شارلز حدشيتي… هندسة الاناقة الرجالية بين الكلاسيكية والجرأة المعاصرة
في عالم الازياء الرجالية، حيث التفاصيل الدقيقة تصنع الفارق، تبرز البدلة بوصفها أكثر من قطعة ملابس؛ انها انعكاس للشخصية، ورسالة صامتة عن الثقة والحضور. وبين الكلاسيكية الخالدة واللمسات العصرية المدروسة، تتشكل هوية الرجل الانيق الذي يعرف تماما ماذا يريد. في هذا الحوار الخاص، نقترب من فلسفة التصميم واسرار البدلة المثالية، لا سيما بدلة العريس، مع مصمم الازياء الرجالية شارلز حدشيتي.
ما هي فلسفتك في تصميم الازياء الرجالية، وما الذي يميز اسلوبك؟
فلسفتي في التصميم تقوم على معادلة دقيقة بين الكلاسيكية والحداثة، اذ أؤمن بان البدلة الناجحة هي تلك التي تحترم اصولها، لكنها في الوقت نفسه تنبض بروح العصر. الكلاسيكية بالنسبة لي ليست مجرد خيار جمالي، بل هي البنية الاساسية التي تمنح البدلة وقارها واستمراريتها عبر الزمن. اما الحداثة، فهي اللمسة التي تضيف الخفة والحيوية، سواء من خلال قصة أكثر انسيابية، او تفاصيل مبتكرة، او اختيارات لونية مدروسة تعكس تطور الذوق المعاصر.
احرص في تصميمي على مخاطبة الرجل الذي يقدر الفخامة الهادئة؛ ذلك الذي لا يبحث عن لفت الانظار بالصخب، بل يفضل حضورا راسخا تصنعه الدقة والاتقان. فالأناقة الحقيقية، برأيي، تكمن في التفاصيل الصغيرة التي قد لا تلاحظ من النظرة الاولى، لكنها تحدث فرقا كبيرا في الصورة النهائية.
عند العمل على بدلة جديدة، ابدأ اولا بفهم هوية الرجل: طبيعة عمله، نمط حياته، المناسبات التي يرتادها، وحتى شخصيته. فالتصميم الناجح هو انعكاس صادق لمن يرتديه. بعد ذلك، أركز على القصة والبنية، لضمان توازن مثالي بين الراحة والانسيابية من جهة، والهيبة والدقة من جهة اخرى. كما اولي اختيار الاقمشة اهمية قصوى،
لان جودة القماش تنعكس مباشرة على شكل البدلة وادائها وطول عمرها.

واخيرا، تأتي التفاصيل الدقيقة من شكل الياقة والازرار الى طريقة انهاء الخياطة لتشكل التوقيع الخاص الذي يميز كل قطعة، ويجعلها أكثر من مجرد بدلة، بل تجربة متكاملة تعبر عن رؤية وهوية واضحة.
ما أبرز الاخطاء التي يقع فيها الرجال عند اختيار البدلة؟
يقع كثير من الرجال في اخطاء متكررة عند اختيار البدلة، تبدأ اولا بالمقاس غير المناسب، وهو العنصر الاهم على الاطلاق. فحتى أفخم الاقمشة وأرقى التصاميم تفقد قيمتها اذا لم تكن القصة متناسقة مع بنية الجسم.
كما يخطئ البعض بالانجراف خلف صيحات عابرة لا تناسب شخصيتهم او طبيعة استخدامهم، في حين ان البدلة استثمار طويل الامد يتطلب اختيارا مدروسا يتجاوز الموضة المؤقتة.
اهمال جودة القماش خطا اخر شائع، اذ ان نوعية النسيج لا تؤثر فقط في المظهر، بل في الراحة والثبات وطول عمر القطعة. كذلك، يتم احيانا تجاهل تفاصيل دقيقة لكنها حاسمة، مثل طول الاكمام، عرض الكتفين، وانسيابية البنطلون، وهي عناصر قد تبدو بسيطة، لكنها تصنع الفارق الحقيقي في الاطلالة.

كم بدلة يحتاج الرجل العصري في خزانته؟
برأيي، لا يحتاج الرجل الى عدد كبير من البدلات بقدر ما يحتاج الى خيارات اساسية مدروسة وعالية الجودة. ثلاث الى خمس بدلات كفيلة بتغطية مختلف المناسبات، شرط ان تكون مختارة بعناية وتتميز بقصة متقنة وقماش فاخر.
في مقدمة هذه الخيارات، تأتي البدلة الكحيلة الداكنة، فهي الاكثر عملية للعمل والاجتماعات وحتى المناسبات الرسمية. تليها البدلة الرمادية الداكنة، لما تتمتع به من مرونة في التنسيق وسهولة في الانتقال من اطلالة نهارية الى مسائية. اما البدلة السوداء، فتبقى الخيار الكلاسيكي للأمسية والسهرات والمناسبات الرسمية ذات الطابع الخاص.
ويمكن تعزيز هذه المجموعة ببدلة رمادية فاتحة او بلون البيج، خصوصا للمواسم الاقل رسمية او الاطلالات الصيفية، ما يضيف تنوعا واناقة أكثر تحررا.

بدلة العريس… كيف تتجلى الفخامة في ابها صورها؟
بدلة العريس ليست مجرد بدلة رسمية، بل قطعة محورية في يوم استثنائي لا يتكرر. لذلك تختلف في حضورها وتفاصيلها، اذ تصمم بعناية مضاعفة لتعكس خصوصية اللحظة واهميتها.
تتميز بدلة العريس عادة بتفاصيل فاخرة، واقمشة راقية، واكسسوارات مختارة بدقة تكمل المشهد بأناقة مدروسة. تبقى الالوان الكلاسيكية مثل الاسود، والكحلي الداكن، والرمادي الفاخر في صدارة الخيارات، لما تحمله من هيبة وخلود. اما على مستوى الاقمشة، أفضل الخامات الطبيعية الراقية كالصوف الممزوج بالحرير او المخمل الخفيف، لما تمنحه من فخامة ملموسة وانسيابية في الاطلالة.
ورغم اهمية الشكل، تبقى الراحة عنصر اساسي لا يقل شأنها عن الفخامة، فالعريس يقضي ساعات طويلة في يومه الكبير، ويحتاج الى بدلة تمنحه حرية الحركة والثقة في ان معا.
لهذا انصح دائما باللجوء الى التصميم حسب الطلب كلما كان ذلك ممكن، لان النتيجة تكون أكثر دقة وتفردا، وتعكس شخصية العريس وتفاصيلها الخاصة، لتصبح البدلة جزءا اصيلا من ذاكرة يوم لا ينسى.
ما أبرز الاتجاهات المقبلة في الموضة الرجالية؟
يتجه الموسم المقبل نحو مقاربة أكثر هدوءا ونضجا في الازياء الرجالية، حيث تتقدم الالوان الطبيعية والارضية الى الواجهة، مثل الزيتوني، والبني بدرجاته، والرملي الدافئ. هذه التدرجات تمنح الاطلالة عمقا واناقة غير متكلفة، وتعكس ميلا واضحا الى البساطة الراقية.
على مستوى القصات، نشهد توجه نحو تصاميم أكثر راحة وتوازنا، مع الحفاظ على البنية الانيقة للبدلة الكلاسيكية. الفكرة لم تعد في التضييق المبالغ فيه بل في تحقيق انسجام بين الانسيابية والدقة.
اما المفهوم الابرز فهو ما يعرف ب"الاناقة الهادئة"، التي تمزج بين الفخامة والبساطة المدروسة. انها اناقة تعتمد على جودة الخامات، ونقاء الخطوط، وتفاصيل دقيقة غير صاخبة، لتقدم حضورا واثقا يلفت الانتباه من دون استعراض.

من اين تستمد الالهام في تصميم الازياء الرجالية؟
استوحي جزءا كبيرا من رؤيتي من مصممين عالميين مثل Tom Ford، الذي نجح في المزج بين الفخامة الكلاسيكية والجرأة العصرية بأسلوب متقن. لكل قطعة يبتكرها قدرة على عكس ثقة الرجل وحضوره بهدوء، دون اي مبالغة او استعراض، ما يجعل تصميماته مصدر الهام دائم لتطوير رؤية شخصية تجمع بين التقاليد والابتكار.

ما سر الاناقة الحقيقية وهل هي مجرد ملابس ام اسلوب حياة؟
الاناقة الحقيقية تبدأ دائما بالثقة بالنفس. لا تنسخ الصيحات بشكل اعمى، بل اختر ما يعكس شخصيتك ويمنحك حضورا متوازنا وواثقا. استثمر في الجودة، واهتم بالتفاصيل، واختر القطع التي تصمد امام اختبار الزمن وتظل معك سنوات طويلة. فالأناقة ليست مجرد ملابس، بل اسلوب حياة يعكس ذوقك وكيانك في كل لحظة.

لماذا اخترت الازياء الرجالية؟
اختياري للتصميم في مجال الازياء الرجالية ينبع من قناعة راسخة بان اناقة الرجل قوة هادئة لا تحتاج الى ضجيج. فالتفصيلة المدروسة والقصة المتقنة قادرتان وحدهما على عكس الهيبة بثقة ومن دون مبالغة. اما البدلة، فأراها اشبه بعمل معماري متكامل؛ لكل خط دلالته، ولكل تفصيل أثره في صياغة الصورة النهائية.
ماذا تخبرنا عن البدايات؟
انطلقت رحلتي في تصميم الازياء الرجالية بدافع الشغف اولا واخيرا. كنت أؤمن بان البدلة ليست مجرد قطعة ملابس، بل لغة تعكس شخصية الرجل وتجسد قوته الهادئة. في البدايات، انصرفت الى اتقان ادق التفاصيل؛ من دراسة القصات واختيار الاقمشة بعناية، الى فهم بنية جسم الرجل وكيف يمكن للتصميم ان يبرز اناقته بأسلوب راق ومتفرد.
مع الوقت، تحول الشغف الى هوية واضحة تجمع بين الكلاسيكية الخالدة واللمسة العصرية. لم تكن الطريق سهلة، لكن التجارب المتراكمة، والتعامل مع عملاء مختلفين، ومتابعة الاتجاهات العالمية مع الحفاظ على الطابع الفخم، كلها ساهمت في صقل رؤيتي. اليوم، كل مجموعة أقدمها هي امتداد لرحلة تطور وطموح واصرار على تقديم ازياء تعبر عن القوة والتميز.
ماذا عن التحديات ونقطة التحول؟
في البدايات، تمثل التحدي الاكبر في اثبات الحضور ضمن سوق يزخر بالأسماء اللامعة. فالأزياء الرجالية لا تتسامح مع الهفوات، اذ تبقى التفاصيل فيها عنصر حاسم لا يقبل المساومة. لذلك، كان الرهان على الجودة قبل الكمية، وعلى العناية الدقيقة بكل قطعة تخرج الى النور.
اما نقطة التحول الفعلية، فجاءت عندما اختارت شخصية مؤثرة ارتداء تصميم يحمل اسمي وظهرت به بثقة امام الجمهور. عندها أدركت ان الرؤية التي حلمت بها بدأت تتجسد واقعا، وان المسؤولية تجاه الاسم والهوية اصبحت أكبر من اي وقت مضى. ومنذ تلك اللحظة، تحولت الدقة والالتزام بالتميز الى اولوية مضاعفة لا تقبل التراجع.