ما بعد يوم الأرض: كيف نسافر بمسؤولية في 2026؟.. "هي" تسأل: كيف تبدو الرفاهية الواعية اليوم؟
لم يعد "السفر المسؤول" مفهوماً هامشياً يخص فئة محددة من المسافرين، ولا مجرد مفردة أنيقة تتكرر في خطابات الفنادق والعلامات السياحية. لقد أصبح انعكاساً لتحوّل أعمق في نظرتنا إلى العالم، وإلى معنى الرحلة نفسها. فبعد سنوات من اللهاث وراء الوجهات "الترند" والتجارب المصقولة حدّ التكرار، بدأ يتشكل مزاج جديد في السفر: أكثر وعياً، أكثر بطئاً، وأكثر اهتماماً بما هو حقيقي.
من هنا، يأتي يوم الأرض هذا العام بشعاره Our Power, Our Planet كتذكير بأن التغيير لا يحدث فقط عبر المبادرات الكبرى أو الخطابات البيئية الموسمية، بل من خلال اختيارات يومية صغيرة تتراكم وتعيد تشكيل علاقتنا بالكوكب. والسفر، بكل ما يحمله من استهلاك، واكتشاف، وتأثير اقتصادي وثقافي، أصبح من أكثر هذه الاختيارات وضوحاً.
فما الذي تغيّر فعلاً في 2026؟

من السفر كاستهلاك إلى السفر كعلاقة
التحول الأكبر في 2026 ليس بيئياً فقط، بل عاطفي وثقافي أيضاً. لم يعد المسافر يبحث فقط عن مكان جميل يقضي فيه إجازته، بل عن علاقة حقيقية مع المكان. عن تجربة تُشعره أنه لم يكن مجرد عابر، بل جزءاً من قصة أكبر.
وهذا تماماً ما تؤكده بيانات عملاق السفر "سكاي سكانر"، ففي حديث خاص مع "هي" يقول أيوب المأمون، خبير السفر في "سكاي سكانر": "في منطقة الشرق الأوسط، نشهد توجهاً متزايداً لدى المسافرين ليكونوا أكثر وعياً وحرصاً عند اختيار كيفية السفر. ولم يعد السفر المسؤول يقتصر فقط على الجانب البيئي؛ بل أصبح يتعلق أيضاً بنوعية الخيارات والتجارب التي يرغب المسافر في خوضها، هناك بحث متزايد عن تجارب أكثر أصالة وعمقاً ترتبط بالثقافة المحلية.”

الأرقام نفسها تعكس هذا التحول بوضوح، فحسب المـأمون: "ففي الإمارات، يرغب 82% من المسافرين في السفر للتعرف إلى أشخاص جدد، بينما يريد 32% خوض تجارب ثقافية مختلفة، ويعبّر 83% عن اهتمامهم باستكشاف المتاجر والأسواق المحلية، في حين يرى 57% أن تذوق المأكولات المحلية هو من أفضل الطرق لفهم روح المكان. أما الطبيعة، فباتت جزءاً مركزياً من هذه الرغبة الجديدة، إذ ينجذب 92% إلى الوجهات الجبلية، ويعتبر 59% أن الهواء النقي من أبرز أسباب اختيارهم لهذه البيئات".
هذه ليست مجرد “ميول سفر” عابرة، بل مؤشرات على إعادة تعريف كاملة للرفاهية. فالمسافر لم يعد ينجذب فقط إلى ما هو نادر بصرياً، بل إلى ما هو أصيل إنسانياً.

الرفاهية المتجذّرة
ربما التحول الأهم في السفر الفاخر اليوم يشير إلى أن الرفاهية لم تعد تُقاس فقط بما هو فخم، بل بما هو صادق. لقد اعتدنا لسنوات أن نربط السفر الفاخر بالفنادق المبهرة، والمطاعم اللامعة، والخدمات التي تُشعرك بالانفصال التام عن العالم الخارجي. لكن في 2026، يبدو أن أكثر أشكال الرفاهية جاذبية هي تلك التي تعيدك إلى العالم، لا التي تعزلك عنه.
وهنا تحديداً، تبرز تجربة منى حداد، مؤسسة Baraka Destinations، بوصفها واحدة من أكثر النماذج وضوحاً في إعادة تعريف معنى السفر الفاخر والمسؤول في المنطقة. وقد جاء تكريمها بجائزة Champions of Change Award ضمن Middle East & North Africa’s 50 Best Restaurants 2026 ليؤكد أن هذا النوع من الضيافة لم يعد هامشياً أو بديلاً، بل بات جزءاً من مستقبل القطاع نفسه.
في حديث خاص مع "هي" تقول منى حداد إن "الجائزة كانت فرصة حقيقية لتسليط الضوء على نمط مختلف وأعمق من السفر. ما يسعدني فيها ليس التكريم الشخصي، بل أنها تُخرج هذا النوع من السياحة من دائرة التخصص الضيق إلى المشهد العام. لطالما آمنت بأن ما نفعله في Baraka Destinations ليس سياحة بديلة أو استثنائية، بل هي الطريقة التي ينبغي أن يكون عليها السفر في مجمله".
هذه الجملة تختصر التحول الحاصل فما كانت تُعتبره السوق سابقاً "تجربة بديلة"، أصبح اليوم هو ما يبحث عنه المسافر الذكي: تجربة تحمل معنى، وتترك أثراً، وتمنحك وصولاً حقيقياً إلى روح المكان.
منى حداد: حين تصبح الرفاهية لقاءً إنسانياً
في عالم السياحة التقليدية، غالباً ما تكون "الحصرية" مرتبطة بما هو مغلق أو بعيد أو باهظ. أما في رؤية منى حداد، فالحصرية تأخذ شكلاً مختلفاً تماماً: الوصول إلى الإنسان.
تقول حداد إن "الرفاهية اليوم تعني وصولاً حصرياً، لكن ليس بمفهومه التقليدي المرتبط بالمساحات الفارهة والخدمات المصقولة. الرفاهية الحقيقية هي أن تجلس على الأرض وتتشارك وجبة مع عائلة في قرية لا يصلها سوى قليلين، أو أن تلتقي بصانع خناجر من الجيل الرابع يحمل في يديه قصة لا تُقرأ في أي كتاب".
هذه ليست جملة شاعرية فقط، بل تعريف جديد بالكامل لما يُفترض أن تكون عليه الرفاهية الواعية. هي ليست أقل رفاهية من النموذج التقليدي بل ربما أكثر ندرة وعمقاً منه.

ومن هنا يمكن فهم مشروع Baraka Destinations ليس كمنصة رحلات، بل كفلسفة كاملة في تصميم التجربة. فمن خلال عملها على مدى يقارب عقدين، سعت منى حداد إلى بناء نموذج سفر لا يضع المجتمع المحلي في الخلفية كديكور، بل في قلب التجربة نفسها. وقد استفادت أكثر من 150 عائلة من هذه المبادرات التي صمّمت لتربط المسافرين مباشرة بالمجتمعات المضيفة، ليس عبر الاستهلاك، بل عبر التبادل الحقيقي.
ومن أبرز تجليات هذه الفلسفة، مشروع Beit Baraka في أم قيس في الأردن، حيث تحوّل منزل قروي بسيط إلى تجربة إقامة حيّة تنفتح على تفاصيل الحياة اليومية، وتتيح للزوار خوض أكثر من 40 تجربة يقودها أفراد المجتمع المحلي، من تربية النحل وقطف الزيتون إلى الطبخ التقليدي، والحرف اليدوية، وجمع النباتات البرية، وسرد القصص. ثم جاء Beit Al Fannan في طبقة فحل ليُوسّع هذه الرؤية إلى نموذج آخر، أكثر اقتراباً من الطبيعة والفنون، حيث لا تُقدَّم القرية كـ “خلفية جميلة”، بل كمساحة ثقافية حيّة، تتقاطع فيها الذاكرة، والحرفة، والضيافة.
ما تفعله منى حداد هنا بالغ الأهمية، هي لا "تبيع" المجتمع المحلي كفكرة رومانسية، بل تعيد توزيع القيمة داخله.

من مبادرة رمزية إلى التزام حقيقي
أحد أكبر التناقضات في خطاب الاستدامة السياحية خلال السنوات الماضية، أنه كثيراً ما اكتفى بالرمزية. حملات موسمية، مبادرات جميلة بصرياً، لغة تسويقية جذابة. لكن دون تغيير فعلي في بنية القطاع.
ولهذا، يبدو سؤال "ما بعد يوم الأرض" مهماً اليوم أكثر من أي وقت مضى. فالقضية لم تعد في الاحتفاء بفكرة الاستدامة ليوم واحد، بل في كيفية ترجمتها إلى قرارات يومية دائمة.
وحين سألنا منى حداد عن ذلك، جاءت إجابتها حاسمة: "المبادرات الموسمية ليست سيئة في حد ذاته لكنها ليست كافية. التحول الحقيقي يحدث حين تُبنى هذه القيم في صميم النموذج، في قرارات التوظيف والمشتريات والشراكات المجتمعية، لا في الحملات الإعلامية وحدها".
وهنا بالضبط، تتوحد كل الأمثلة التي نراها اليوم في قطاع السفر: فما يجمع المشاريع الأكثر إثارة للاهتمام في 2026 ليس فقط اهتمامها بالبيئة، بل دمجها للاستدامة داخل بنية التجربة نفسها.

الاستدامة جزء من الرفاهية والأثر
في السعودية، تبرز AMAALA كأحد أبرز النماذج التي تعكس هذا التوجه الجديد، حيث تُقدَّم الرفاهية ليس بوصفها انفصالاً عن الطبيعة، بل كتجربة متصالحة معها. تقع AMAALA على الساحل الشمالي الغربي للمملكة، وتتمحور رؤيتها حول فن الرفاهية الشاملة، من خلال تجارب مصممة بعناية تجمع بين الصحة والجمال والهدوء الطبيعي. لكن اللافت هنا ليس فقط ما تقدمه للضيوف، بل ما تلتزم بحمايته وإحيائه في محيطها الطبيعي.
فالوجهة لا تتحدث فقط عن حماية البيئة، بل عن تجديدها من خلال دعم نظم بيئية حيوية مثل أشجار القرم، والأعشاب البحرية، والشعاب المرجانية. كما يقود Corallium Marine Life Institute جهوداً بحثية وعلمية متقدمة للمساهمة في حماية الشعاب المرجانية في البحر الأحمر، والتي تُعد من أكثر الشعاب قدرة على مقاومة الحرارة والتغير المناخي عالمياً.

إذا كانت AMAALA تمثل نموذج الوجهة، فإن Beyond Green تمثل نموذجاً أوسع: كيف يمكن للضيافة نفسها أن تصبح أداة تأثير بيئي واجتماعي وثقافي.
في 2025، وسّعت Beyond Green نطاق عملها، ليس فقط عبر توسيع محفظة فنادقها، بل عبر ترسيخ دورها في الحوار العالمي حول المناخ والعدالة في السياحة، وتطوير خدمات استشارية تدعم وجهات وشركات وحكومات في بناء استراتيجيات أكثر استدامة ومعنى.
لكن الأهم هو ما تثبته أمثلتها على الأرض أن الاستدامة في الضيافة لم تعد تقتصر على تقليل البلاستيك أو إعادة تدوير المناشف، بل أصبحت تشمل الزراعة المتجددة، حماية التنوع الحيوي، صون التراث الثقافي، ودعم المجتمعات المحلية.
من فنادق تدعم النحل والتلقيح الطبيعي في إيطاليا، إلى منتجعات تموّل الزراعة المتجددة في كاليفورنيا، إلى تجارب طعام تربط الضيوف بالمزارعين والمكونات المحلية في الهند تُظهر Beyond Green أن الرفاهية الحديثة لا تكتفي بأن تكون جميلة، بل يجب أن تكون نافعة أيضاً.
وهذا يعيدنا مجدداً إلى الفكرة الأساسية: الرفاهية الواعية ليست اتجاهاً بصرياً فقط بل بنية تفكير. هذا التحول يظهر أيضاً في الوجهات التي تعيد النظر في علاقتها بالطبيعة لا كمنظر، بل كمسؤولية.
ومن بين هذه الأمثلة، يبرز Four Seasons Resort Mauritius at Anahita، حيث أصبحت الاستدامة جزءاً فعلياً من تشغيل المنتجع، من خلال مشتل للأعشاب البحرية يساهم في دعم التنوع البيولوجي البحري واحتجاز الكربون، إلى مبادرات لحماية فرس البحر وإنتاج عسل المانغروف دعماً للنحل والنظام البيئي المحلي. في هذا النوع من التجارب، لا يعود ما هو طبيعي مجرد خلفية شاعرية لصورة جميلة، بل يصبح جزءاً من القصة التي يشارك فيها الضيف، سواء أدرك ذلك بعمق أو بدأ يكتشفه أثناء إقامته.

المسافر الواعي جزء من الحل
وربما أهم ما يميّز 2026 أن المسؤولية لم تعد تقع فقط على الوجهات والفنادق، بل على المسافر نفسه.
تقول منى حداد: "المسافر اليوم يملك قوة حقيقية في يديه، أن تختار الإقامة في مكان مملوك محلياً، أن تسأل عن سياسات التوظيف والمشتريات في الفندق، أن تبحث عن وجهات خارج القوائم الشهيرة هذه ليست خيارات رومانسية، بل قرارات لها أثر مباشر".

وهنا يصبح السفر أكثر من رفاهية شخصية يصبح موقفاً. ليس بمعنى التخلّي عن المتعة أو الجمال، بل على العكس أن تصبح المتعة نفسها أكثر وعياً، وأكثر احتراماً، وأكثر اتصالاً بالعالم.
ربما تبدو الرفاهية الواعية في 2026 على شكل فندق فاخر، لكن جذوره في المكان لا فوقه، تجربة حصرية، لكن قيمتها في الإنسان لا في الاستعراض، طاولة طعام، لكن خلفها قصة مجتمع كامل
وربما هذا هو التحول الأجمل كله: أن الرفاهية الحقيقية لم تعد في الهروب من العالم، بل في السفر داخله بطريقة أذكى، أبطأ، وأصدق.