وجهات سياحية في هولندا وأجمل أماكن على محبّات السفر الفاخر اكتشافها
نظرتُ إلى حقيبتي التي ما زالت فارغة، وتساءلتُ لماذا اخترتُ السفر الى هولندا في الشتاء؟ الجميع كان يسألني السؤال نفسه: أليس الجو باردًا هناك؟ والإجابة: نعم، لكن ما تعلّمته مع الوقت هو أن أجمل وجهات سياحية في هولندا لا تنتظر الطقس المثالي لتكشف عن سحرها، بل تنتظر المسافرة التي تعرف كيف تلتقط اللحظة.
أرى دوماً أنه هناك شيء مميّز في هولندا..طريقة تجمع بها بين القديم والجديد دون ضجيج، كيف تقف بيوت القنوات العريقة بجوار عمارة معاصرة بثقة هادئة، وكيف تمر طواحين الهواء التقليدية بالقرب من متاحف حديثة دون أن يبدو المشهد متناقضًا. والفخامة هنا لا تُعلن عن نفسها.. حيث تكشف الوجهات السياحية في هولندا عن جمالها لمن تبحث عن الأناقة الهادئة لا الاستعراض.
سواء كانت هذه زيارتكِ الأولى، أو عودة لاكتشاف تفاصيل فاتتكِ من قبل، ستغيّر هذه الوجهات نظرتكِ حول السفر الى هولندا.
أمستردام

تتسلل أمستردام إلى روحك ببطء ثم فجأة تسيطر على كل حواسك. تركبين الدراجة بجانب قناة خلابة وفي اللحظة التالية تجدين نفسك أمام لوحة لفيرمير في متحف ريكس وعلى الرغم من أن المدينة لا تتجاوز مساحتها 219 كيلومترًا مربعًا، إلا أن جمالها يتوزع في كل زاوية وكأنه بلا حدود.
حلقة القنوات أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو تشكل قلب المدينة. هذه الممرات المائية صُممت في العصر الذهبي الهولندي حين تحولت أمستردام من مستنقع إلى أغنى مدينة أوروبية. المشي على طول هيرينغراخت أو كايزرغراخت يشبه الدخول إلى لوحة حية حيث تنعكس الواجهات ذات الجملونات على المياه الساكنة وتتراص الدراجات على الحواجز الحديدية كما كانت منذ عقود.
حي المتاحف ينبض بالحياة المعاصرة من متحف ستيديليك الذي يعرض الفن الحديث إلى متحف فان جوخ حيث يمكن الوقوف على بعد سنتيمترات من لوحات "دوار الشمس" و"ليلة النجوم"، ومنزل آن فرانك يقدم تجربة مؤثرة تذكرك بأن الجمال والمأساة يمكن أن يتعايشا في نفس المكان.
حي جوردان يفسر سبب عودة المسافرات باستمرار.. في السابق كان حيًا للطبقة العاملة والآن يضم محلات مستقلة ومقاهي دافئة ومطاعم نالت نجوم ميشلان. صباح السبت يستضيف نوردر ماركت سوق المزارعين العضوي حيث الأجبان الحرفية والستروبوافل الطازج والزهور التي تم ترتيبها بعناية هولندية تقليدية.
للتسوق في أمستردام توجهي إلى الشوارع التسعة حيث المحلات الصغيرة تعرض ملابس عتيقة ومجوهرات مصنوعة يدويًا. شارع PC Hooftstraat متخصص إذا رغبتِ بعلامات تجارية عالمية، لكن الاكتشافات الحقيقية تكون دائمًا في المتاجر الصغيرة التي تعرف صاحباتها كل قطعة فيها.
لاهاي

لاهاي تقدم رؤية أكثر هدوءًا للأناقة الهولندية..لا تجدين فيها حلقات القنوات الشهيرة أو الزحام المفرط، بل شوارع تصطف عليها الأشجار وعمارة مهيبة وهدوء واثق لمدينة تضم العائلة الملكية والمحاكم الدولية.
كونها مقر الحكومة وموطن أكثر من 150 منظمة دولية يمنح لاهاي ثقلًا سياسيًا دون أي تكلف. بينينهوف مجمع القلعة القوطية حيث يجتمع البرلمان، يقع بجانب بركة عاكسة ويتيح جولات تكشف تاريخ المدينة السياسي. بقربه يقع قصر السلام الذي يحتضن محكمة العدل الدولية في مبنى مولّه أندرو كارنيغي، حيث يمكن التجول في ديكورات فخمة شهدت بعض أهم المداولات القانونية.
المتعة الثقافية هنا لا تقل عن الأهمية السياسية، فالموريتشهاوس متحف صغير في قصرة من القرن السابع عشر، يعرض روائع العصر الذهبي الهولندي في صالات حميمة. لوحة فيرمير "الفتاة ذات القرط اللؤلؤي" موجودة هنا والوقوف أمامها يترك أثرًا يدوم طويلاً.
حي شيفينينغن الشاطئي يشمل منتجع ساحلي راقٍ في هولندا يضم نوادي شاطئية ومطاعم مأكولات بحرية ورصيفًا مع عجلة فيريس تطل على بحر الشمال. في الصيف يمارس الزوار الرياضات المائية، وفي الشتاء يقدم المشي الساحلي المنعش الذي يطهر الذهن ويذكرك بعلاقة الهولنديين المستمرة مع البحر.
حدائق كيوكنهوف

لم تكن زيارة كيوكنهوف ضمن خطتي في البداية.. فكرة “أكبر حديقة زهور في العالم” بدت لي سياحية أكثر من اللازم، من تلك التجارب التي يمر بها الجميع ثم يغادرون دون أثر حقيقي. لكن كل ذلك تبدد في اللحظة التي رأيت فيها الحقول المحيطة بالحدائق. صفوف لا تنتهي من التوليب تمتد حتى الأفق بألوان أرجوانية وصفراء وقرمزية ناعمة. عندها فقط فهمت أن هذا المشهد لا يمكن التعامل معه كأمر عابر.
تفتح كيوكنهوف أبوابها لثمانية أسابيع فقط كل عام من منتصف مارس حتى منتصف مايو، وهذه الفترة القصيرة تمنح الزيارة شعورًا بالخصوصية وتضمن رؤية الأزهار في ذروة جمالها. تمتد الحدائق على مساحة شاسعة يتم تصميمها بعناية دقيقة كل موسم، وتُزرع ملايين البصيلات في الخريف لتتفتح لاحقًا بتدرج مدروس. في بداية الموسم تظهر أزهار النرجس والياقوت، وفي المنتصف يهيمن التوليب بكامل حضوره، وفي الأسابيع الأخيرة تتفتح الزنابق والورود لتمنح الختام نغمة أكثر هدوءًا.
في جناح ويليم ألكسندر ستكتشفين أصناف توليب لم تسمعي بها من قبل وأزهار بحواف متموجة وأخرى مزدوجة تشبه الفاونيا ونوع مخطط ارتبط بتاريخ اقتصادي غريب في هولندا لكن التجربة التي غيرت زيارتي بالكامل كانت استئجار دراجة والانطلاق عبر الحقول المحيطة بكيوكنهوف، وهي منطقة تتحول في الربيع إلى لوحة مفتوحة.. طرق ريفية هادئة وحقول مزارعين تتوهج بالألوان، هنا فقط أدركت لماذا تُعد هذه المنطقة من أكثر وجهات سياحية في هولندا تأثيرًا على الذاكرة.
جيثورن

جيثورن تذكرك بأن السفر البطيء ليس مجرد فكرة بل نمط حياة. أطلق عليها لقب "البندقية الهولندية" عن جدارة، فهذه القرية التي تأسست في القرن الثالث عشر بنيت حول القنوات بدلاً من الطرق والسيارات محظورة في مركزها التاريخي، تاركة القوارب والدراجات كوسائل التنقل الأساسية.
زيارة جيثورن في الصيف قد تكون مزدحمة، لكن إذا اخترتِ أواخر الربيع أو أوائل الخريف ستجدين القرية في أبهى صورها. منازل ريفية بسقوف من القش تصطف على القنوات متصلة بجسور خشبية وحدائق مزهرة بدقة هولندية، بينما ينقطع الصمت فقط بنداءات الطيور أو محرك القارب العرضي.
استئجار قارب كهربائي أو كاياك يمنحك أفضل تجربة لاستكشاف القنوات. ستنزلقين بجانب المنازل التي تمتد حدائقها إلى الماء، وتكتشفين الزوايا الخفية والسماء العريضة فوقك، بينما المتاحف الصغيرة تقدم سياقاً للتاريخ المحلي.
أوتريخت

أوتريخت تقع في قلب هولندا وتحتفظ بسحرها القروسطي بعيداً عن الزحام السياحي، فالمدينة تجمع بين أقبية أرصفة فريدة وأطول برج كنيسة في البلاد، وشرفات مطلة على القنوات حيث يتأخر السكان المحليون على القهوة بلا استعجال.
برج دوم المكتمل عام 1382 يمنحك فرصة للصعود عبر 465 درجة إلى إطلالات بانورامية على المدينة والريف المحيط، القنوات هنا تختلف عن أمستردام فالأرصفة تحتها مقاهٍ ومطاعم كانت مخازن للبضائع، والجلوس على الشرفة يلتقط روح المدينة بطريقة حميمة.
المتاحف في أوتريخت صغيرة ولكنها غنية، مثل المتحف المركزي الذي يجمع بين الفن الديني والقوالب الحديثة، ومتحف كاثارينكونفينت الذي يستكشف التاريخ الديني الهولندي، ومتعة غير متوقعة في متحف ميفي للأطفال والكبار على حد سواء.
والتسوق يركز حول مركز Hoog Catharijne والمناطق المحيطة به، حيث تمتزج العلامات التجارية الهولندية والأسماء العالمية مع المتاجر المستقلة، وسوق السبت في ساحة فريدنبرغ يواصل تقليد يعود للقرن السادس عشر.
ماستريخت

تقع ماستريخت على حدود هولندا مع بلجيكا وألمانيا، وتكشف عن طابع هولندي مغاير مليء باللمسات الفرنسية، فالمدينة تجمع بين تاريخ روماني يمتد ألفي عام وثقافة المقاهي والساحات القروسطية التي تشهد أسواقاً ومقاهي ممتدة طوال العام.
ساحات Vrijthof وOnze Lieve Vrouweplein تجمع بين الكنائس الباروكية والمباني التاريخية، بينما مكتبة Dominicanen تحول كنيسة قوطية من القرن الثالث عشر إلى مساحة كتب ومقهى ساحر، وهذا الاندماج بين الماضي والحاضر يقدم تجربة سياحية لا تنسى.
التسوق في حي Wyck يقدم محلات مستقلة للأزياء ومجوهرات وحرف يدوية، بينما مشهد الطهي يمزج التأثيرات الفرنسية والبلجيكية مع الطابع الهولندي المحلي، وأسواق السبت والأحد على طول نهر ماس تمنحك تجربة اكتشاف ممتعة دون استعجال.
زانسه سخانس

تقع زانسه سخانس في منطقة فريدة بين كونها قرية حقيقية ومتحفًا مفتوحًا.. السكان يعيشون هنا بالفعل في بيوت خشبية خضراء تعود لقرون. الحياة اليومية مستمرة بهدوء رغم تدفق الزائرات اللواتي يأتين لمشاهدة طواحين الهواء وتجربة الحرف التقليدية، هذا التوازن الدقيق يحتاج إلى توقيت ذكي للاستمتاع به.
الوصول المبكر يصنع الفارق، قبل العاشرة صباحًا تكون القرية في أبهى حالاتها. الضوء الصباحي ينعكس على نهر زان والمسارات شبه خالية.. عندها فقط تشعرين بروح المكان. طواحين الهواء تقف شامخة وتدور ببطء في النسيم، وبعضها كان مخصصًا لنشر الخشب وأخرى لطحن الزيت أو الأصباغ.
من بين الطواحين التي يمكن دخولها تبرز طاحونة دي كات وهي الوحيدة المتبقية التي لا تزال تطحن الأصباغ بالطريقة التقليدية. الصعود عبر سلالمها الخشبية الحادة تجربة بحد ذاتها، وفي الداخل تشاهدين الآليات القديمة تعمل كما كانت منذ قرون. المنظر من الأعلى يكشف مساحات خضراء مفتوحة تمنح شعورًا بالاتساع والسكينة.
الورش الحرفية تستحق التوقف الحقيقي لا المرور السريع، ففي ورشة الأحذية الخشبية تتحول قطعة خشب خام إلى حذاء كامل خلال دقائق، والعملية دقيقة وتعكس معرفة متوارثة. في مزرعة الجبن تتعرفين على تطور صناعة الجودا مع الحفاظ على أساسها التقليدي، فكل تفصيلة هنا تحكي قصة علاقة الهولنديين بأرضهم وحرفهم.