خاص لـ“هي”: سارة الأنصاري توثق ذاكرة الرياض المعمارية من خلال Riyadh Documented
في مدينة تتغير ملامحها بوتيرة متسارعة مثل الرياض، تصبح الذاكرة الحضرية مساحة هشة، مهددة بالاختفاء بقدر ما هي حاضرة في تفاصيلها اليومية. بين الأحياء القديمة، والبيوت التي لم تعد موجودة، تختار سارة الأنصاري أن تتوقف عند ما يتبقى لا لتوثيقه فقط، بل لقراءته بصريًا.
تعمل سارة الأنصاري في التصوير الفوتوغرافي، وتركّز في مشروعها Riyadh Documented على توثيق الأحياء القديمة والمباني التاريخية في الرياض بوصفها جزءًا من ذاكرة المدينة. في هذا الحوار، تتحدث عن علاقتها بالمكان، وعن الصورة كوسيلة لالتقاط ما يتجاوز التوثيق إلى قراءة أعمق للذاكرة الحضرية.

ذاكرة بدأت قبل الصورة
تعود بداية هذا المشروع إلى ذاكرة شخصية تشكلت قبل الكاميرا بسنوات، حيث تقول: "من أجمل ذكريات طفولتي عندما كنت أذهب مع عائلتي في جولات في أحياء الرياض القديمة لنرى البيوت والأحياء التي كانوا يعيشون فيها، وكنت أستمتع بهذه الرحلات وأتطلع إليها بشوق".
هذا الارتباط المبكر بالمكان ظل حاضرًا، قبل أن يتحول إلى ممارسة فعلية، إذ تضيف: "منذ أن بدأت ممارسة التصوير الفوتوغرافي وأنا أرغب في توثيق الأحياء القديمة في الرياض، لكنني لم أبدأ هذا المشروع فعليًا إلا في عام 2020".
ما وراء العمارة
لا تقتصر صور الأنصاري على تسجيل العمارة بوصفها شكلًا، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة التقاط ما تحمله هذه الأماكن من إحساس وذاكرة. تقول: "بالإضافة إلى توثيق العمارة، فإن هذا المشروع يبرز روح الأحياء القديمة وطابعها المميز وهويتها الفريدة"، مشيرة إلى أن هذه الصور "تحكي مشاعر وذكريات تاريخية وتنوعًا ثقافيًا يعكس روحها الحقيقية".

رغم أن المشروع يشكل أرشيف بصري للمدينة، إلا أن الأنصاري ترى في الصورة أكثر من مجرد أداة توثيق، حيث توضح: "أؤمن بقدرة التصوير على إبراز روح المكان ومشاعره. بالنسبة لي هذا المشروع وسيلة للتعبير عن مشاعر الحنين والارتباط التي أشعر بها تجاه أحياء الرياض القديمة، والتي تبدو مألوفة لي رغم أنني لم أسكن في أي منها".
تفاصيل لا تُلاحظ
من خلال عدستها، تلتقط الأنصاري تفاصيل قد تمر دون انتباه، لكنها تحمل دلالات عميقة عن حياة المدينة. تقول: "الرياض مدينة ذات عمق تاريخي كبير، وقد شهدت تحولات عمرانية عديدة شكلت ملامحها الحالية". وتشير إلى أن هذه التحولات يمكن قراءتها عبر التفاصيل الدقيقة: "واجهات المحلات، اللافتات المكتوبة بخط اليد، أو بيوت الطين المتلاصقة التي تعكس حميمية الحياة اليومية وروابط الجيرة". وتضيف: "من خلال هذه التفاصيل تُروى حكايات مجتمع كان يعيش بنمط مختلف، لكنه يظل حاضرًا في ذاكرة المكان".
حفظ ما سيصبح ذاكرة
ترى الأنصاري أن توثيق هذه التحولات لا يقتصر على الماضي، بل يشمل الحاضر أيضًا، إذ تقول: "إحدى دلائل المجتمعات النابضة بالحياة هي التطور والتقدم المستمر، وأعتقد أنه من المهم توثيق كل حقبة زمنية بما في ذلك عصرنا الحالي". وتضيف أن هذا التوثيق "سيشكل مرجعًا للأجيال القادمة ليروا كيف كانت الحياة سابقًا".

التغيير كجزء من المشهد
في عاصمة تشهد تتغيرات مستمرة، لا تنظر الأنصاري إلى هذا التحول كفقدان بقدر ما تراه جزءًا من دورة الحياة. تقول: "التغيير جزء لا يتجزأ من الحياة، وأنا ممتنة جدًا لوجود جهود تُبذل للحفاظ على الأماكن التراثية في الرياض". ومع ذلك، تظل حريصة على التوثيق، مضيفة: "أحرص على تصويرها قبل وبعد ترميمها، إذ يعد ذلك توثيقًا بصريًا لتطورها".
ما بعد التوثيق
لا يتوقف المشروع عند ما تم إنجازه، بل يفتح المجال لتساؤلات أوسع حول علاقة الإنسان بالمكان. تقول: "من خلال هذا المشروع، استكشفت العديد من الأماكن في الرياض مما ولد لدي الكثير من الأفكار لمشاريع جديدة"، مشيرة إلى اهتمامها المستقبلي "بدراسة مفهوم الذاكرة الجماعية للمكان بشكل أعمق، بالإضافة إلى توثيق ذكريات الناس وفهم كيف تشكل تجاربهم الشخصية ذاكرة المكان وهويته عبر الزمن".
جميع الصور تعود ملكيتها إلى Riyadh Documented