طقوس جمال الملكات: 4 أسرار عناية ألهمت النساء عبر الزمن
رغم أن طقوس جمال الملكات وأسرار عنايتهن التي ألهمت النساء عبر الزمن، قد تطرقتُ إلى الكتابة عنها من قبل، إلا أنه بين الحين والآخر يراودني شغفي لإحياء طقوس ملكات حكمنَ إمبراطوريات؛ وفي الوقت نفسه، أثبتن أن الجمال قوة، وأن العناية بالذات ليست رفاهية، بل استراتيجية حياة.
دعيني أشارككِ لحظة تأملتها: كنتُ أقف أمام مرآتي، أمسك علبة كريم بلاستيكية حديثة، وفي يدي الأخرى هاتفي الذي تملؤه إشعارات تطبيقات العناية بالجمال؛ بينما كانت كليوباترا، منذ آلاف السنين، تغطس في بحر من حليب الأتان، وماري أنطوانيت تخلط الكونياك مع بياض البيض في قصر فرساي، وسيسي النمساوية تغسل شعرها المنسدل حتى الأرض بالبيض النيء.ولا سيما وصفاتهن الطبيعية للعناية بالبشرة والشعر والجسم التي لا تزال تتصدر المشهد الجمالي في عصرنا الحالي.
ومع إدراكنا التام للفوارق الجوهرية بيننا وبينهن؛ فنحن نعلم اليوم ما كنّ يجهلنَهُ (الرصاص يقتل، الزئبق يسمّ، والجمال الحقيقي لا يبدأ من سطح الجلد، بل من عمق الصحة والوعي). ودائماً أسأل نفسي: "ماذا لو أن تلك الملكات، بكل ما أوتين من جاه وسلطان، تسلّمن عصارة المعرفة التي بين يدينا الآن؟ لكانت وصفاتهن أكثر أمانًا، وأقل تكلفة، وأعلى فعالية".
ولأنكِ في مثل حالي، لستِ بحاجة لأن تكوني ملكة لتتبعي طقوس الملكات؛ فكل ما تحتاجينه هو أن تدركي أن جمالكِ هو تاريخكِ الشخصي الذي تكتبينه كل يوم، وأن كل قطرة زيت، وكل ملعقة عسل، هي لحظة تقدير لجمال لا يقل أهمية عن أي إنجاز آخر في حياتكِ. فهل أنتِ مستعدة لاكتشاف أسرار طقوس جمال الملكات؛ لتستخلصي ما يناسبكِ منها، من دون دفع ثمن أخطائهن؟.
من هذا المنطلق، دعيني آخذكِ عبر موقع "هي" في جولة عبر الزمن، لنكتشف معًا 4 أسرار لطقوس جمال الملكات، وأهم الدروس المستفادة المرأة العصرية، وذلك بناءً على توصيات أخصائية العناية بالبشرة والشعر مريم عبد الغني من القاهرة.
طقوس جمال الملكات: 4 أيقونات وأسرار عنايتهن التي لن تندثر
أكدت أخصائية العناية بالبشرة والشعر مريم عبد الغني، أن حديثنا عن طقوس جمال الملكات ليس مجرد رحلة إلى الماضي فحسب، بل هو جسر بين حكمة الأجداد وعلوم الأجيال، بين طقوس القصور ونمط حياتنا السريع، بين أسرار جمال رائع أجبرتهن الظروف قديمًا على دفع ثمن صحي باهظ لأجله، وبين جمالنا اليوم الذي يمكننا أن نعيشه بكل أمان ووعي. واليوم نستطيع أن نستلهم من 4 أيقونات جوهر العناية بأنفسنا، وذلك على النحو التالي:
-
أيقونة الجمال الخالد.. الملكة كليوباترا
عندما ننظر إلى طقوس جمال الملكات، وكليوباترا تحديدًا، نجد أنها لم تكن مجرد نزوة عابرة، بل كانت علمًا وفنًا وحكمة. إذ اشتهرت بطقوسها الاستثنائية التي تحوّلت إلى مصدر إلهام دائم؛ وأبرزها:

-
حمام الحليب.. للتقشير والنعومة الفائقة
كانت تستحم يوميًا في حليب الأتان، وكان يُقال إنها تحتاج إلى حوالي 700 أتان يوميًا لتوفير ما يكفي من الحليب لحمّامها . لم يكن هذا ترفًا فقط؛ فالحليب غني بحمض اللاكتيك، وهو أحد أحماض ألفا هيدروكسي التي تعمل كمقشر طبيعي لطيف، وتزيل خلايا الجلد الميتة، وتمنح البشرة نعومة وإشراقًا استثنائيًا. ولاستخدامنا العصري يمكننا ببساطة إضافة كوب أو كوبين من (الحليب كامل الدسم أو اللبن الزبادي) إلى ماء حوض الاستحمام للاستمتاع بفوائده المقشرة والمرطبة، مع إضافة بضع قطرات من الزيوت العطرية مثل "اللافندر" لإضفاء لمسة من الفخامة والاسترخاء .

-
أملاح البحر الميت..لإزالة السموم والجفاف
كانت تستخدم أملاح البحر الميت الغنية بالمعادن لتقشير جسمها؛ إذ كانت تعتقد أنها تمنح بشرتها صفاءً وتقيها من الشوائب. وبما أن تلك المنطقة عُرفت أيضًا بعلاجاتها بالطين الأسود الأسفلتي، فإنها كانت تُدهن به ثم تُدلك بأملاح البحر الميت، وهو ما يذكّرنا بعلاجات السبا الحديثة بالطين . ولتطبيق هذا الطقس الجمالي في عصرنا الحالي، نستطيع تحضير مقشر طبيعي في المنزل بخلط ملعقة كبيرة من الملح الخشن الناعم مع 3 قطرات من زيت أساسي و5 قطرات من زيت ناقل مثل (زيت جوز الهند أو اللوز)، وفرك أجسامنا به بلطف أثناء الاستحمام .

-
الكحل بالعين.. للحماية والجاذبية
كان الكحل الأسود المصنوع من الجالينا (خام الرصاص) والمالاكيت الأخضر جزءًا لا يتجزأ من مظهرها الشهير. لم يكن للزينة فقط، بل كان يُستخدم أيضًا لحماية العينين من أشعة الشمس الحارقة والالتهابات لاحتوائه على أكسيد الزنك. كما كان يُضاف إليه أحيانًا مسحوق من قشور الخنافس المُطحونة لمنحه لمعانًا برّاقًا في المناسبات الخاصة .ولاستخدام الكحل في عصرنا الحالي، ننصح باختيار الكحل الأصلي أو السورما أو الكاجل الأيورفيدي، فهي لا تزال الخيار الأمثل للحصول على نظرة عين ساحرة وصحية، مع تجنب الأنواع الرديئة التي قد تسبب التهابات .
-
العسل وغذاء ملكات النحل والزيوت.. للترطيب العميق والتجديد
استخدمت غذاء ملكات النحل لترطيب بشرتها من الرأس إلى القدمين، لما له من قدرة على تعزيز إنتاج الكولاجين وتجديد الخلايا. كما استخدمت العسل في أقنعة الوجه لخصائصه المرطبة والمضادة للبكتيريا . أما للعناية بجسمها وشعرها فكانت تستخدم الزيوت الطبيعية الغنية مثل "زيت المورينجا وزيت الزيتون". وفي عصرنا الحالي، يمكننا استبدال غذاء الملكات بشمع العسل الموجود في العديد من كريمات الترطيب، أو إضافة القليل من العسل الخام إلى ماسكات الوجه الطبيعية. ولا ننسي تدليك الجسم والشعر بالزيوت الطبيعية مثل "زيت اللوز أو جوز الهند" بعد الاستحمام للحفاظ على النعومة واللمعان .

-
الحناء.. للعناية بالأظافر وتلوينها
استخدمت الحناء لتغذية وتلوين أظافرها، ما جعلها من أوائل من استخدمن طلاء الأظافر. كما استخدمتها أيضًا لصبغ شعرها ويديها وقدميها .أما في عصرنا الحالي، فلا يزال استخدام الحناء لتغذية الشعر وتلوينه أو لعمل رسومات مؤقتة على الجسم من الطقوس الجمالية المحببة إلينا.
-
العطور.. مرآة التوقيع الشخصي للأنوثة
كانت تمتلك مصنعًا للعطور، وكانت تضع بلسم العطر بين أصابع قدميها قبل لقاءاتها، بل وتُعطّر أشرعة سفينتها لتعلن عن قدومها بعطر لا يُنسى من خشب الصندل واللبان والمر. كما استخدمت تلك العطور للتغطية على الروائح النفاذة لبعض علاجاتها الجمالية القوية. أما في عصرنا الحالي، فننصح دومًا باختيار العطور بما يتماشى مع شخصية كل امرأة، لتعزيز شعورها بالأنوثة والثقة.
-
أيقونة الجمال الفرنسي.. الملكة ماري أنطوانيت
عُرفت ماري أنطوانيت بحبها للرفاهية، وتركت لنا وصفات جمالية ما زالت مستخدمة حتى عصرنا الحالي من أغلبية النساء حول العالم، ومنها:
-
ماسك الوجه لإطلالة ساحرة
عبارة عن دمج ملعقتان صغيرتان من الكحول "لتحفيز الدورة الدموية وتضييق المسام"، ثلث كوب من الحليب المجفف "لخصائصه المقشرة بفضل حمض اللاكتيك"، بياض بيضة واحدة "لترميم أنسجة البشرة، وعصير ليمونة "لتقشير البشرة وتنقيتها"، ثم تطبيق الخليط على الوجه لمد20 دقيقة وشطفيه بالماء البارد.
-
العناية بالجسم والعطور
كانت تدهن جسدها بزيت اللوز للحفاظ على نعومته. وكانت محاطة بالورود الطازجة والبخور، واستخدمت عطورًا برائحة زهر البرتقال والورد والخزامى . كما كانت ترتدي قفازات مبطنة بالشمع والزيوت ليلًا لتنعيم يديها .

-
أيقونة الجمال الطبيعي.. الإمبراطورة "سيسي" (إليزابيث النمساوية)
عُرفت الإمبراطورة إليزابيث، أو "سيسي"، بانضباطها الشديد في الحفاظ على جمالها، وكانت تُعتبر أجمل امرأة في عصرها .كانت تمارس رياضة الفروسية والجمباز باستمرار، واتبعت نظامًا غذائيًا صارمًا قد يقتصر على بياض البيض والمرق فقط، للحفاظ على خصرها النحيف الذي لم يتجاوز 55 سم . أما عن العناية بجمالها، فقد حرصت على:
-
العناية بالشعر
كان شعرها الطويل الذي يصل إلى الأرض يُغسل كل ثلاثة أسابيع بمزيج من البيض النيء والكونياك، وكانت هذه العملية تستغرق يومًا كاملًا.
-
العناية بالبشرة
استخدمت حمامات زيت الزيتون للحفاظ على نعومة بشرتها، كما لجأت إلى وصفات غريبة مثل أقنعة من لحم العجل، ولكنها استخدمت أيضًا كريمًا من الفراولة والعسل، ولم تكن تحب العطور القوية، بل كانت تفضل رش شعرها بماء زهر البرتقال والورد والبنفسج

-
أيقونة الجمال المزيف.. الملكة إليزابيث الأولى
قادها السعي وراء معايير الجمال في عصرها إلى استخدام مستحضرات سامة، لتكون تحذيرًا من الجمال المزيف، من خلال التالي:
- كانت بشرتها البيضاء رمزًا للجمال والنقاء. ولإخفاء آثار الجدري التي ظهرت على وجهها، استخدمت إليزابيث الطلاء الفينيسي (Venetian Ceruse)، وهو خليط من الرصاص الأبيض والخل. وقد أدى هذا المزيج السام إلى تآكل بشرتها، ما جعلها تبدو رمادية ومتجعدة، فكانت تُضطر لوضع طبقات أكثر سمكًا منه في دورة مفرغة من العناية الضارة .
- كانت تستخدم مادة الزنجفر (Cinnabar)، وهو خام يحتوي على الزئبق، للحصول على الخدود الحمراء والشفاه الجذابة، ما يعني أنها كانت تبتلع من دون قصد منها كميات صغيرة منه كلما لعقت شفتيها .
- يُعتقد أن تعرضها المستمر للرصاص والزئبق تسبب في أعراض مثل "فقدان الذاكرة والتهيج والاكتئاب"، وقد يكون السبب الرئيسي وراء وفاتها بالتسمم الدموي .
- كانت تستخدم قطرات من البلادونا ( deadly nightshade) لتوسيع حدقة عينها وإضفاء بريق عليها، وهو ما أدى إلى إضعاف بصرها، وكانت تنتزع شعر جبينها وحاجبيها للحصول على الجبهة العالية التي كانت موضة ذلك العصر .
دروس مستفادة من طقوس جمال الملكات للمرأة العصرية
أكدت أخصائية البشرة والشعر مريم، أن أكثر ما يلفت النظر في طقوس الجمال الملكية عبر التاريخ، أنها تركت للمرأة العصرية دروسًا وعبرًا عميقة تلامس جوهر الوعي الجمالي والصحي الذي نعيشه في عصرنا الحالي، والتي تلخصها لنا في النقاط التالية:
- روتين كليوباترا التجميلي كان بمثابة طقوس متكاملة للعناية بالجسد والروح.
- استخدمت كليوباترا المكونات الطبيعية وفهمت علمها، وهذا ما نعود إليه اليوم في ثورة "البشرة النظيفة (Clean Beauty).
- كانت كليوباترا تخصص وقتًا وجهدًا وموارد هائلة لجمالها، وكأنها كانت تدرك أن العناية بالنفس هي شكل من أشكال القوة واحترام الذات.
- تذكرنا قصة إليزابيث الأولى أن الجمال لا يستحق المخاطرة بالصحة. لذا، يجب الحرص على قراءة مكونات المستحضرات.
- تقدم لنا كليوباترا وماري أنطوانيت نموذجًا للجمال المعتمد على الطبيعة، سواء (حمام الحليب، الأقنعة الطبيعية، والزيوت)، وهي طقوس لا تزال صالحة وفعالة حتى الآن .بينما كانت "سيسي" مهووسة برشاقتها لحد المرض، فإن دروسها في العناية بالشعر والبشرة بالزيوت والعسل يمكن تطبيقها باعتدال للحصول على فوائدها من دون الوقوع في فخ الهوس بالجمال .
وأخيرًا، لم تكن العناية بالجمال مجرد رفاهية لدى هؤلاء الملكات، بل كانت جزءًا من هويتهن وقوتهن، ليؤكدن للمرأة العصرية أنه شكل من أشكال التعبير عن الذات.