوصف نمط من الأشخاص الذين لا ينتمون بشكل واضح إلى فئتي الانطوائي أو المنفتح (الاجتماعي)، بل يعيشون في ما يمكن تسميته بـ "منطقة بينهما" أو خارج التصنيفات التقليدية.
وفق هذا الاقتراح، الأوتروفيرت هو شخص: ليس بالمنطوي التقليدي الذي يستمد الطاقة من العزلة. ولا بالمنفتح الاجتماعي الذي يستمد طاقته من الجماعات والتجمعات الاجتماعية. بل هو شخص يشعر غالبًا بأنه خارج المنظومة الاجتماعية الجماعية حتى عندما يكون اجتماعيًا وقادرًا على التفاعل.
المفهوم يتمحور حول الشعور بالاختلاف وعدم الانتماء الكامل، ليس بسبب قلة المهارات الاجتماعية أو الخجل، وإنما بسبب طريقة فريدة في معالجة العلاقات الاجتماعية والهوية الذاتية.
خصائص "الأوتروفيرت" حسب التوصيفات المنتشرة
العامل المشترك في التوصيفات الإعلامية والنفسية للمفهوم هو مجموعة من الصفات المميزة، مثل:
-الشعور الدائم بأنك "خارج المكان" رغم قدرتك على التواصل الاجتماعي.
-التفضيل للعلاقات الثنائية العميقة على العلاقات الجماعية أو الشبكات الاجتماعية الكبيرة.
-الاستقلال العاطفي والتفكير النقدي المستقل عن تأثيرات جماعية.
-القدرة على الملاحظة بدقة وتحليل التفاعلات الاجتماعية من الخارج بدل الدخول فيها مباشرة.
-بعض المصادر تقارن "الأوتروفيرت" أيضًا بنمط "الانبساطيين الانفعاليين" ambiverts، ولكنه يختلف جذريًا حسب هذا الطرح في أن "الأوتروفيرت" لا يستمد طاقته من أي من الوضعين ولا يميل إلى التكيف مع توقعات الجماعة.

الحقيقة العلمية: ما الذي أثبته العلم حتى الآن؟
من المهم التأكيد على نقطة حاسمة، حتى الآن، "الأوتروفيرت" ليس شخصية معترف بها رسميًا في الأدلة العلمية أو في أي دليل تشخيصي نفسي مثل DSM-5 أو ICD-11.. ولا توجد دراسات علمية محكمة منشورة عبر المجلات العلمية المرجعية تثبت وجود هذا النموذج كعامل ثابت في الشخصية البشرية.
في علم النفس الحديث، يتم تقييم الشخصيات من خلال نماذج معتمدة مثل:
-النموذج الخماسي الكبير للشخصية Big Five.
-مقاييس Jung / Myers-Briggs (MBTI.
-اختبارات السمات المعتمدة ذات الصلة بالطب النفسي.
هذه النماذج مبنية على آلاف الدراسات العلمية والتحليل الإحصائي، بينما لا تتوفر أدلة مماثلة حتى الآن تدعم "الأوتروفيرت" كفئة مستقلة.
وبالتالي، من الناحية العلمية "الأوتروفيرت" هو اقتراحٌ نظري / ثقافي مستمد في المقام الأول من تجارب شخصية وملاحظات سريرية، وليس تصنيفًا مؤكدًا علميًا.
لماذا يلقى هذا المفهوم رواجًا؟
رغم عدم وجود أدلة قوية حتى الآن، هناك أسباب لانتشار هذا المصطلح:
-حاجات الإنسان لفهم ذاته وهويته
تجد العديد من الناس صعوبة في الانتماء الكامل لفئة الانطواء أو الانفتاح، لذلك يلجأون إلى تسميات جديدة تصف تجاربهم الداخلية الفريدة.
-السعي نحو التعقيد النفسي
علم النفس المعاصر يتجه نحو فهم أعمق للطيف الواسع للأنماط السلوكية بدلاً من التصنيفات الثنائية البسيطة.
-دور الإعلام ومنصات التواصل
انتشار هذا المصطلح على مواقع مثل إنستجرام ووسائل الإعلام أدّى إلى انتشار واسع للمفهوم بين الجمهور قبل أن يتثبت عنه بحثًا علميًا موثوقًا.
هل يمكن أن يكون "الأوتروفيرت" مفيدًا في فهم الذات؟
حتى لو لم يكن مصطلحًا مثبتًا علميًا بالكامل، فإن استخدامه بشكل موضوعي يمكن أن يكون أداة لفهم بعض التجارب الذاتية، بشرط عدم الخلط بينه وبين التشخيصات النفسية الطبية.
يمكن النظر إليه كـ "نمط سلوكي معرفي اجتماعي" يساعد بعض الأفراد على وصف شعورهم بالتباعد عن المجموعة. لكن لا يمكن استخدامه كبديل عن التقييم الطبي أو النفسي الرسمي عند وجود مشاكل نفسية حقيقية أو اضطرابات تحتاج علاجًا.