من القدية إلى البحر الأحمر.. مشاريع سعودية عملاقة تعيد رسم مستقبل السياحة العالمية
قبل أعوام قليلة فقط، كان الحديث عن السياحة في السعودية يرتبط غالبًا بمدنها الرئيسية ومواقعها التاريخية ورحلاتها الدينية، إلى جانب كنوز طبيعية يعرفها أبناء المنطقة أكثر مما يعرفها المسافر العالمي. أما اليوم، فقد تبدل المشهد بصورة لافتة. لم تعد المملكة تقدم نفسها باعتبارها وجهة واحدة، بل مجموعة من العوالم المختلفة التي يمكن للمسافر أن يختار بينها وفق مزاجه وشغفه وطريقته في الاستمتاع بالإجازة.
فمن مدينة تُبنى حول مفهوم اللعب والترفيه، إلى عاصمة تاريخية تستعيد ملامحها الثقافية، ومن واحة أثرية تتعامل مع الزمن باعتباره جزءًا من تجربة السفر، إلى جزر ومنتجعات تعيد تعريف الفخامة الساحلية، وصولًا إلى وجهة تجعل العافية محور الرحلة كلها؛ تتشكل أمامنا خريطة سياحية سعودية جديدة يصعب اختصارها في نوع واحد من السفر.
وتأتي هذه المشروعات في وقت يشهد فيه القطاع السياحي السعودي توسعًا واضحًا. فقد سجلت المملكة نحو 123 مليون سائح محلي ووافد خلال عام 2025، بينهم 29.3 مليون سائح قادم من الخارج، فيما بلغ الإنفاق السياحي نحو 304 مليارات ريال. وبعد تحقيق مستهدف 100 مليون زائر قبل الموعد المحدد، ارتفع الطموح إلى 150 مليون زائر سنويًا بحلول 2030.
لكن الأرقام وحدها لا تروي الحكاية. الأكثر إثارة للاهتمام هو نوع التجارب التي تُبنى خلفها، وكيف تحاول كل وجهة أن تمنح المسافر سببًا مختلفًا تمامًا لحجز تذكرته إلى السعودية.

القدية.. حين يتحول اللعب إلى أسلوب حياة وسبب للسفر
قد تبدو كلمة «اللعب» بسيطة أمام حجم مدينة كاملة، لكن مدينة القدية اختارتها لتكون أساسًا لفلسفتها.
تقع المدينة على مسافة نحو 45 كيلومترًا من وسط الرياض، وتمتد على أكثر من 360 كيلومترًا مربعًا، وتضم أكثر من 20 منطقة. وهي لا تُصمم باعتبارها منتزهًا ضخمًا يزوره الناس لساعات ثم يعودون إلى العاصمة، بل كمدينة متكاملة يمكن العيش والعمل والتسوق والترفيه داخلها.
وهنا تبدأ جاذبيتها السياحية الحقيقية.
فالمسافر الذي يأتي من أجل الألعاب سيجد عالمًا مختلفًا عن الزائر الذي يحضر بطولة رياضية، بينما قد يأتي آخر خصيصًا من أجل الأنمي أو الألعاب الإلكترونية أو رياضة المحركات. ومع اكتمال المدينة، تتحدث خططها عن مئات مناطق الجذب والعشرات من المنشآت الرياضية ومساحات فنية وثقافية واسعة.
وفي قلب هذا العالم تقع Six Flags Qiddiya City، التي تضم 28 لعبة وتجربة، بينها خمس تجارب مصممة لتحقيق أرقام قياسية، وعلى رأسها أفعوانية Falcons Flight. وإلى جوارها تأتي أكواريبيا، وهي مدينة ألعاب مائية تضم 22 لعبة وتجربة موزعة على ثماني مناطق. وقد دخلت الوجهتان مرحلة التشغيل بالفعل ضمن التوسع الجاري في المدينة.
لكن القدية لا تكتفي بالعائلات أو الباحثين عن الأدرينالين.

هناك أيضًا حي كامل للألعاب والرياضات الإلكترونية، إلى جانب المشروعات الرياضية الكبرى والمضمار المخصص لرياضات المحركات ومرافق الفنون والعروض. وهذا التنوع يكشف شيئًا مهمًا عن الطريقة التي تتغير بها السياحة عالميًا: لم يعد الناس يسافرون من أجل المكان فقط، بل من أجل اهتماماتهم الشخصية.
قد يسافر شخص إلى بلد لمجرد حضور سباق. وقد يحجز شاب رحلة طويلة من أجل بطولة ألعاب إلكترونية. وقد تختار عائلة وجهتها لأن أطفالها يريدون زيارة متنزه بعينه.
من هنا تبدو القدية أقل شبهًا بمدينة ألعاب وأكثر قربًا إلى مدينة صُممت لتحويل الشغف إلى تجربة سفر كاملة.
وهذا ربما أحد أكبر تحولات صناعة السياحة الحديثة؛ فالوجهة لم تعد تسأل فقط «ماذا نملك؟»، وإنما «ما الذي يحبه الناس إلى درجة تجعلهم يسافرون من أجله؟».
الدرعية.. حين تصبح جذور المملكة جزءًا من تجربة الضيافة
إذا كانت القدية تبني عالمها حول المستقبل واللعب، فإن الدرعية تنطلق من نقطة مختلفة تمامًا: التاريخ.
فهنا لا تحتاج الوجهة إلى صناعة قصة جديدة. القصة موجودة بالفعل في حي الطريف، وفي العمارة النجدية، وفي المكان الذي ارتبط ببدايات الدولة السعودية الأولى.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي ليس جذب الزائر إلى موقع تاريخي، بل جعله يبقى ويعيش المكان بطريقة تتجاوز الجولة التقليدية بين المعالم.

ويجري تطوير الدرعية على مساحة تبلغ نحو 14 كيلومترًا مربعًا، مع استهداف أكثر من 50 مليون زيارة سنويًا بحلول 2030، ضمن مشروع يجمع التاريخ بالضيافة والثقافة والتسوق والطعام والمساحات العامة.
وهنا تتغير فكرة «السياحة التاريخية».
يمكن أن يبدأ اليوم في حي الطريف، ثم يمتد إلى مطل البجيري لتناول الغداء أو العشاء، وبعدها إلى تجربة ثقافية أو فنية أو فندق يستلهم في تفاصيله لغة المكان.
الهدف ليس وضع التاريخ خلف واجهة زجاجية، بل دمجه في إيقاع الحياة المعاصرة.
وهذا أمر بالغ الأهمية في عالم السياحة الفاخرة اليوم. فالمسافر لم يعد يبحث بالضرورة عن الرخام نفسه والخدمة نفسها والغرفة نفسها أينما ذهب. على العكس، هناك اهتمام متزايد بتجربة تحمل شخصية المكان وتمنحه إحساسًا واضحًا بأنه موجود في الرياض أو الدرعية، وليس داخل فندق يمكن نسخه في أي مدينة أخرى.
وهنا تمتلك الدرعية ميزة يصعب تصنيعها.

فالطين، والألوان، والعمارة، والممرات، والطعام، والقصة التاريخية، كلها تمنحها هوية بصرية وثقافية شديدة الوضوح.
والتوسع الجاري يضيف إلى هذه الهوية طبقة جديدة من الفنادق والمطاعم والمتاحف والمساحات الثقافية، بينما يجري بالتوازي تطوير بنية أكثر ذكاءً للمدينة تشمل عشرات الخدمات الرقمية ضمن المخطط الرئيسي.
ولذلك قد تصبح الدرعية واحدة من أهم نماذج السياحة السعودية التي تختبر سؤالًا دقيقًا: كيف يمكن تقديم الفخامة من دون أن تمحو ملامح المكان الذي جاءت إليه؟
إذا نجحت الإجابة، فلن يذهب المسافر إلى الدرعية فقط لكي «يشاهد التاريخ»، بل لكي يقيم داخله بطريقة معاصرة.

العلا.. حين تصبح المساحة والهدوء جزءًا من الرفاهية
ثم تأتي العلا لتقدم مفهومًا مختلفًا تمامًا للرحلة.
هنا لا تشعر أن المكان يطالبك بإنجاز قائمة طويلة من الأنشطة. على العكس، تبدو العلا كما لو أنها تطلب منك أن تمنحها الوقت.
الحِجر، ودادان، وجبل عكمة، والواحة، والبلدة القديمة، والتكوينات الطبيعية، كلها تجعل المكان أكبر من محطة تاريخية واحدة.

ولهذا فإن تطوير العلا لا يقوم فقط على بناء فنادق جديدة أو زيادة أعداد الزوار، بل على إعادة تنظيم التجربة حول التراث والطبيعة والبحث والثقافة.
ويشكل مخطط «رحلة عبر الزمن» قلب هذه الرؤية، إذ يمتد عبر خمس مناطق مرتبطة بخمسة مواقع تراثية، مع أكثر من 5000 وحدة ضيافة، وإعادة تأهيل نحو تسعة كيلومترات من الواحة الثقافية، وإضافة ما يصل إلى عشرة ملايين متر مربع من المساحات الخضراء والعامة ضمن مراحل التطوير حتى 2035.
لكن الأرقام هنا ليست أكثر ما يلفت الانتباه.
الأجمل هو أن الفراغ نفسه أصبح جزءًا من المنتج السياحي.
في وجهات كثيرة حول العالم، تقاس قيمة المشروع بعدد المباني والمنشآت التي يمكن وضعها في المكان. أما العلا فتطرح نموذجًا آخر: ربما تكون إحدى أكبر علامات الرفاهية في المستقبل هي أن يكون لديك مساحة، وصمت، وسماء مفتوحة، وإحساس بأن المكان لم يُملأ أكثر مما ينبغي.
ولهذا اتسعت هوية العلا خلال السنوات الأخيرة لتتجاوز السياحة الأثرية. فهناك الفنون، والمهرجانات، والموسيقى، وتجارب مراقبة النجوم، والعافية، والطعام، والرياضة، والفن المعاصر.

وقد أصبح بالإمكان قضاء عدة أيام في العلا من دون أن تبدو الرحلة مكررة: صباح بين المواقع التاريخية، وبعد الظهر داخل معرض أو مساحة فنية، ثم عشاء في مشهد طبيعي مختلف تمامًا، وليلة تحت سماء مليئة بالنجوم.
هذه القدرة على الجمع بين الثقافة والطبيعة والفخامة والبطء قد تكون واحدة من أقوى أوراق العلا على الساحة الدولية.
فالمسافر المعاصر، خاصة في قطاع الضيافة الراقية، لم يعد دائمًا يريد «المزيد». أحيانًا يريد أقل عدد ممكن من الأشياء حوله، لكن بجودة أعلى وتجربة أكثر ارتباطًا بالمكان.
وهنا تصبح العلا وجهة لا تعتمد على «الجذب» فقط، بل على الإحساس.
قد يأتي الزائر من أجل الحِجر، لكنه يعود وهو يتذكر الصمت.
البحر الأحمر.. جزر جديدة تدخل خريطة الفخامة العالمية
إذا كانت العلا تعيد تعريف علاقة المسافر بالمساحة، فإن وجهة البحر الأحمر تعيد النظر في العلاقة بين الفخامة والطبيعة.
تمتد الوجهة على نحو 28 ألف كيلومتر مربع على الساحل الغربي للمملكة، بين أملج والوجه، وتضم أكثر من 90 جزيرة. لكن اللافت أن التطوير العمراني مخطط له على أقل من 1% من المساحة الإجمالية، في محاولة للحفاظ على النظم الطبيعية المحيطة.
والأهم أن البحر الأحمر لم يعد مجرد وعد مستقبلي.

بدأت الوجهة استقبال ضيوفها بالفعل، وأصبحت أسماء مثل Six Senses Southern Dunes وThe St. Regis Red Sea Resort وNujuma, a Ritz-Carlton Reserve وShebara وDesert Rock جزءًا من المشهد الفندقي الجديد للمملكة.
وهنا تحديدًا تبدأ المنافسة الحقيقية مع أشهر وجهات الجزر والمنتجعات في العالم.
فالزائر الذي يختار منتجعًا فاخرًا على جزيرة لا يقارن التجربة عادةً بالفنادق الموجودة في المدينة المجاورة، بل يقارنها بجزر المالديف وسيشل وموريشيوس ومنتجعات المحيط الهندي والبحر الكاريبي.
وبالتالي فإن البحر الأحمر يدخل سوقًا عالمية شديدة التنافسية.
لكن المشروع يحاول أن يقدم لنفسه شخصية مختلفة عن مجرد «فلل فوق الماء».
فهناك توجه واضح نحو السياحة المتجددة، وليس الاستدامة بمعناها التقليدي فقط. وتستهدف الجهة المطورة تحقيق صافي منفعة بيئية بنسبة 30% في وجهاتها بحلول 2040، فيما تعتمد الوجهة على الطاقة المتجددة عبر منظومة ضخمة تضم نحو 760 ألف لوح شمسي.

وهذه ليست تفصيلة ثانوية في مستقبل السياحة الفاخرة.
المسافر صاحب القدرة الشرائية العالية أصبح أكثر وعيًا بتأثير الرحلة، والفنادق العالمية نفسها تتجه إلى تقليل الطاقة والمياه والانبعاثات والتأثير في البيئات الحساسة.
لذلك فإن أحد أهم تحديات البحر الأحمر هو إثبات أن الرفاهية الشديدة والحماية البيئية يمكن أن تعملا معًا بدل أن تكون إحداهما على حساب الأخرى.
العمارة نفسها تصبح سببًا لحجز الرحلة
هناك شيء آخر يميز البحر الأحمر: بعض المنتجعات لم تعد مجرد مكان للإقامة، بل أصبحت هي نفسها جزءًا من سبب السفر.
شيبارة مثلًا يلفت الانتباه بفلله العائمة المعدنية ذات الأسطح العاكسة التي تتغير بصريًا مع لون الماء والسماء.
وفي ديزرت روك تتداخل وحدات الإقامة مع التضاريس الجبلية بطريقة تجعل المبنى أقل انفصالًا عن محيطه.

أما نجومه فيقدم مفهوم Ritz-Carlton Reserve على جزيرة خاصة، مع التركيز على العزلة والخصوصية والطبيعة البحرية.
وهنا تظهر إحدى الاتجاهات المهمة في صناعة السفر الحديثة: Architecture Tourism.
أي أن المسافر قد يرى صورة فندق أو منتجع على إنستغرام أو في مجلة معمارية، ثم يقرر أن يسافر إلى البلد من أجله تحديدًا.
لقد رأينا هذا النموذج في منتجعات بالمالديف وبالي واليابان وأوروبا، واليوم تحاول السعودية بناء مجموعة من الأماكن القادرة على توليد هذا النوع من الرغبة.
وعلى جزيرة شورى، التي تمثل القلب الرئيسي للوجهة، تتجمع 11 علامة فندقية فاخرة إلى جانب ملعب غولف ومرسى ومشروعات سكنية.
وهذا يعني أن البحر الأحمر لا يراهن على منتجع واحد أيقوني، بل على وجهة كاملة تستطيع استيعاب أنماط مختلفة من المسافر الفاخر.

واحد يريد الخصوصية.
آخر يأتي للغوص.
ثالث يبحث عن الغولف.
ورابع يريد أسبوعًا لا يفعل فيه شيئًا سوى البحر والسبا والعشاء.
أمالا.. حين تصبح العافية هي سبب الإجازة
وعلى الساحل نفسه تقريبًا، لكن بروح مختلفة، تأتي أمالا.
إذا كان البحر الأحمر يقول للمسافر «تعال من أجل الطبيعة والفخامة»، فإن أمالا تحاول أن تضيف سؤالًا أكثر شخصية:
كيف تريد أن تشعر عندما تعود من إجازتك؟
فالعافية هنا ليست خدمة جانبية موجودة داخل الفندق.

ليست جلسة مساج نحجزها في اليوم الأخير.
بل جوهر الوجهة نفسها.
وتقوم فلسفة أمالا على مفهوم متكامل للصحة والعافية يشمل النوم، والتغذية، والحركة، والاسترخاء، والاستشفاء، واللياقة، والصحة طويلة الأمد، إلى جانب الارتباط بالطبيعة.
وفي يونيو 2026 بدأت الوجهة استقبال ضيوفها رسميًا مع افتتاح Four Seasons Resort and Residences AMAALA at Triple Bay، لتنتقل أمالا من مرحلة المخطط إلى وجهة سياحية حية.
وهذا التوقيت مهم، لأن سياحة العافية أصبحت واحدة من أكثر قطاعات السفر إثارة للاهتمام عالميًا.
فبعد سنوات ارتبطت فيها الإجازة أحيانًا ببرنامج شديد الازدحام، ظهر مسافر جديد يريد العكس.
يريد أن ينام.
أن يمارس الرياضة.

أن يأكل بصورة أفضل.
أن يقلل استخدام الهاتف.
أن يخرج للمشي.
وأن يعود إلى المنزل وهو أكثر راحة مما كان عليه قبل السفر.
هذه الفكرة تغير أيضًا معنى الفخامة.
فلم تعد الفخامة دائمًا في عدد الأطباق التي يقدمها المطعم أو حجم الجناح.
قد تكون في جودة النوم.
في الهدوء.
في برنامج صحي مصمم لك.
في الخصوصية.
أو حتى في القدرة على قضاء يوم كامل من دون أن تشعر أن عليك فعل أي شيء.
ولهذا يمكن لأمالا، إذا نجحت في بناء هذه الهوية بوضوح، أن تنافس وجهات عالمية لا تنافسها على أساس البحر أو الفندق فقط، وإنما على أساس Wellness Tourism الذي أصبح سببًا مستقلًا للسفر.
خمس وجهات.. وخمسة أسباب مختلفة تمامًا للسفر
وربما تكمن قوة هذه المشروعات في أنها لا تحاول تقليد بعضها.
القدية تقول: تعال من أجل الشغف واللعب.
الدرعية تقول: تعال لتعيش التاريخ والهوية.
العلا تقول: تعال لتبطئ وتكتشف المكان على مهل.
البحر الأحمر يقول: تعال من أجل الطبيعة والفخامة الساحلية.
وأمالا تقول: تعال من أجل نفسك.

هذه الاختلافات مهمة جدًا؛ لأن بناء قطاع سياحي عالمي لا يعني امتلاك أكبر عدد من الغرف الفندقية فقط.
يعني امتلاك أسباب متعددة للزيارة.
فالعائلة التي تختار القدية ليست هي نفسها الزوجين اللذين يحجزان أسبوعًا في أمالا.
وعاشق الفن والتاريخ في العلا قد يضيف بعد ذلك أيامًا على جزيرة في البحر الأحمر.
أما زائر الدرعية فقد يأتي أصلًا إلى الرياض للعمل، ثم يجد أن التاريخ والثقافة أصبحا سببًا لتمديد الرحلة.
وهكذا تبدأ الوجهات في دعم بعضها بدل أن تتنافس على السائح نفسه.
هل يمكن أن تغير هذه المشروعات مكان السعودية على خريطة السفر؟
الطموح كبير بلا شك، لكن الاختبار الحقيقي لأي مشروع سياحي لا يبدأ عند الإعلان عنه أو نشر صوره المعمارية.
يبدأ عندما تصل الطائرة.
كيف كانت إجراءات الوصول؟
كم استغرقت الرحلة إلى الفندق؟
كيف كان مستوى الخدمة؟
هل الطعام جيد فعلًا؟
هل يشعر الزائر أن الوجهة لها شخصية خاصة؟
هل سيعود؟
وهل سينصح أصدقاءه بها؟

هذه التفاصيل هي التي تصنع في النهاية سمعة الوجهة، وليس حجم الاستثمار وحده.
ولهذا ستكون السنوات المقبلة حاسمة.
فالسعودية تمتلك الآن أرقام نمو قوية، واستثمارات ضخمة، ووجهات ذات هويات مختلفة، لكن المنافسة السياحية العالمية لا تتوقف.
المسافر لديه خيارات هائلة، والدول الأخرى تطور منتجاتها باستمرار.
ومن ثم فإن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة الانتقال من إبهار المشاهد بالمشروع إلى إقناع المسافر بالتجربة.
وهذا فارق مهم.
الصورة تجعلنا نضغط على الرابط.
أما التجربة الجيدة فهي التي تجعلنا نحجز مرة ثانية.
من القدية إلى البحر الأحمر.. السعودية تصنع خريطة سياحية متعددة الوجوه
ربما يكون أكثر ما يلفت الانتباه في التحول السياحي السعودي أن المملكة لا تحاول صناعة «وجهة أيقونية» واحدة تختصر كل شيء.
بل تبني خريطة.
مدينة للترفيه والرياضة.
وجهة للتاريخ.
واحة للفن والطبيعة.
ساحل للفخامة.
ومكان للعافية.
وهذا يجعل سؤال المسافر مختلفًا عما كان عليه قبل أعوام.
ليس فقط: هل أزور السعودية؟
بل: أي سعودية أريد أن أعيش هذه المرة؟
قد تكون الإجابة أفعوانية في القدية.
أو مساءً في الدرعية.
أو ليلة تحت نجوم العلا.

أو صباحًا على جزيرة في البحر الأحمر.
أو أسبوعًا كاملًا في أمالا هدفه ألا تفعلي شيئًا تقريبًا سوى الاهتمام بنفسك.
والأكثر إثارة أن معظم هذه الحكاية لم يكتمل بعد.
ستظهر فنادق جديدة.
وتفتح تجارب إضافية.
وتتسع المدن.
وتتشكل مناطق لم يرها الزائر حتى الآن.
ولهذا ربما يكون الوقت الحالي واحدًا من أكثر الأوقات إثارة لمتابعة السياحة السعودية؛ فنحن لا نشاهد وجهات مكتملة فقط، بل نشاهد صناعة قطاع كامل أمام أعيننا.
والرهان النهائي أكبر من الوصول إلى 150 مليون زائر.
إنه أن تصبح المملكة مكانًا يعود إليه المسافر مرارًا، لا لأن الرحلة الأولى لم تكن كافية فحسب، وإنما لأن كل زيارة يمكن أن تمنحه السعودية بطريقة مختلفة تمامًا.