2026 عام يتحوّل فيه السفر إلى تجربة ذكية ومصمّمة على قياس الشغف
في وقت تتسارع فيه التحولات داخل قطاع السفر بوتيرة غير مسبوقة، أصدرت شركة أماديوس، الرائدة عالميا في حلول تكنولوجيا السفر، تقريرها الجديد "اتجاهات السفر 2026"، بالتعاون مع منصة التوقعات المستقبلية Globetrender، مقدمة رؤية دقيقة حول الكيفية التي سيتغير بها سلوك المسافرين، وطبيعة التجارب التي سيبحثون عنها، والتقنيات التي ستصبح جزءا أساسيا من رحلتهم.
التقرير، المبني على قاعدة بيانات أماديوس العالمية لذكاء السفر ودراسات معمقة، يرصد تحول السفر من كونه نشاطا لوجستيا إلى تجربة متعددة الأبعاد، تقودها الثقافة الشعبية، ويعززها الذكاء الاصطناعي، وتعيد صياغتها الرغبة المتزايدة في التخصيص،فمن السفر برفقة الحيوانات الأليفة، إلى التخطيط الذكي، مرورا بالرحلات المستوحاة من المحتوى الترفيهي، ووصولا إلى تجارب الإقامة المصممة وفق أنماط الحياة الفردية.
في هذه المقابلة الخاصة مع "هي"، يتحدث ماهر قوبعة، نائب الرئيس التنفيذي لوحدة السفر والمدير الاداري لمنطقة اوروبا والشرق الاوسط وافريقيا في شركة أماديوس ، عن أبرز ملامح مستقبل السفر في عام 2026، وعن موقع العالم العربي ودول الخليج ضمن هذه التحولات العالمية. كما يشرح كيف أصبح السفر انعكاسا للشغف والهوية، ولماذا يبدو المستقبل أقرب إلى أفلام الخيال العلمي، ليس بسبب التكنولوجيا وحدها، بل نتيجة التقاء الابتكار مع الثقافة والإنسان في لحظة مفصلية تعيد تعريف معنى الرحلة ذاتها.

كيف تتوقع أن تؤثر "السياحة المرتبطة بالثقافة الشعبية" في قرارات السفر في منطقتنا عام 2026؟
في عام 2026، من المتوقع أن تلعب السياحة المرتبطة بالثقافة الشعبية دورا أقوى بكثير في التأثير على الوجهات التي يختارها المسافرون، وليس فقط على الأنشطة التي يمارسونها عند الوصول. نشهد ذلك على المستوى العالمي مع المحتوى الكوري (K-content) في سيول أو مسلسلات مثل The Last of Usفي كندا، والمنطق نفسه بدأ يظهر في العالم العربي. ومع نضوج قطاعات السينما والتلفزيون والألعاب والفعاليات الحية في المنطقة، سنرى المزيد من المسافرين يخططون رحلاتهم حول المهرجانات والحفلات الموسيقية ومواقع التصوير، إضافة إلى المعالم الكبرى القائمة على الملكيات الفكرية، مثل ديزني لاند أبوظبي.
وبالنسبة لمسافري دول مجلس التعاون الخليجي والعالم العربي عموما، نتوقع ثلاثة أنماط رئيسية: ازدياد الرحلات الخارجية المستوحاة من العلامات والامتيازات العالمية؛ وتنامي الرحلات داخل المنطقة المرتبطة بالمشاريع الثقافية المحلية والفعاليات الضخمة؛ وتداخلا أكبر بين روزنامات الترفيه ومواسم الذروة السياحية. أما بالنسبة للوجهات، فهذا يعني ضرورة التعامل مع الملكيات الفكرية والإنتاج الثقافي كجزء أساسي من استراتيجيتها السياحية، لا كقطاعات إبداعية مستقلة بحد ذاتها.
ذكرت أن عام 2026 قد يبدو أقرب إلى الخيال العلمي أكثر من أي وقت مضى. ما أبرز التقنيات التي تعتقد أنها ستحدث التحول الأكبر في تجربة السفر؟
إن الإحساس بـ"الخيال العلمي" نابع من تلاقي عدة تقنيات في الوقت نفسه، وليس من اختراق واحد كبير. فعلى مستوى التخطيط المسبق، سيعمل الذكاء الاصطناعي كمرافق ذكي للسفر، يحول الأفكار العامة إلى مسارات سفر قابلة للتنفيذ، ويحدث الخطط بشكل ديناميكي وفي الوقت الفعلي. أما خلال الرحلة الفعلية، فستسهم تقنيات القياسات الحيوية والهوية الرقمية في تسهيل المرور عبر المطارات، مستبدلة تعدد عمليات التحقق من الوثائق بملف رقمي واحد موثوق.
كما سنشهد مزيدا من التجارب الواضحة في مجالات التنقل الذاتي، واستخدام الروبوتات في أدوار خدمية، إلى جانب تجارب غامرة تمزج بين العوالم الرقمية والفيزيائية، فمن المنتجعات الصحية التفاعلية إلى المتاحف والمنتزهات الترفيهية من الجيل الجديد. وما يبدو اليوم في طليعة الابتكار سيتحول سريعا إلى أمر متوقع: مساعدة الذكاء الاصطناعي في التخطيط، وشكل من أشكال الرحلة البيومترية عبر المحاور الرئيسية، وخيارات أكثر تخصيصا في الرحلات الجوية والفنادق. أما التحول الحقيقي فيكمن في أن المسافرين سيبدؤون باعتبار هذا المستوى من الذكاء والسهولة معيارا أساسيا، لا ميزة إضافية حصرية.

مع اعتماد المسافرين بشكل متزايد على الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تخطيط رحلاتهم، كيف ترى تطور دور وكالات السفر التقليدية؟
لا نعتقد أن المسألة ستكون خيارا ثنائيا بين الذكاء الاصطناعي والإنسان، بل إن سلسلة القيمة ستعاد هيكلتها. سيصبح الذكاء الاصطناعي المستشار الأول للعديد من المسافرين، يساعدهم على توضيح تفضيلاتهم، ومقارنة الخيارات، والقيام بالجزء الأكبر من البحث. لكن ذلك سيجعل دور المستشار البشري أكثر استراتيجية، لا أقل أهمية.
وبالنسبة لوكالات السفر، لا سيما في دول مجلس التعاون الخليجي، تكمن الفرصة في التمركز فوق الذكاء الاصطناعي لا في منافسته. أي استخدامه لأتمام المهام الروتينية، وتركيز الخبرة البشرية حيث تكون أكثر قيمة، فمن الرحلات المعقدة المتعددة المحطات، والسياحة الفاخرة عالية الإنفاق، وسفر الشركات، والمجموعات، والسياحة العلاجية أو الدينية، وكل ما يتطلب عناية خاصة، أو فهما دقيقًا للسياق المحلي، أو مهارات تفاوض. الوكالات التي ستنجح هي تلك التي تدمج الذكاء الاصطناعي في سير عملها، وتتموضع كمستشارين موثوقين ومنسقي تجارب وحلالي مشكلات عندما تصبح الأمور أكثر تعقيدا.
مع ازدياد السفر برفقة الحيوانات الأليفة بوتيرة سريعة حول العالم، ما المناطق أو الوجهات التي تتوقع أن تقود هذا التوجه في عام 2026؟
نحن نشهد بالفعل زخما قويا في أجزاء من أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا، حيث تتطور الأطر التنظيمية والبنية التحتية بسرعة. من ذلك تجارب القطارات الصديقة للحيوانات الأليفة في الصين، وتحديث القواعد للسماح باصطحاب الكلاب الأكبر حجما داخل مقصورات الطائرات في إيطاليا، ورحلات شارتر عبر الأطلسي والهادئ مخصصة للسفر مع الحيوانات الأليفة، إضافة إلى فنادق تطور برامج ولاء خاصة بالحيوانات. ومن المرجح أن تواصل هذه المناطق الريادة في عام 2026 لأنها توفق بين السياسات والمنتجات وطلب العملاء.
أما منطقة الخليج، فيمكنها بالتأكيد أن تحجز لنفسها موقعا مميزا في هذا المجال، لكن ذلك يتطلب تنسيقا حقيقيا. فالمقومات الأساسية متوافرة، من ارتفاع معدلات تربية الحيوانات الأليفة في الإمارات والسعودية، وزيادة الإنفاق على رعايتها، وقاعدة قوية من الضيافة الفاخرة. ولترسيخ موقع المنطقة كمركز جدي للسفر الصديق للحيوانات الأليفة، تحتاج شركات الطيران والفنادق إلى سياسات أوضح وأكثر اتساقًا، وتواصل أفضل حول المسارات والمنشآت التي ترحب بالحيوانات، وربما إطلاق عدد من المنتجات الرائدة. أما الجهات السباقة في هذا المجال، فستكون قادرة على بناء ولاء حقيقي لدى شريحة تتميز بارتباطها العاطفي واستعدادها العالي للإنفاق.
مع مطالبة المسافرين بتجارب فندقية أكثر تخصيصا، كيف سينعكس هذا التحول على المنافسة داخل قطاع الضيافة؟
أصبحت مسألة التخصيص خط تماس تنافسي حقيقي. فالفنادق القادرة على تفكيك تجربة الإقامة إلى عناصر واضحة مثل الإطلالة، وتصميم الغرفة، وميزات العافية، والتجهيزات التقنية، والقرب من المرافق وبيعها بشفافية، ستكون في موقع أقوى من تلك التي ما زالت تعتمد تسميات عامة مثل «قياسية» أو «ديلوكس». وبالنسبة للنزلاء، يحد أسلوب Pick ’n’ Stays من الفجوة بين التوقع والواقع، أما بالنسبة للفنادق، فيفتح مصادر إيرادات جديدة، إذ تظهر أبحاثنا استعدادا واضحا لدى الضيوف لدفع المزيد مقابل الخصائص التي تناسب تفضيلاتهم بدقة.

وخلال السنوات القليلة المقبلة، ستتزايد أهمية هذا التوجه لسببين رئيسيين. أولا، مع قيام أدوات التخطيط المدعومة بالذكاء الاصطناعي بعرض خيارات متزايدة، تحتاج الفنادق إلى وسائل أوضح للتميز عبر القنوات الرقمية، وتكون الخصائص التفصيلية للغرف أكثر جاذبية بكثير من الفئات العامة. ثانيًا، في مناطق مثل دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تلعب أنماط الحياة والعافية والتصميم دورا كبيرًا في قرارات الاختيار، فإن القدرة على تفصيل الإقامة وفق تفضيلات الضيف الدقيقة ستؤثر بشكل متزايد في معدلات الحجز والولاء. ولهذا نرى أن Pick ’n’ Stays يمثل تحولا هيكليا في القطاع، لا مجرد تعديل شكلي.