ماذا لو كان الهواء مادة؟ هذا ما استكشفه "جوناثان أندرسون" في "ديور" ربيع وصيف 2027 للملابس الجاهزة
التقرير
ماذا لو كان الهواء مادة؟ هذا ما استكشفه "جوناثان أندرسون" في "ديور" ربيع وصيف 2027 للملابس الجاهزة
منذ أن تولى “جوناثان أندرسون” القيادة الإبداعية لدار “ديور”، بدأ في تفكيك مفرداتها الأكثر رسوخاً وإعادتها إلى الحاضر بصورة مختلفة. الخياطة، الزهور، الأحجام التاريخية، والصورة الظلية التي شكّلت هوية الدار منذ “كريستيان ديور”؛ عناصر يعرفها جيداً، ويبدو أكثر اهتماماً بتغيير طريقة استخدامها من مجرد استعادتها. مرة يبدّل الخامة، وأخرى يغيّر النسبة أو الوظيفة، فيصبح الشيء المألوف جديداً مرة أخرى.
في مجموعة ربيع وصيف 2027 للملابس الجاهزة، يواصل “أندرسون” تشكيل صورة المرأة التي يريدها لـ“ديور”، وهذه المرة يبدأ من سؤال يبدو شاعرياً بقدر ما هو تقني: ماذا لو كان الهواء مادة؟

جاءت القصّات دقيقة ورصينة، فيما تعامل معها “أندرسون” بالموسلين الحريري والأورغانزا والنسيج المخرّم والطبقات الشفافة، لتصبح المسافة بين القماش والجسد جزءاً من التصميم نفسه. تتدرج الشفافية بين الكشف والحجب، تتحرك الطبقات مع الخطوات، وتحتفظ الصورة الظلية ببنائها فيما تفقد الخامة ثقلها. الخفة هنا نتيجة تقنية واضحة؛ فكلما تحرك القماش ظهر البناء الذي يحمله، وكلما مر الهواء خلاله تغيرت صورته.

وهذه العلاقة بين البناء والحركة مهمة تحديداً في “ديور”. فمنذ “نيو لوك” عام 1947، ارتبطت الدار بصورة ظلية محسوبة بدقة؛ خصر محدد، حجم مدروس، وعلاقة شديدة الوضوح بين القماش والجسد. “أندرسون” يحتفظ بهذا الاهتمام بالشكل، ثم يسمح له بالحركة. تصبح الصرامة أكثر ليونة، ويظهر الهيكل من خلال أقمشة تبدو أحياناً وكأنها على وشك الطيران.

حتى الزهور، إحدى أكثر مفردات “ديور” رسوخاً، تدخل هذه الحركة. عشق “كريستيان ديور” للحدائق والطبيعة امتد من طفولته في “غرانفيل” إلى مجموعاته، ثم تحول مع الزمن إلى جزء أساسي من قاموس الدار. عند “أندرسون” تتجاوز الزهرة صورتها المباشرة؛ تظهر في الأحجام المستديرة، والطبقات التي تستحضر البتلات، والتأثيرات اللونية المتقزحة. وتعود أشكال من مجموعة خريف وشتاء 2026-2027 بقصّات أقصر ونسب مختلفة، وكأن الفكرة نفسها انتقلت من موسم إلى آخر وتغيّرت مع تغير المناخ والجسد والحركة.

أما عدم التماثل، فيمنح هذه الحركة اتجاهها. أوشحة طويلة تنسدل من كتف واحد، وأقراط متدلية مثقلة بالأحجار تسحب النظر إلى جهة دون الأخرى، وتكوينات تتعمد إزاحة مركز الإطلالة. تبدو الصورة الظلية وكأن شيئاً ما دفعها قليلاً عن محورها. وهذا الاختلال المدروس مهم في المجموعة؛ لأنه يمنع الخفة من التحول إلى رومانسية حالمة متوقعة، ويمنح الأزياء ذلك القدر من الغرابة الذي أصبح مرتبطاً بنظرة “أندرسون”.

الأمر ذاته يحدث عندما يعود إلى أفكار موجودة مسبقاً ويغيّر سياقها. بعض عناصر مجموعة “ديور” الرجالية لصيف 2027 تنتقل إلى المجموعة النسائية: بذلات من أقمشة شفافة، سراويل بخمسة جيوب وتفاصيل معدنية، وتطريز بتقنية الخداع البصري يحاكي وشاحاً أسود. الوشاح نفسه يمكن أن يكون قطعة تنسدل وتتحرك، ثم يتحول في إطلالة أخرى إلى صورة مطرزة توهم العين بوجوده. إنها طريقة “أندرسون” في التعامل مع الأشياء؛ يحتفظ بما نعرفه عنها، ثم يغيّر المادة أو الوظيفة أو المكان الذي نتوقع رؤيتها فيه.
حتى الإكسسوارات تتبع المنطق ذاته. تظهر الزهور مطبوعة على الأحذية ذات المقدمة المربعة والكعوب العريضة، ثم تنتقل البتلة من شكل طبيعي مألوف إلى عنصر بنائي في نعل حذاء “ديور سيغال”. وفي الحقائب، تدخل درزات “كاناج”، أحد رموز “ديور” المعروفة، على تصميم يستعير تفاصيله من أزياء راكبي الدراجات النارية بجيوبه القلابة وسحّاباته وتفاصيله المعدنية. مرجع قديم يجد لنفسه موقعاً جديداً.
وهنا أجد مفتاح المجموعة.
“جوناثان أندرسون” لا يبحث عن الجديد عبر التخلص من القديم؛ الجديد عنده يأتي من تحريك ما هو موجود أصلاً. فكرة تنتقل من الشتاء إلى الصيف، قطعة تعبر من مجموعة الرجال إلى النساء، رمز تاريخي يظهر على تصميم معاصر، وخامة شديدة الرقة تعيد صياغة بناء عرفناه أكثر صلابة.

الهواء، الحركة وعدم التماثل ليست أفكاراً منفصلة في ربيع وصيف 2027. جميعها تغيّر الطريقة التي نرى بها الأشياء المألوفة في “ديور”. فالهواء يحرك القماش، وعدم التماثل يحرك الصورة الظلية، و“أندرسون” يحرك مراجع الدار نفسها من زمن وسياق إلى آخر.
وهنا يصبح القديم جديداً مرة أخرى.
وهنا أيضاً أجد “جوناثان أندرسون” أكثر إقناعاً في “ديور”: عندما يتوقف المرجع عن كونه اقتباساً يمكن تسميته، ويصبح قراراً يمكن رؤيته في طريقة بناء القطعة وحركتها.