هل ما زال السدو قادرًا على إدهاشنا؟ الفنانة السعودية عبير الخليفة تجيب لـ"هي" عن تجاوز الزخرفة إلى هندسة المعنى

هل ما زال السدو قادرًا على إدهاشنا؟ الفنانة السعودية عبير الخليفة تجيب لـ"هي" عن تجاوز الزخرفة إلى هندسة المعنى

24 يونيو 2026

تحول السدو من حرفة نسيج يدوية إلى واحدة من أكثر المفردات البصرية حضورًا في المشهد الإبداعي السعودي. فمن الأزياء والتصميم إلى العمارة والفنون المعاصرة، تتكرر مفرداته بأشكال متعددة تعكس الاهتمام المتزايد بالتراث المحلي. 

لكن مع كثافة حضور السدو في المشهد الإبداعي اليوم، تبرز الحاجة إلى البحث عن مقاربات جديدة تتجاوز استنساخ الأنماط والرموز المعروفة. فكيف يمكن للفنان أن يفتح مساحات جديدة للتجريب داخل هذا الإرث البصري الثري؟

بالنسبة للفنانة عبير الخليفة، يبدأ الجواب من النظر إلى السدو بوصفه نظام بصري متكامل، لا مجرد نمط زخرفي مألوف. في عملها الأخير بالتعاون مع Desert Rock، قدمت الخليفة مقاربة تستلهم البنية الهندسية للسدو وتعيد توظيفها ضمن تجربة تركيبية معاصرة.

وفي حديثها مع "هي"، تتناول الخليفة علاقتها بالسدو، وإمكاناته داخل الفنون المعاصرة، والفرق بين استلهام التراث وإعادة إنتاجه، وكيف يمكن لمفردة بصرية عريقة أن تواصل إنتاج معانٍ وأشكال جديدة.

عبير الخليفة
من أعمال الفنانة عبير الخليفة السدو 

السدو خارج القالب المألوف

مع اتساع حضور السدو في المشاريع الإبداعية المختلفة، تتفاوت طرق استحضاره بين من يتعامل معه بوصفه رمزًا بصريًا جاهزًا، ومن يحاول البحث في الطبقات الأعمق التي شكّلت هويته عبر الزمن. أما الفنانة عبير الخليفة تقول: "لا أرى أن المشكلة تكمن في انتشار السدو بحد ذاته، بل في طريقة التعامل معه. عندما يُستخدم السدو بوصفه زخرفة جاهزة أو رمزًا بصريًا مستهلكًا، فإنه يفقد الكثير من عمقه الثقافي والإنساني.

وتكمل الحديث:" أما حين نتعامل معه كمصدر للأفكار والبنى والعلاقات البصرية، فإنه يظل قادرًا على إنتاج قراءات جديدة باستمرار. بالنسبة لي، يبدأ التجديد من فهم جوهر السدو وليس شكله الخارجي فقط؛ من فهم الإيقاع، والتكرار، والبناء الهندسي، والعلاقة بين الإنسان والبيئة التي أنتجته."

من فهم البنية إلى بناء تجربة جديدة

هذا الاهتمام بالبنية الداخلية للسدو انعكس على مسار أعمالها الفنية، التي تجاوزت حدود النسيج التقليدي نحو المجسمات والأعمال التركيبية، بحثًا عن طرق جديدة لتجسيد العلاقات البصرية الكامنة داخله. حيث توضح: "ما جذبني هو أنني لم أكن أرى السدو مجرد قطعة منسوجة، بل كنت أرى داخله لغة بصرية كاملة."

وتكمل الحديث:" الخطوط المتقاطعة، التكرارات، الإيقاعات الهندسية، كلها عناصر يمكن أن تنتقل من سطح النسيج إلى الفضاء المحيط بنا. لذلك كان اهتمامي منصبًا على استخراج الفكرة الكامنة خلف السدو وتحويلها إلى كيان ثلاثي الأبعاد يسمح للمتلقي بأن يعيش التجربة بدلاً من أن يكتفي بمشاهدتها."

ديزرت روك
"التحدي الأكبر في الانتقال من النسيج إلى النحت هو الحفاظ الحركة والخفة والمرونة التي يتميز بها السدو، رغم استخدام مواد أكثر صلابة وثباتًا."

تعاون عبير ومنتجع ديزرت روك في البحر الأحمر

في مشروعها الأخير بالتعاون مع منتجع ديزرت روك في البحر الأحمر، نقلت عبير الخليفة مفردات السدو من النسيج التقليدي إلى عمل تركيبي يتفاعل مع المكان والطبيعة المحيطة، مستلهمة بنيته الهندسية ضمن تجربة معاصرة واسعة النطاق.

وتستهل الحديث:" بدأت بدراسة البنية الهندسية للمفردات التقليدية، ثم أعدت تفكيكها وإعادة تركيبها بما يتناسب مع طبيعة المكان وحجمه. كنت أفكر في كيفية انتقال المشاهد داخل العمل، وكيف يمكن للخطوط والأشكال أن تتفاعل مع الضوء والظل والحركة، بحيث يصبح التراث جزءًا من التجربة المكانية لا مجرد عنصر زخرفي فيها."

الطبيعة بوصفها شريك في التكوين

في مشروع يقوم على العلاقة بين العمل ومحيطه، لم يكن المكان مجرد موقع للعرض، بل عنصرًا فاعلًا أسهم في تشكيل ملامح التجربة البصرية منذ مراحلها الأولى. توضح الخليفة: "كان المكان شريكًا أساسيًا في تشكيل العمل. الجبال والصخور فرضت نوعًا من الحوار البصري بين العمل والطبيعة المحيطة. تأثرت كثيرًا بخطوط التضاريس."

وتقول:" وبالإحساس بالامتداد والهدوء الذي تمنحه البيئة الصحراوية. لذلك جاءت الأشكال أكثر انسيابية وتجريدًا، وكأنها تنمو من المكان نفسه أو تستكمل خطوطه الطبيعية، بدلاً من أن تُفرض عليه من الخارج."

التراث كمساحة للاكتشاف

هذه المقاربة تنطلق من التعامل مع التراث بوصفه مساحة مفتوحة للتجريب والتأويل، لا بوصفه مرجعًا ثابتًا يجب نقله كما هو. وتوضح عبير: "إعادة الإنتاج تعني نقل العنصر كما هو تقريبًا، بينما إعادة التأويل تعني الدخول في حوار معه واكتشاف إمكانات جديدة داخله. بالنسبة لي، القيمة الحقيقية تكمن في التأويل، لأنه يسمح للتراث بأن يبقى حيًا ومتجددًا."

عبير الخليفة
"أعتقد أن جوهر السدو يكمن في الطريقة التي يبني بها لغة بصرية انطلقت من احتياجات الحياة اليومية وتحولت مع الزمن إلى منظومة جمالية متكاملة."

ما الذي يبقى عند تغيير الوسيط؟

لكن نقل مفردات السدو من النسيج إلى النحت لا يعني التخلي عن خصائصه الأساسية، بل البحث عن طرق جديدة للحفاظ على إحساسه بالحركة والإيقاع رغم اختلاف المواد المستخدمة.

وعلى ذلك تقول الفنانة الخليفة: "التحدي الأكبر في الانتقال من النسيج إلى النحت هو الحفاظ على الإحساس بالحركة والخفة والمرونة التي يتميز بها السدو، رغم استخدام مواد أكثر صلابة وثباتًا."

الحذف بوصفه أداة إبداعية

وفي سبيل الوصول إلى قراءات جديدة، تصبح عملية الاختيار والاستبعاد جزءًا أساسيًا من الممارسة الفنية، خصوصًا عند التعامل مع عناصر رسختها الذاكرة البصرية بشكل واسع.

تشرح الخليفة: "غالبًا ما أبتعد عن النقل الحرفي للألوان التقليدية أو التكوينات المعروفة بشكلها الكامل. أفضل التركيز على العلاقات الهندسية والإيقاعات البصرية والبنية الداخلية للنمط. ما يهمني هو الجوهر البنائي أكثر من المظهر الخارجي، لذلك أتعمد أحيانًا حذف العناصر الأكثر شهرة حتى أترك مساحة لتجربة جديدة ومستقلة."

ما الذي يبقى بعد كل شيء؟

بعيدًا عن الألوان والرموز والأشكال الأكثر شيوعًا، يبقى للسدو نظامه الخاص الذي يمنحه فرادته ويجعله قابلًا للاستمرار عبر أزمنة ووسائط مختلفة.

تختتم عبير: "يبقى النظام. يبقى الإيقاع. تبقى العلاقة بين الخط والمساحة، وبين الامتلاء والفراغ، وبين التكرار والتحول. أعتقد أن جوهر السدو لا يكمن في ألوانه أو رموزه فقط، بل في الطريقة التي يبني بها لغة بصرية متوازنة انطلقت من احتياجات الحياة اليومية وتحولت مع الزمن إلى منظومة جمالية متكاملة. وهذا ما أحاول البحث عنه واستعادته في أعمالي الفنية."

محررة ثقافية تهتم برصد التحولات الإبداعية في السعودية، وتوثيق التراث والإنجازات الوطنية للمرأة.