نوف الصالح تروي كيف تحوّل الأمثال الشعبية والذاكرة السعودية إلى أعمال فنية

خاص لـ"هي": نوف الصالح تروي كيف تحوّل الأمثال الشعبية والذاكرة السعودية إلى أعمال فنية

28 سبتمبر 2026

يحمل الفن قدرة خاصة على حفظ الذاكرة وإعادة تقديمها بلغة معاصرة، خصوصًا حين ينطلق من تفاصيل مألوفة تحمل في داخلها تاريخًا ووجدانًا مشتركًا. ومن الكلمات المتوارثة إلى الحرف واللون والرموز البصرية، تتحول عناصر الحياة اليومية إلى مساحة تربط بين الماضي والحاضر، وتمنح الهوية حضورًا يتجاوز التوثيق إلى الإحساس والتجربة.

ابعد عن العيب ذراع ونم
ابعد عن العيب ذراع ونم

بدأت علاقة نوف الصالح بالفن من اهتمام عميق بالكلمة والصورة، وبالتفاصيل الصغيرة التي تترك أثرًا في الذاكرة. وبعد دراستها الفنون واستكمالها الماجستير في تصميم الهوية البصرية للمدن، أصبحت أكثر وعيًا بعلاقة الإنسان بالمكان وبالرموز التي تشكّل هويته. ومن هذا الاهتمام وُلد مشروعها "كرانيف"، الذي يجسّد الموروث الشعبي من خلال الخط العربي والرسومات، انطلاقًا من الأمثال والكلمات التي تناقلتها البيوت والأجيال وحملت معها أصوات الجدّات ودفء الذاكرة.

وفي لقاء خاص مع "هي"، تتحدث نوف الصالح عن رحلتها مع الفن، وعلاقتها بالكلمة والخط، وكيف تستلهم من الثقافة السعودية وذاكرتها البصرية في أعمالها. كما تتطرق إلى مشروع "كرانيف"، ودور الفن في حفظ الموروث وإعادة تقديمه بلغة معاصرة، إلى جانب رؤيتها للهوية السعودية، والمشهد الفني المحلي، والطريقة التي يمكن أن يصل بها العمل المتجذر في بيئته إلى جمهور أوسع.

اذا اشتهى القلب ساق القدم
اذا اشتهى القلب ساق القدم
  • عندما تفكرين في السعودية من خلال الفن، ما أول صورة أو إحساس يتبادر إلى ذهنك، ولماذا؟

أول إحساس هو الألفة؛ فأنا نشأت من هذه الأرض، وتشكّلت ذاكرتي من أصواتها وكلماتها وناسها، لذلك أشعر أمامها أنني أمام شيء يعرفني قبل أن أشرح نفسي، أتخيّل صوتًا مألوفًا، وكلمة نفهم ما وراءها من نبرة قائلها، السعودية بالنسبة لي حاضرة في هذه التفاصيل التي تجعلني أشعر أن لي مكانًا أشبهه ويشبهني، وأن ما أحمله معي يجد صداه لدى الآخرين.

فنيًا، يحرّكني هذا القرب، كيف يمكن للون أو حرف أو مشهد أن يحمل إحساس "هذا منّا"؟ أحب أن يصل عملي إلى تلك المنطقة؛ أن يرى فيه الإنسان شيئًا يخصّه، وربما يستعيد معه وجهًا أو صوتًا اشتاق إليه؛ لأن علاقتي بالمكان تتكوّن من الناس الذين منحوه معناه في داخلي.

لولا سموم القيظ ما جاد النخيل
لولا سموم القيظ ما جاد النخيل
  • ما التفاصيل السعودية اليومية التي تجدين فيها إلهامًا فنيًا، حتى وإن بدت بسيطة أو مألوفة للآخرين؟

تشدّني الكلمات التي نقولها بعفوية: مثل يأتي في مكانه فيختصر حديثًا طويلًا في جملة واحدة، أو دعوة تحمل محبة، أو تعبير قديم له وقع لا تستطيع كلمة أخرى أن تعوّضه، أتوقف عند الطريقة التي نصوغ بها مشاعرنا؛ كيف تختبئ المحبة أحيانًا داخل مزحة، وكيف تحمل عبارة قصيرة خبرة حياة كاملة.

وأجد الإلهام أيضًا في بصمة اليد على الأشياء؛ في الكتابة، والحرفة، والتفاصيل التي تحتفظ بشخصية من صنعها، أميل إلى هذه اللمسة الإنسانية، إلى العفوية التي تجعل الشيء قريبًا وقابلًا للمحبة.

إن حبتك عيني ما ضامك الدهر
إن حبتك عيني ما ضامك الدهر

وفي مجموعة الأمثال الشعبية من “كرانيف”، استوقفتني فكرة أن تحمل الكلمات أصواتًا نعرفها جيدًا، ثم نكتشف لها ملامح حين نراها للمرة الأولى.

  • كيف توازنين بين تقديم عمل يحمل جذورًا سعودية واضحة وبين رغبتك في أن يتحدث بلغة فنية عالمية؟

أؤمن أن العمل الفني لكي يصل إلى العالمية يجب أن يكون صادقًا أولًا، وأن يعكس تاريخه ورسالته بشكل أصيل، لذلك أبدأ من علاقتي الحقيقية بالفكرة، ومن التفاصيل التي أعرفها وأشعر بها، جذوري تظهر في اختياري للكلمة، وفي شكل الحرف، وفي نوع الحكاية التي تستوقفني، وكلما فهمت هذه العناصر بعمق، استطعت أن أقدّمها بوضوح وثقة.

وأثناء بناء العمل، يشغل ذهني دائمًا سؤال: من أين يستطيع المتلقي أن يدخل إليه ويفهمه؟ وبما أنني أركّز في أعمالي على الأقوال والنصوص، فقد يحتاج النص أحيانًا إلى شرح، لكن حتى إن لم يفهم المتلقي اللغة، يظل العمل يفتح له بابًا للشعور به، بما يحمله من محبة وحنين وفقد وأمل، ويسهم التكوين واللون والعلاقة بين الخط والرسم في تعميق هذا الشعور.

أحب أن يترك العمل لدى من لا يعرف ثقافتنا رغبة في الاقتراب والسؤال، يكفيني أحيانًا أن يشعر بشيء يدفعه إلى القول: ما حكاية هذه الكلمات؟ من هذا الفضول يبدأ التعارف.

بسه ما تطلع من بيت فرح
بسه ما تطلع من بيت فرح
  • برأيك، كيف يمكن للفنان أن يحافظ على الذاكرة والهوية من خلال عمل معاصر من دون أن يتحول التراث إلى مجرد عنصر زخرفي؟

بأن يمنح المعنى وقتًا قبل أن يمنحه شكلًا، حين أتعامل مع مثل أو نص، يهمني أن أفهم: لماذا بقي؟ ما التجربة الإنسانية التي يحملها؟ وكيف تتغيّر علاقتنا به حين نسمعه اليوم؟ هذه الأسئلة تحدد اختياراتي البصرية منذ بداية العمل.

أحاول أن أمنح كل نص رسمًا ومخطوطة تخصّه، لأن لكل معنى شخصيته وإيقاعه، أريد للكلمة أن تكون حاضرة بروحها، وأن يشعر المتلقي بسبب اختيارها، إلى جانب جمال كتابتها.

وأؤمن أن الذاكرة تستمر حين تجد لها علاقة بحياتنا الحالية، حين يستطيع شخص أن يرى في قول قديم وصفًا لشعور يعيشه الآن، يصبح لهذا القول عمر جديد، هنا أشعر أن الفن يمنح الموروث فرصة ليواصل الحديث معنا.

بشر النخل بفلاح جديد
بشر النخل بفلاح جديد
  • مع التحولات التي يشهدها المشهد الفني السعودي، ما أكثر ما يلفت انتباهك في الطريقة التي يعبّر بها الجيل الجديد عن هويته؟

يلفتني أن سؤال الهوية أصبح أكثر شخصية: ما الذي تعنيه السعودية بالنسبة لي أنا؟ أجد جمالًا في أن تأتي الإجابات من تفاصيل عفوية مختلفة؛ من البيت، واللهجة، والمدينة، والعلاقات، وحتى من الأسئلة التي ما زال الفنان يحاول فهمها.

أشعر بالقرب من الأعمال التي تسمح لصاحبها بأن يظهر فيها بصدق، بما يحمله من حنين وفضول وتردد وطموح، فالهوية تتّسع لهذه المشاعر كلها، وتزداد غنًى كلما سمعنا أصواتًا أكثر.

وما يهمني هو أن تظل هذه المساحة مفتوحة؛ أن يشعر الفنان أن تجربته الصغيرة تستحق التعبير، أحيانًا تكفي حكاية بسيطة لنقترب من مكان وأهله، ونفهم شيئًا عميقًا عنهم.

حقيبة Tote أوضح من عين شمس
حقيبة Tote أوضح من عين شمس
  • هل هناك عمل فني لكِ شعرتِ بأنه عبّر عن علاقتك بالسعودية بصورة أقرب إلى ما بداخلك؟ وما القصة وراءه؟

كل مشاركاتي في اليوم الوطني من خلال مخطوطاتي هي طريقتي في التعبير عن انتمائي، وأرى في مجموعة الأمثال الشعبية من مشروعي “كرانيف” واجبًا تجاه حفظ الموروث وتوثيقه بطريقة فنية، بوصفها تجربة فنية متكاملة، لأن علاقتي بالسعودية ترتبط بكثير من حكاياتها وكلماتها، بدأت من الأمثال الشعبية التي تحمل شيئًا من حياتنا، ومن رغبتي في تحويلها إلى أعمال تجمع الرسم والخط العربي، بحيث يصبح لكل مثل حضور بصري يعبّر عنه.

أشعر أن هذه المجموعة تختصر سنوات ممّا سمعته، وما بقي في ذاكرتي، وما أصبحت أفهمه بصورة مختلفة، لكن أكثر ما أثّر فيّ كان ردّ فعل الناس: أن يقف شخص أمام مثل سمعه طوال حياته، ويراه للمرة الأولى.

تلك اللحظة هي الإنجاز الأقرب إلى قلبي، أشعر فيها أن شيئًا خرج من ذاكرتي وجد مكانه في ذاكرة شخص آخر، وأن بيننا معرفة قديمة كشفها العمل الفني، هذا الاتصال يحمل كثيرًا من معنى الوطن بالنسبة لي.

ترضيه حزوم نجد
ترضيه حزوم نجد
  • إذا طلبنا منكِ أن تعبّري عن السعودية اليوم بعمل واحد فقط، من دون استخدام العلم أو أي رمز وطني مباشر، ماذا سيكون شعوره أو فكرته؟

أرى السعودية جذورًا قوية وعميقة تربط ماضيها بحاضرها ومستقبلها، فالأفكار الكبيرة التي تصنع المستقبل لا تكتمل إلا حين نحافظ على تاريخنا ونبقى متمسكين بأصولنا.

لذلك أتخيّل هذا العمل شجرة ثرية، جذورها عميقة وأصلها ثابت، وظلالها ممتدة، وأوراقها ممتلئة ومترابطة، والأرض التي تحتها خصبة، الجذور هي تاريخنا وموروثنا، وما حفظته الأجيال من كلمات وحكايات، والأرض الخصبة هي الناس والقيم التي تمنح هذه الجذور حياتها، أما الأوراق فهي نحن اليوم؛ أجيال مختلفة وأصوات متعددة، يتصل بعضها ببعض.

وبلغتي الفنية، سأرسم هذه الشجرة بالحرف؛ تبدأ جذورها بحروف مكتوبة بخط قديم، ثم تصعد في الجذع والأغصان حتى تتحوّل تدريجيًا إلى أوراق، بلا فاصل واضح بين الكتابة والرسم، سأترك الجذور بالأبيض والأسود، وأسمح للون أن يظهر كلما ارتفعنا نحو الأغصان والأوراق، حتى يشعر من يراها أن كل ما يخضرّ اليوم بدأ من هناك، من العمق.

أما ظلالها الممتدة، فهي ما نمنحه للآخرين؛ مساحة يستظل بها كل من يقترب منّا، وهذه هي الفكرة: كلما تمسّكنا بجذورنا أكثر، اتّسعت ظلالنا أكثر.

جاور السعيد تسعد
جاور السعيد تسعد
  • في اليوم الوطني، ما الرسالة أو الشعور الذي تتمنين أن يتركه الفن السعودي لدى من يراه داخل المملكة وخارجها؟

أتمنى أن يذكّرنا الفن بأن تفاصيل حياتنا اليومية تستحق أن تُروى وتُحفظ؛ كلماتنا، وذكريات بيوتنا، وأصوات أهلنا، وكل ما يبدو مألوفًا لكنه يحمل في داخله تاريخًا ومشاعر مشتركة، ولمن يراه من خارج المملكة، أتمنى أن يكون الفن نافذة يتعرّف من خلالها إلينا: كيف نحب، وكيف نحلم، وكيف نصون ما نعتزّ به من قيم وذكريات.

من هذا الإيمان أواصل رحلتي في «كرانيف»، وأعمل الآن على المجموعة الفنية الثانية، التي أقترب فيها من كلمات رافقت أجيالًا كاملة في لحظات الفرح والحنين والتأمل، وأحاول أن أمنحها حضورًا بصريًا جديدًا من خلال الخط والرسم، مع الحفاظ على روحها ووقعها الأول، وهي مجموعة أحتفظ بتفاصيلها إلى حين الكشف عنها قريبًا.

وأتمنى أن يجد فيها المتلقي ما يشبهه؛ أن يستعيد فيها صوتًا يعرفه، أو يكتشف للمرة الأولى كلمة تعبّر عمّا يسكنه، وأكثر ما أتطلع إليه هو أن أسمع القصص التي توقظها هذه الأعمال لدى من يراها؛ ففي هذا اللقاء بين تجربتي الفنية وتجربة المتلقي، أشعر أن الفن يواصل حياته، وأن شيئًا منّا سيبقى ويصل إلى الآخرين.

وشاح بشر النخل بفلاح جديد
وشاح بشر النخل بفلاح جديد