كيف يصنع كأس العالم وجهات سياحية وثقافيّة لا تُنسى؟

ما بعد صافرة النهاية: كيف يصنع كأس العالم وجهات سياحية وثقافيّة لا تُنسى؟

في كل نسخة من كأس العالم لكرة القدم، لا تُكتب الحكاية داخل الملعب وحده. هناك دائماً في الخلفية شارع يزدحم باللغات، فندق يتحول إلى نقطة لقاء، مطعم يروي نكهة البلد، متحف يشرح ما لا تقوله المباراة، ووجهة تخرج من ظلّ الرياضة لتدخل ذاكرة السفر. هكذا يصبح المونديال أكثر من بطولة عالمية؛ يصبح خريطة ثقافية كبرى، تدعو العالم إلى اكتشاف المدن من خلال لحظة جماعية لا تتكرر.

جماهير المكسيك تحتفل بفوز منتخبها في إحدى مباريات كأس العالم الحالي / Alfredo Martinez/Getty Images
جماهير المكسيك تحتفل بفوز منتخبها في إحدى مباريات كأس العالم الحالي / Alfredo Martinez/Getty Images

 

وفي كأس العالم 2026، تبدو هذه العلاقة بين كرة القدم والسفر أكثر وضوحاً. فهذه النسخة هي الأولى بمشاركة 48 منتخباً و3 دول مضيفة هي كندا والمكسيك والولايات المتحدة، مع 104 مباريات تقام في 16 مدينة مضيفة، في توسّع يجعل البطولة أقرب إلى رحلة عابرة للقارة لا إلى حدث رياضي تقليدي.

كأس العالم على شاطئ ميامي / Eva Marie Uzcategui - FIFA/FIFA via Getty Images
كأس العالم على شاطئ ميامي / Eva Marie Uzcategui - FIFA/FIFA via Getty Images

أهمية 2026 لا تكمن في حجمها الرياضي فقط. إنها بطولة تتحول إلى مسار سياحي واسع، حيث لا تكون المدن مجرد ملاعب ومناطق مشجعين، بل وجهات كاملة تحمل لكل منها شخصيتها الثقافية. من مكسيكو سيتي بتاريخها العميق، إلى نيويورك بإيقاعها العالمي، لوس أنجلوس بعلاقتها بالترفيه وأسلوب الحياة، ميامي بطابعها الساحلي واللاتيني، وتورونتو وفانكوفر بوجههما الكندي المنفتح على الطبيعة والتنوع، تبدو البطولة المقبلة كدعوة إلى قراءة المدن من خلال تفاصيلها لا من خلال نتائج المباريات وحدها.

شاكيرا في افتتاح المونديال / Ryan Pierse - FIFA/FIFA via Getty Images
شاكيرا في افتتاح المونديال / Ryan Pierse - FIFA/FIFA via Getty Images

حين يصبح مونديال 2026 مسارًا سياحيًا

تختلف نسخة 2026 منذ فكرتها الأولى. فهي لا تنتمي إلى مدينة واحدة، ولا حتى إلى دولة واحدة، بل تمتد بين 3 دول ومساحات حضرية وطبيعية متباينة. هذا الامتداد يجعلها أقرب إلى موسم سفر عالمي، حيث يمكن للمشجع أو المسافر أن يربط بين مباراة وتجربة مدينة، بين جدول رياضي ومسار ثقافي، بين المدرجات والمطاعم والمتاحف والواجهات البحرية.

كأس العالم في مدينة غوادالاخارا بالمكسيك / Simon Barber FIFA via Getty Images
كأس العالم في مدينة غوادالاخارا بالمكسيك / Simon Barber FIFA via Getty Images

في المكسيك، تملك البطولة بداية رمزية، لأن مكسيكو سيتي ليست جديدة على ذاكرة المونديال. المدينة حملت سابقاً بعضاً من أكثر لحظات كرة القدم شهرة، لكنها اليوم تعود بوصفها وجهة ثقافية كبرى، لا كمدينة مضيفة فقط. أما في الولايات المتحدة، فتتوزع التجربة بين مدن لا تتشابه: نيويورك ونيوجيرسي بحضورهما العالمي، لوس أنجلوس بصورتها السينمائية والرياضية، ميامي بعلاقتها بالبحر والثقافة اللاتينية، وأتلانتا ودالاس وهيوستن وسياتل ومدن أخرى تضيف إلى البطولة نكهات مختلفة من الحياة الأميركية. وفي كندا، تحمل تورونتو وفانكوفر صورة أخرى: مدن متعددة الثقافات، قريبة من الطبيعة، وقادرة على تقديم وجه أكثر هدوءًا للمونديال.

كأس العالم في مدينة سان فرانسسكو الأميركية / Eakin Howard - FIFA/FIFA via Getty Images
كأس العالم في مدينة سان فرانسسكو الأميركية / Eakin Howard - FIFA/FIFA via Getty Images

 

 

2026 فرصة مثالية لقراءة كأس العالم من زاوية السفر. فالحدث لا يسلط الضوء على اللاعبين وحدهم، بل على المدن التي ستستقبل العالم، وعلى قدرتها على تحويل الحشود إلى تجربة حضارية وسياحية متكاملة.

ريو دي جانيرو: الطبيعة جزء من الحدث

هناك مدن تبدو كأنها صُممت لتكون خلفية للمشاهد الكبرى، وريو دي جانيرو واحدة منها. عندما استضاف ملعب "ماراكانا" نهائي كأس العالم 2014 بين ألمانيا والأرجنتين، لم يكن الحدث منفصلاً عن المدينة، بل جزءاً من صورتها: بحر، جبال، موسيقى، شغف، وجمهور يعرف أن كرة القدم في البرازيل ليست مجرد رياضة.

ريو دي جانيرو / Buda Mendes/LatinContent via Getty Images
ريو دي جانيرو / Buda Mendes/LatinContent via Getty Images

 

ريو لا تُختصر في ماراكانا، مدينة تسحر العالم بشواطئها، من "كوباكابانا" و"إيبانيما"، ومن الارتفاعات التي تكشف البحر والجبل والمدينة في مشهد واحد. السفر إليها من بوابة المونديال يعني اكتشاف مدينة تحوّل الجغرافيا إلى عاطفة، وتمنح الزائر إحساساً بأن الطبيعة جزء من سحره.

برلين تعيد كتابة نفسها

في برلين، يختلف إيقاع الرحلة. لا تقدم المدينة نفسها كوجهة سهلة أو سطحية، بل كمدينة تحتاج إلى قراءة. نهائي كأس العالم 2006 بين إيطاليا وفرنسا أقيم في الـ"أولمبياشتاديون" في برلين، لكن ذاكرة تلك النسخة بقيت مرتبطة أيضاً بصورة ألمانيا التي كانت تقدم نفسها للعالم بثقة وانفتاح.

برلين خلال كأس العالم 2006 / Oliver Weiken/Bongarts/Getty Images
برلين خلال كأس العالم 2006 / Oliver Weiken/Bongarts/Getty Images

 

السفر إلى برلين بعد المونديال لا يعني زيارة ملعب فقط، بل دخول مدينة تحوّل تاريخها الثقيل إلى طاقة ثقافية معاصرة. هنا تتجاور المتاحف والجداريات، الذاكرة والحياة الليلية، المقاهي الصغيرة وأحياء التصميم. ومن هذا اللقاء الجميل بين الماضي والحاضر، تصنع برلين تجربتها السياحية الخاصة: مدينة تطلب من زائرها أن يرى التاريخ وهو يتحول إلى لغة معاصرة.

جنوب أفريقيا الرحلة 

عندما استضافت جنوب أفريقيا كأس العالم 2010، لم تكن القصة رياضية فقط. كانت تلك أول نسخة من البطولة تقام في القارة الأفريقية، وهي لحظة حملت رمزية تتجاوز الملاعب والنتائج. بين جوهانسبرغ وكيب تاون، اكتشف العالم بلداً واسعاً في تنوعه: ذاكرة مليئة بالأحداث، طبيعة مبهرة، فن، موسيقى، طعام... 

جبل "تايبل" خلال كأس العالم 2010 في جنوب إفريقيا / Dan Kitwood/Getty Images
جبل "تايبل" خلال كأس العالم 2010 في جنوب إفريقيا / Dan Kitwood/Getty Images

جوهانسبرغ قدّمت نبض المدينة الأفريقية الكبرى، بينما منحت كيب تاون البطولة خلفية طبيعية وإنسانية شديدة التأثير. في كيب تاون، لا يمكن فصل تجربة السفر عن روبن آيلاند، ولا عن جبل "تايبل"، ولا عن ذلك الحوار بين الجمال الطبيعي والذاكرة. هنا تحول المونديال إلى دعوة لاكتشاف بلد لا تفسره مباراة واحدة، بل تجربة إنسانية كاملة، تمتد من الملاعب إلى الذاكرة، ومن الطبيعة إلى التاريخ، ومن الاحتفال إلى التأمل.

الدوحة: المونديال كتعريف جديد بالمنطقة

في 2022، دخلت الدوحة التاريخ من باب مختلف. فقد كانت قطر أول دولة في الشرق الأوسط والعالم العربي تستضيف كأس العالم، في نسخة أعادت تقديم المنطقة للعالم من زاوية الضيافة، القرب، التنظيم، والهوية الثقافية. بالنسبة للمنطقة، لم تكن تلك النسخة مجرد إنجاز تنظيمي، بل لحظة ثقافية عرّفت العالم على شكل آخر من الضيافة العربية والخليجية.

من المشجّعين في مونديال قطر 2022 / ANP via Getty Images
من المشجّعين في مونديال قطر 2022 / ANP via Getty Images

ما ميّز تجربة الدوحة أنها كانت مدمجة ومكثفة: المتاحف، الأسواق، الواجهة البحرية، الفنادق، ومناطق المشجعين كانت قريبة من بعضها، ما جعل المدينة نفسها جزءاً من تجربة البطولة. من سوق واقف إلى مشيرب، ومن الكورنيش إلى كتارا ولوسيل، بدا المونديال كأنه فرصة لرؤية الخليج من زاوية الثقافة، التصميم، والضيافة، لا من زاوية الرياضة وحدها. قدمت الدوحة نموذجاً لمدينة تستثمر البطولة لتقول شيئاً عن نفسها: عن هويتها، إيقاعها، وعلاقتها بالعالم.

مدن أخرى كتبت الذاكرة

ولا تتوقف ذاكرة كأس العالم عند المدن التي ما زالت تستعاد في الذاكرة الحديثة. فهناك محطات أخرى منحت البطولة وجوهاً سياحية وثقافية مختلفة عبر العقود. في لندن، ارتبط مونديال 1966 بصورة "ويمبلي" واللحظة التي تحولت فيها البطولة إلى جزء من الذاكرة الوطنية الإنجليزية. لندن بقيت دائماً أكبر من ملعبها؛ مدينة التقاليد الملكية، المسارح، الحدائق، المتاحف، وذاك التوازن بين الكلاسيكية والحياة العصرية.

داليدا تحضر كأس العالم 1982 في إسبانيا / PICOT/Gamma-Rapho via Getty Images
داليدا تحضر كأس العالم 1982 في إسبانيا / PICOT/Gamma-Rapho via Getty Images

 

وفي إسبانيا عام 1982، بدا المونديال كأنه رحلة عبر بلد كامل، لا حدثاً محصوراً في مدينة واحدة. من مدريد، حيث أقيم النهائي في ملعب "سانتياغو برنابيو" الشهير، إلى برشلونة وإشبيلية وفالنسيا وبلباو، فتحت البطولة الباب أمام صورة سياحية لإسبانيا المتعددة: ساحات نابضة، عمارة متنوعة، مطبخ غني، فن، ومدن تحمل لكل منها مزاجها الخاص.

أما إيطاليا 1990، فقد منحت كأس العالم طابعًا سينمائيًا خاصًا، وكأن البطولة تتحرك داخل متحف مفتوح. من روما، حيث أقيم النهائي في الملعب الأولمبي، إلى ميلانو ونابولي وفلورنسا وتورينو، حضرت إيطاليا كبلد تصنع مدنه المشهد قبل أن تبدأ المباراة: ساحات، آثار، أناقة، قهوة، أزياء، وتلك القدرة الإيطالية على تحويل كل شيء إلى تجربة جمالية.

لوحة تذكارية لكأس العالم 2002 في سول / Christopher Lee - FIFA/FIFA via Getty Images
لوحة تذكارية لكأس العالم 2002 في سول / Christopher Lee - FIFA/FIFA via Getty Images

 

ثم جاءت كوريا الجنوبية واليابان عام 2002 لتفتحا باب آسيا أمام كأس العالم بصورة جديدة. كانت البطولة أول نسخة تُنظم بشكل مشترك بين دولتين، لكنها كانت أيضاً تجربة سفر مختلفة. في اليابان، امتدت الذاكرة من الملاعب إلى القطارات، المعابد، الحدائق والمطاعم الصغيرة. وفي كوريا الجنوبية، خرج المونديال إلى الشوارع والساحات، حيث بدت سيول ومدن أخرى كأنها تحتفل بمكانتها الجديدة على الخريطة العالمية، بين التكنولوجيا، الثقافة الشعبية، والتقاليد المتجددة.

ما بعد الملعب: لماذا تبقى المدن؟

المدن التي تصنع تاريخ كأس العالم لا تفعل ذلك لأنها استضافت مباريات كبرى فقط، بل لأنها منحت الزائر تجربة أوسع من التذاكر والنتائج.  من هنا، يمكن قراءة مونديال 2026 كدعوة إلى نوع جديد من السفر: ليس السفر خلف المنتخب فقط، بل السفر خلف المدينة. خلف المكان الذي سيبقى بعد انتهاء المباراة. خلف الأسواق التي ستستقبل الجماهير، والمطاعم التي ستصنع ذاكرة أخرى للرحلة، والفنادق التي ستصبح جزءاً من الحكاية، والمتاحف التي ستمنح الزائر معنى أعمق للوجهة.

السعودية 2034: وجهة تكتب فصلها القادم

بعد 2026، وبعد أن تعبر البطولة محطات أخرى، ستتجه الأنظار إلى السعودية في 2034. فقد وقع الاختيار على المملكة العربية السعودية لاستضافة كأس العالم 2034، لتدخل المملكة مرحلة جديدة في علاقتها بالرياضة والسياحة واستضافة الأحداث العالمية.

الاحتفالات بعد الإعلان عن استضافة السعودية لكأس العالم / Christophe Viseux/Getty Images
الاحتفالات بعد الإعلان عن استضافة السعودية لكأس العالم / Christophe Viseux/Getty Images

 

قوة هذه النسخة، من منظور السفر، أنها لا تقدم السعودية كوجهة واحدة، بل كخريطة متعددة الهويات. الرياض ستكون عنوان الطاقة الحضرية الجديدة: عاصمة تجمع بين المشاريع الكبرى، المشهد الثقافي، المطاعم، الفعاليات، والضيافة الفاخرة. وفي محيطها الأوسع، تبرز الدرعية كجسر بين الماضي والمستقبل.

جدة ستقدم وجهاً آخر: مدينة البحر الأحمر، والحكايات المفتوحة على التجارة والضيافة. أما الخبر، فتضيف إلى الخريطة السعودية إيقاع الخليج العربي: واجهات بحرية، حياة أكثر هدوءاً، وقرب من الدمام والظهران يمنح البطولة بعداً شرقياً مختلفاً. أبها تفتح باباً آخر تماماً: جبال، ضباب، ثقافة جنوبية، ومشهد طبيعي ساحر، إلى جانب العديد من الوجهات الساحرة الأخرى.

الإعلان عن فوز السعودية باستضافة كأس العالم / Saudi 2034
الإعلان عن فوز السعودية باستضافة كأس العالم / Saudi 2034

 

وكما صنعت ريو وبرلين وجنوب أفريقيا والدوحة صوراً لا تزال مرتبطة بالمونديال، تستعد المملكة لأن تجعل 2034 لحظة تعريف عالمية بوجهاتها، ليس كخلفيات للمباريات، بل كأبطال للحكاية.

يبقى كأس العالم واحداً من الأحداث القليلة القادرة على تحويل المدن إلى ذاكرة عالمية مشتركة. قد يسافر الجمهور من أجل مباراة، لكنه يعود غالباً بصورة مدينة، بطعم طبق محلي، بمشهد غروب، بمحادثة عابرة، أو بإحساس أن المكان الذي زاره لم يكن مجرد محطة، بل تجربة مكتملة. وبين الحاضر والمستقبل، يبقى المونديال أكثر من كأس. إنه دعوة إلى اكتشاف العالم من خلال مدنه، وثقافاته، وذاكرته، والوجهات التي لا تنتهي حكايتها مع صافرة النهاية.

مدير تحرير مجلة "هي" الإلكترونية، بخبرة تفوق 13 عامًا، متخصص في الصحافة الرقمية والسينما واللايف ستايل.