محمد آشي يقدّم "البدايات" عبر هيكلة متقنة وتعقيد شاعري في مجموعة ربيع وصيف 2026 للأزياء الراقية
التقرير
محمد آشي يقدّم "البدايات" عبر هيكلة متقنة وتعقيد شاعري في مجموعة ربيع وصيف 2026 للأزياء الراقية
من يتابع المسار الفني لدار ASHI STUDIO يدرك وقوفها الدائم على حافة العتمة، عتمة تسكن الظلال وتحمل حقيقتها بهدوء، قريبة، آسرة، ذات جمال يترك أثره ببطء. في Palais Brongniart، وضمن مساحة عرض بدت كجوفٍ معماري مغطّى بالقماش، اتخذ هذا العالم شكله الكامل. ممر طويل تشكّل من طبقات القماش العاجي المنسدل، سقف يهبط بثقله الناعم، وستائر ضخمة تتدلّى على الجانبين وتلتقي بصريًا في الأعلى، تصنع إحساسًا بالاحتواء وهيبة صامتة في آن واحد. هنا بدا العرض امتدادًا طبيعيًا للحالة الداخلية التي تصوغ هوية الدار، مساحة خُلقت لتُمهّد للرؤية قبل ظهور الجسد، وكأن المكان نفسه جزء من السرد.
آشي صانع أزياء شاعري، يستخرج إلهامه من بيتٍ شعري، من فكرة مفرطة الرهافة، حسّاسة تحتمل الإيحاء أكثر من الكشف. الإبداع ينطلق من إحساس داخلي، من ومضة ذهنية تُخاط بعناية وتُترك مفتوحة على التأويل، معنى يتكوّن تدريجيًا مع الحركة والضوء والزمن.

ارتبطت الدار بالصور الظلية النحتية وبقدرة عالية على إدارة النِّسب، أشكال تلتصق بالجسد ثم تنفلت عنه في حركة متواصلة بين الاحتواء والانفجار. الأقمشة المتآكلة تقف جنبًا إلى جنب مع حِرفة فائقة الدقة، ودرجات البيج والألوان الشاحبة تُدفع باتجاه التشبع، فيما يظل الانضباط مشدودًا إلى فائض محسوب، توتر واعٍ يحكم كل تفصيلة.

هذا الموسم يتحدث عن البدايات، بداية اليوم تحديدًا، لحظة الفجر حين يذوب العالم لثوانٍ، وحين يتحرر الجسد والفكر من الخوف ومن فكرة الحدود. زمن هش وقصير يحمل وعد التحوّل قبل عودة النظام.

المجموعة تنشغل بالهشاشة وبالقوة الإنسانية الكامنة داخلها، هشاشة مصاغة ومدروسة ومحمولة على بناء صارم، تُدار بالحرفة وبالوعي الهيكلي و البنيوي.

الحداد يتجاور مع الوهم، والحب يلامس الجنون، والنشأة معقّدة عن قصد. طقوس الحداد الفيكتورية تتحول إلى مفردات تصميمية، شعر مضفور داخل فساتين مشدودة ينسدل على الظهر كعمود فقري مكشوف، مفاتيح وعناصر فانية منسوجة داخل القماش كإشارات صامتة. تقنيات المشدات من القرن الثامن عشر تُحرق وتُنهك حتى تنفصل عن زمنها وتتكلم بلغة معاصرة، والرسم الإيهامي يحوّل الأقمشة المنسدلة إلى ساتان متخيّل فوق هياكل جسدية عالقة في منتصف التحوّل، حيث تقترب الأزياء الراقية من قراءة استباقية للجسد والذاكرة.

كل قطعة تحمل قصدًا متعدّد الطبقات، لايتكس يندمج مع أسطح مرسومة، ترتر يحمل أثر لهب متعمّد، نصوص مطرزة بأبجديات مخترعة. لوحة الألوان ترابية صدئية، بيج مُختزل إلى جوهره، ألوان الآثار والبقايا، ألوان ما يصرّ على البقاء.

تدفع هذه المجموعة حدود الدار إلى مستوى جديد من حيث المادة، جبس وحجر وقصدير مُشكّل وجلد، وصور ظلية منحوتة بدقة تلامس العمارة. هذا التوسع يشير إلى ثقة واضحة واختبار واعٍ لهشاشة الأزياء الراقية عبر إدخال الوزن والكثافة والمقاومة.

الرومانسية تبقى حاضرة بقوة، الصلابة تصطدم بكشكشات رقيقة، وخيوط كريستال تتدرج في طبقات متتابعة، العاطفة تستمر أكثر حدّة وأكثر وضوحًا، والجمال يُسمح له بالارتجاف أمام الصرامة.
في التقادم، في التآكل، في التشويه المتعمّد، وفي اللمعان الذي يخفت، تتجلى صراحة نادرة. لو اتخذ الصدق شكل أزياء راقية، لكان هنا، مجموعة تختار الحقيقة مسارًا.
"لا يطلب آشي منك الاختيار بين الشوق والتخلّي. يدرك حضورهما معاً، متشابكين، يصلان في اللحظة نفسها. يفهم أن أكثر الحقائق قوطية هي الأكثر حميمية: أن الافتراس الحقيقي متبادل، أن تلتهم الآخر يعني أن تُلتهم معه، حتى ينهار الاثنان في كيان واحد. هذا تعبير عن الشغف بلا مواربة. هذه حافة التوق الحادّة. هذا ما يسكن الظلال، وقد وجد أخيراً شكله."