حين تفتح الأرض أسرارها… مغامرات استثنائية في كهوف السعودية وأنفاقها البركانية

حين تفتح الأرض أسرارها… مغامرات استثنائية في كهوف السعودية وأنفاقها البركانية

ليست كل المغامرات في السعودية فوق قمم الجبال أو بين الكثبان الممتدة بلا نهاية. أحيانًا تبدأ الرحلة الحقيقية عندما نترك ضوء الشمس خلفنا، وننزل إلى عوالم تشكلت بصمت على مدى آلاف وربما ملايين السنين. تحت سطح المملكة تمتد كهوف ودحول وأنفاق بركانية تحمل قصصًا جيولوجية وإنسانية مدهشة، وتكشف وجهًا مختلفًا تمامًا للسعودية؛ وجهًا أكثر غموضًا، وأكثر إثارة، وأقرب إلى رحلات الاكتشاف منه إلى السياحة التقليدية.

كل بقعة من بقاع المملكة تقدم لعشاق المغامرة تجارب مختلفة
كل بقعة من بقاع المملكة تقدم لعشاق المغامرة تجارب مختلفة

وتحظى المملكة بثروة كبيرة من هذه التكوينات الطبيعية، إذ سبق توثيق نحو 1826 كهفًا ودحلًا موزعة على 12 منطقة، بينها مواقع ذات قيمة علمية وسياحية لافتة، حتى إن الخبراء يصفون الطبيعة السعودية بأنها أشبه بـ«متحف جيولوجي مفتوح» تتجاور فيه الصخور البركانية والكهوف الجيرية والتكوينات التي حفظت آثار تحولات الأرض والمناخ عبر عصور طويلة.

كهف أم جرسان

في حرة خيبر شمال منطقة المدينة المنورة، يختبئ أحد أكثر المواقع الطبيعية إثارة في المملكة: كهف أم جرسان، وهو قناة أنبوبية بركانية ضخمة تكونت عندما تدفقت الحمم البركانية ثم برد سطحها بينما استمرت الحمم في الحركة من الداخل، تاركة وراءها نفقًا هائلًا يشق باطن الأرض.

كهف أم جرسان
كهف أم جرسان ومتعة المغامرة

يمتد النظام المعروف لأم جرسان لنحو 1350 مترًا وفق أحدث البيانات الرسمية المنشورة، ويصل ارتفاعه في بعض المواضع إلى نحو 12 مترًا، فيما يقترب عرضه من 45 مترًا، ليصبح المشي داخله تجربة تتبدل فيها المقاييس تمامًا؛ سقوف من البازلت الأسود، ممرات واسعة وأخرى تضيق فجأة، وفتحات يتسلل منها الضوء فيرسم مشاهد تكاد تبدو سينمائية.

لكن قيمة أم جرسان لا تكمن في تكوينه البركاني وحده. فقد كشفت دراسات أثرية حديثة عن دلائل لاستخدام البشر للكهف منذ ما بين سبعة وعشرة آلاف عام، إلى جانب بقايا عظمية وأدوات حجرية وآثار مرتبطة بجماعات رعوية عاشت أو مرت بالمكان عبر فترات مختلفة. وهكذا تتحول الرحلة داخله من مغامرة جيولوجية إلى مواجهة شبه مباشرة مع طبقات من التاريخ الإنساني القديم.

مدخل كهف أم جرسان وقصة مغامرة تبدأ حكايتها من هنا
مدخل كهف أم جرسان وقصة مغامرة تبدأ حكايتها من هنا 

وفي الخارج، تكتمل الصورة بمشهد حرة خيبر نفسها، حيث تحيط بالمنطقة فوهات وجبال بركانية داكنة، من بينها جبل القدر والأبيض والبيضاء، ليبدو المكان وكأنه صفحة مفتوحة من تاريخ البراكين في الجزيرة العربية.

كهف هيت

وعلى مسافة أقرب إلى الرياض، تظهر مغامرة مختلفة تمامًا في كهف هيت جنوب شرقي العاصمة بالقرب من محافظة الخرج.

من الخارج لا يكشف المكان سريعًا عن سره. فتحة صخرية تقود تدريجيًا إلى الداخل، قبل أن يبدأ المشهد في التحول إلى عالم من الصخور الجيرية والأنهيدريت التي صاغتها العمليات الطبيعية عبر ملايين السنين. وفي أعماقه يوجد أحد أكثر عناصره إثارة: مياه جوفية داخل الكهف، إذ يشير الموقع الرسمي للسياحة السعودية إلى وجود بئر طبيعية بعمق يقارب 15 مترًا، بينما وصل مستكشفو الكهوف المحترفون إلى بحيرة داخلية تقع على عمق يقارب 120 مترًا تحت السطح.

كهف هيت
كهف هيت

وهنا تختلف المغامرة عن أم جرسان؛ فالأول يحكي قصة النار والحمم، بينما يأخذ هيت زائره إلى عالم تشكل بفعل الصخور والمياه والذوبان والتصدعات. التضاد بين الصحراء القاسية في الخارج والماء المختبئ في الأعماق هو تحديدًا ما يمنح المكان سحره.

كما أُدرج كهف هيت بين أبرز المواقع السياحية والتعليمية في منطقة الرياض، ليصبح واحدًا من الأماكن التي تجمع بين الاستكشاف والطبيعة والفضول العلمي في تجربة واحدة.

ومن أكثر ما يجعل عالم الكهوف السعودية مثيرًا أن كلمة «كهف» لا تكفي لوصف كل ما يختبئ تحت الأرض.

كهوف المملكة تقدم لعشاق المغامرة تجارب فريدة
كهوف المملكة تقدم لعشاق المغامرة تجارب فريدة

في التراث المحلي تُعرف بعض الفجوات باسم الدحول، وهي تجاويف تقع تحت سطح الأرض وقد تتسع في الداخل بعد فتحة ضيقة نسبيًا. وترتبط بعض الدحول بالمياه الجوفية، بينما تشكل بعضها الآخر بفعل إذابة المياه للصخور الجيرية والجبسية خلال فترات مناخية أكثر رطوبة مرت بها شبه الجزيرة العربية قديمًا.

وهذا يعني أن الانتقال من كهف إلى آخر ليس مجرد تغيير للموقع، بل انتقال بين قصص جيولوجية مختلفة بالكامل: هنا حمم متجمدة، وهناك حجر جيري نحتته المياه، وفي مكان آخر فجوة عميقة تخفي في قاعها مصدرًا مائيًا أو نظامًا بيئيًا صغيرًا لا يصل إليه الضوء إلا نادرًا.

سحر هذه المواقع لا يعني أنها جميعًا أماكن يمكن دخولها بطريقة عفوية. فبعض الكهوف والدحول يتميز بمداخل رأسية أو أرضيات غير مستقرة أو ممرات معقدة، كما قد تختلف درجات الحرارة ونسب الرطوبة بشكل واضح داخلها، فضلًا عن إمكانية وجود مياه أو حياة برية في بعض المواقع.

الكهوف البحرية في السعودية تضمن لكم مغامرات استثنائية
الكهوف البحرية في السعودية تضمن لكم مغامرات استثنائية 

ولذلك تختلف تجربة استكشاف الكهوف تمامًا عن نزهة جبلية عادية؛ فهي مغامرة تتطلب معرفة طبيعة الموقع مسبقًا، واختيار الأماكن المهيأة أو الاستعانة بجهات ومتخصصين عندما يكون المسار تقنيًا أو عميقًا. وربما يكمن جزء من جاذبيتها في هذا الشعور نفسه: أنك لا تدخل مجرد وجهة سياحية، بل بيئة طبيعية لها قوانينها الخاصة.

اعتدنا أن نختصر طبيعة السعودية في مساحات شاسعة نراها أمامنا: صحراء، بحر، جبل أو وادٍ. لكن الكهوف تقلب هذه الصورة رأسًا على عقب؛ فبعض أجمل المشاهد وأكثرها غرابة لا يمكن رؤيتها من الطريق أصلًا.

هناك، في الظلام تحت الأرض، تختفي الضوضاء وتتغير درجة الحرارة ويتحول الضوء القادم من فتحة بعيدة إلى جزء من المشهد. وفجأة يصبح الصخر الأسود دليلًا على نار قديمة، وتصبح قطعة عظم أو أداة حجرية إشارة إلى إنسان عبر المكان قبل آلاف السنين، ويصبح الماء الذي يظهر في قلب الصحراء تذكيرًا بأن الأرض تحت أقدامنا أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه.

ولهذا ربما تكون أجمل مغامرات السعودية المقبلة ليست في البحث عن مكان أعلى أو شاطئ أبعد، وإنما في الاتجاه المعاكس تمامًا… إلى الأسفل، حيث ما زالت الأرض تحتفظ بكثير من أسرارها.

كهف أم جرسان  واحد من أجمل الكهوف في المملكة
كهف أم جرسان  واحد من أجمل الكهوف في المملكة

مصدر الصور: روح السعودية

محرر وصحفي متخصص في المواضيع الخاصة بالسعودية والإمارات خصوصًا في مجالات السياحة والترفيه وتغطية آخر الأخبار والاتجاهات.