خاص لـ"هي": بدر البنوي يتحدث عن معرض "السُفرة" ورحلته الفنية بين جدة وزيورخ وبرشلونة

خاص لـ"هي": بدر البنوي يتحدث عن معرض "السُفرة" ورحلته الفنية بين جدة وزيورخ وبرشلونة

22 يونيو 2026

يشكل الفن مساحة للتعبير عن الذكريات والتجارب الشخصية، كما يتيح للفنانين إعادة اكتشاف تفاصيل الحياة اليومية وتحويلها إلى أعمال تحمل أبعادًا إنسانية وثقافية متعددة. ومن خلال المزج بين الخيال والواقع، تنشأ أعمال فنية تعكس رؤية أصحابها للعالم وتفتح أبوابًا متعددة للمعنى والحوار.

لوحة “مغروم” للفنان السعودي بدر البنوي
لوحة “مغروم” للفنان السعودي بدر البنوي

ويقدم الفنان السعودي بدر البنوي في معرضه الفردي "السُفرة" مجموعة من الأعمال التي تستكشف موضوعات التجمع والذاكرة والطعام باعتبارها عناصر أساسية في التجربة الإنسانية

وتأتي هذه الأعمال امتدادًا لرحلة فنية بدأت منذ سن مبكرة، إذ تعلم الرسم على يد والدته التي شكل الفن معها لغة خاصة تجمع بينهما. كما عاش بين جدة ولوغانو وزيورخ وبرشلونة، وهي مدن تركت بصمتها على رؤيته الفنية والشخصية.

الفنان السعودي بدر البنوي أثناء العمل على لوحة “Fawzia’s Balcony”
الفنان السعودي بدر البنوي أثناء العمل على لوحة “Fawzia’s Balcony”

وتعود إحدى المحطات المفصلية في مسيرته إلى سن الخامسة عشرة، حين قرر إنجاز عمل فني كبير يحمل معنى خاصًا بالنسبة له. وبعد أيام من العمل على لوحة استخدم فيها اللونين البنفسجي والأبيض إلى جانب الأسود، وُلدت لوحة "الرجل العجوز بالبنفسجي"، التي شكلت بداية حقيقية لعلاقته الجادة بالفن.

وحتى اليوم، لا يزال البنوي يتبع النهج نفسه في أعماله؛ يبدأ من فكرة أو رؤية واضحة ثم يطوّرها بعناية، مؤمنًا بأن كل تفصيل داخل العمل الفني يجب أن يكون مقصودًا ومدروسًا.

وفي لقاء خاص مع "هي"، يتحدث بدر عن معرضه "السُفرة"، ومصادر إلهامه، وتأثير المدن التي عاش فيها على رؤيته للعالم، إلى جانب فلسفته الإبداعية وعلاقته بالذاكرة والطعام وتفاصيل الحياة اليومية التي تتحول في أعماله إلى قصص بصرية نابضة بالحياة.

الفنان السعودي بدر البنوي في أول معرض فردي له بمدينة جدة بعنوان “السُفرة”
الفنان السعودي بدر البنوي في أول معرض فردي له بمدينة جدة بعنوان “السُفرة”
  • كيف ساهمت التجارب التي عشتها بين مدن وثقافات مختلفة في تشكيل رؤيتك الإبداعية؟

لكل مدينة طاقتها وشخصيتها الخاصة. علّمتني جدة أن أجد الجمال في الأماكن الخفية. أما جبال سويسرا فمن المستحيل التقاطها كما هي، لكن متعة السعي وراء ذلك لا تُضاهى. وبرشلونة عمل فني حي؛ أرصفتها لوحات، ومبانيها منحوتات، وسماؤها أغنيات. كل شخص يصنع المدينة، وكل مدينة تترك أثرها في الشخص.

  • كيف تشعر وأنت تقدم هذه الأعمال في أول معرض فردي لك في مدينتك جدة؟

أشعر بسعادة كبيرة لرؤية هذه الأعمال تعود إلى جدة، المدينة التي بدأت فيها رحلتي. كان من الجميل أن يجتمع الأصدقاء والعائلة حولها، وأن أرى الأعمال من منظورهم وأستمع إلى تفسيراتهم ومشاعرهم تجاهها. أشعر بامتنان كبير لهذه اللحظة، وهي تمنحني حافزًا للاستمرار في الرسم وتقديم المزيد من الأعمال. إنها بالفعل نعمة حقيقية.

لوحة “Fawzia’s Balcony” للفنان السعودي بدر البنوي
لوحة “Fawzia’s Balcony” للفنان السعودي بدر البنوي
  • لماذا اخترت "السُفرة" عنوانًا لهذا المعرض؟ وماذا تمثل لك شخصيًا؟

كانت الفكرة من شقيقتي أروى، التي قادت التوجه الإبداعي للمعرض. كان من المثير للاهتمام إدخال مفهوم التجمع والطعام إلى مساحة فنية، وقد رأت أروى هذا الرابط ونجحت في تحويله إلى واقع.

فالطعام يجمع الناس، والثقافة تعيش من خلال الوصفات. نحتفل بأعياد الميلاد بالكعك، وبالمناسبات الخاصة بوجبات معينة، ويوم الجمعة في المنزل يرتبط دائمًا بالسمك المقلي. وعندما يمر أحدنا بوقت صعب، تبادر والدته بإعداد طبقه المفضل. هذه الطقوس الاجتماعية البسيطة تحمل الكثير من المعاني.

بالنسبة لي، الطعام احتفاء بالحياة، أما السُفرة فهي المسرح الذي تدور عليه هذه الاحتفالات. أردنا أن يشعر الزوار بالدفء والبهجة داخل المعرض، وأعتقد أننا نجحنا في تحقيق ذلك بالتعاون مع شقيقتي أروى البنوي، ومريم جيلوات بنارويا، مؤسسة منصة "Meems"، ووكيلة أعمالي والقيمة الفنية لمعرض "السُفرة" في حي جميل بجدة.

لوحة “Still” للفنان السعودي بدر البنوي
لوحة “Still” للفنان السعودي بدر البنوي
  • يتناول المعرض موضوعات التجمع والذاكرة، كيف انعكست هذه الأفكار في الأعمال المعروضة؟

كانت السُفرة دائمًا هي المحور الأساسي الذي انطلقت منه الأعمال، لذلك كان من الطبيعي أن تحضر موضوعات الطعام والمذاق والروائح في العديد من القطع. ومن هناك تطورت الأعمال لتشمل المناظر الطبيعية والشخصيات البشرية بشكل تلقائي. ففي النهاية، ما قيمة مائدة الطعام من دون إطلالة جميلة؟ وما معنى العشاء من دون أشخاص نتشاركه معهم؟

  • من أين تستمد إلهامك؟

من الناس والقصص والأحلام. وأحيانًا من الرؤى. قد أكون في نزهة بعد الظهر فتأتي لوحة إلى ذهني، وكأنها نداء يطلب أن يُنجز. القاعدة بسيطة: إذا جذبك شيء ما، فارسمه. لا أسأل عمّا يعنيه في تلك اللحظة، بل أنقله أولًا من رأسي إلى اللوحة.

كما أضع لنفسي تحديات. هل يمكنني اختصار مشاهدي المفضلة من إحدى روايات دوستويفسكي في لوحة واحدة؟ كيف قد تبدو غرفة من رواية "غاتسبي العظيم"؟ ماذا لو كانت باقة من الورود الحمراء زرقاء؟ وهل أستطيع أن أجعلها تبدو سعيدة أو حائرة أو حزينة؟

وعندما لا تجد الإلهام، اصنع الإلهام بنفسك.

لوحة “اللعبة” للفنان السعودي بدر البنوي
لوحة “اللعبة” للفنان السعودي بدر البنوي
  • كيف تبدأ عمليتك الإبداعية عادةً؟

تبدأ عمليتي الإبداعية من علم الأحياء وتنتهي بعلم النفس. يجب أن يكون الجسد مستعدًا أولًا. أبدأ بقهوتي المفضلة، وأحرص على الترطيب، وأمنح نفسي الوقت لأتفاعل مع اليوم. أشعر أن المعدة شبه الفارغة تساعد على الإبداع، بينما تكون المعدة الممتلئة أفضل للتنفيذ. لا يوجد استعجال.

عندما أشعر بالراحة الجسدية، أبدأ من دون خطة أو هدف سوى الاستمتاع بالعملية نفسها. لنفترض أن أمامي لوحة بيضاء؛ سأرسم سماءً أولًا. هل ستكون عاصفة أم غروبًا؟ يظهر مزاج معين. ثم أفكر: ماذا يوجد تحتها؟ صحراء، أو سهول واسعة بلون البيج، أو قافلة. ماذا تحمل؟ وما الذي يطاردها؟ ربما نمر بنفسجي.

ليس من الضروري أن يكون كل شيء منطقيًا. المهم أن يُنفّذ بالشكل الذي يرضيك وأن ينبع من داخلك. تخلَّ عن التوقعات، واسمح لكل فكرة أن تأخذ مساحتها، واستمتع بالطريق. هناك تحديدًا تولد أفضل الأفكار.

لوحة “عصقور عند الغروب” للفنان السعودي بدر البنوي
لوحة “عصقور عند الغروب” للفنان السعودي بدر البنوي
  • هل هناك ألوان أو خامات أو عناصر بصرية أصبحت جزءًا مميزًا من أعمالك؟

أحب اللون الأزرق بكل درجاته، وأحب الأنوف الكبيرة. كما أحب المفارقات والتباين. هل يمكن أن تكون الطاولة في الوقت نفسه قبوًا لغرفة أخرى؟ وهل يمكن أن يتحول الجدار إلى مسبح؟

في إحدى أعمالي بعنوان "Warmth"، جعلت الكثبان الرملية بطابقين، وهو أمر مستحيل من الناحية الفيزيائية، ومع ذلك لم يشكك أحد فيه، لأنه بدا صحيحًا بطريقة ما.

أما خامتي المفضلة فهي الألوان الزيتية. أحب أن تمتد اللوحة إلى الإطار وما بعد حدود القماش، وأن أبني طبقات سميكة وغنية بالملمس.

  • ما الشيء الذي تعتقد أن الناس غالبًا ما يغفلون ملاحظته في أعمالك وتتمنى أن ينتبهوا إليه أكثر؟

أعتقد أن كل شخص يرى ما يدفعه عقله إلى رؤيته، ويرى ما يهمه هو تحديدًا. وأحيانًا يلاحظ الناس أمورًا لا أراها أنا نفسي. وبمجرد اكتمال العمل الفني، لم يعد ملكًا لي.

لوحة “بجانبك” للفنان السعودي بدر البنوي
لوحة “بجانبك” للفنان السعودي بدر البنوي
  • لو كان بإمكان أعمالك أن تحفظ ذكرى واحدة إلى الأبد، فما الذكرى التي تود الاحتفاظ بها؟

أتمنى أن تحتفظ أعمالي بذكرى تقدير اللحظات البسيطة في الحياة؛ أن تفتح عينيك على الجمال الموجود أمامك، وأن تستمتع بهبة الحياة، وأن ترى الدهشة في فنجان القهوة الذي بين يديك. اشكر النادل عندما يحضر لك الحساء، واصنع شطيرة واجعلها لذيذة قدر الإمكان.