من "سكر بنات" إلى ترشيح الأوسكار وتكريم "ليبراتوم".. كيف صنعت نادين لبكي مسيرتها كمخرجة عربية؟
أعاد اختيار نادين لبكي للتكريم بجائزة "ليبراتوم للريادة" على هامش مهرجان فينيسيا الاهتمام بمسيرة المخرجة اللبنانية، التي وصلت بحكايات النساء والأطفال والمهمشين إلى جمهور عالمي، والنجاحات التي تجاوزت عرض أفلامها في المهرجانات إلى الفوز بالجوائز والمشاركة في لجان التحكيم، والتذكير ببداية رحلة نادين لبكي الناجحة من "سكر بنات"، إلى النجاح الجماهيري لفيلم "وهلأ لوين؟"، ووصول "كفرناحوم" إلى ترشيحات الأوسكار، والتي من خلالها صنعت مكانتها كمخرجة عربية ذات حضور دولي مؤثر.
"ليبراتوم" يحتفي بتجربة نادين لبكي السينمائية
تأتي أحدث محطات التقدير مع اختيار نادين لبكي لجائزة "ليبراتوم للريادة" لعام 2026، إلى جانب الفنانة مارينا أبراموفيتش والمخرج لي دانيلز، ضمن برنامج "ليبراتوم للفن والسينما" في فينيسيا، والتي استلمتها المخرجة اللبنانية بالتزامن مع الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان فينيسيا، في إطار احتفالها بمرور 25 عاما على تأسيسها، والجائزة تكريم تمنحه مؤسسة "ليبراتوم" ضمن برنامجها الثقافي المصاحب لأيام المهرجان.

اختيار لبكي من قبل المؤسسة يرجع لقدرتها على نقل قصص لبنان والمنطقة إلى الجمهور الدولي، وعلى تناول النزوح والفقر والصراع من خلال أعمال تجمع البحث الدقيق بالسرد السينمائي. وبذلك يرتبط التكريم بمجمل تجربتها وأثرها ، حيث استشهدت المؤسسة بفيلمي "كفرناحوم" و"وهلأ لوين؟"، واعتبرت أعمالها وسيلة لتعزيز التعاطف والتغيير الاجتماعي، وهو تقدير يعيد الاهتمام بالاختيارات التي بنت عليها حضورها منذ بدايتها.

نادين لبكي بين حكايات "سكر بنات" و"وهلأ لوين؟"
يعد فيلم "سكر بنات" محطة سينمائية مؤثرة في مسيرة نادين لبكي، فالفيلم يحكي عن قصة خمس نساء تختلف أعمارهن وتجاربهن، بين علاقة عاطفية معقدة والاستعداد للزواج، والخوف من التقدم في السن، والتضحية بالحياة الخاصة لرعاية أحد أفراد العائلة، وشاركت نادين لبكي في كتابة السيناريو مع جهاد حجيلي ورودني الحداد، إلى جانب الإخراج والتمثيل، لتقدم في أول أفلامها تفاصيل الضغوط التي تواجهها النساء، وعرض الفيلم ضمن تظاهرة "نصف شهر المخرجين" 2007 بمهرجان كان، وكان خطوة أولى قدمت من خلالها نفسها كصناعة مؤثرة في المنطقة العربية

وفي فيلمها الثاني "وهلأ لوين؟" حققت خطوة مهمة من خلال فوزه بجائزة اختيار الجمهور في مهرجان تورونتو السينمائي عام 2011، ومنحت هذه الجائزة تجربتها دلالة مختلفة عن مجرد المشاركة في المهرجانات، حيث جاء التقدير من تصويت المشاهدين، ليكشف عن نجاحها في تقديم خكايات تعبر عن مجتعها والظرةف التي يعيشها، وهذا ما وصل في النهاية للجمهور، وكان الفيلم محطة تزيد من حضورها السينمائي والقصص التي تقدمها تعبيرا عن مجتمعها.

أربع سنوات من البحث وراء "كفرناحوم"
فيلم "كفرناحوم" يعد مرحلة مختلفة في مسيرة نادين لبكي وخطوة أكثر صعوبة من ناحية فكرتها، حيث تدور قصة الفيلم حول طفل يقاضي والديه بسبب إنجابه، في حكاية تكشف عن الكثير من التفاصيل حول الفقر والحرمان وغياب الحماية، وكشفت نادين لبكي في مقابلة مع "أووردز ديلي" أنها أمضت أربع سنوات في البحث، والحديث مع أطفال وعائلات وعاملين اجتماعيين، وزيارة البيئات التي يعيشون فيها.

وكانت هذه المرحلة جزءا أساسيا من بناء الفيلم، وامتد ذلك إلى اختيار ممثلين غير محترفين، يعيش بعضهم ظروفا قريبة من شخصياتهم، وفي مقدمتهم الطفل زين الرافعي، وأوضحت لبكي في المقابلة أن هذا الاختيار ارتبط برغبتها في الوصول إلى أداء صادق، يحمل أثر التجربة الحقيقية، وتحدثت عن وجود الفكاهة وسط الظروف الصعبة، وهو جانب يساعد على فهم تنوع مشاعر الفيلم وأن الأطفال يحتفظون بقدرتهم على الضحك والمقاومة، حتى عندما تضيق حياتهم بالحرمان.

جائزة نادين لبكي في كان وترشيح للأوسكار
بلغت رحلة "كفرناحوم" محطة بارزة بفوزه بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان عام 2018، خلال الدورة التي ترأست لجنتها كيت بلانشيت، ثم وصل الفيلم إلى القائمة النهائية لجائزة أوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية عام 2019 ممثلا لبنان، إلى جانب "روما" و"الحرب الباردة" و"عمل بلا مؤلف" و"سارقو المتاجر"، وفاز بالجائزة فيلم "روما"، وكان الترشيح في فئة الفيلم الأجنبي، وهو المسمى المستخدم آنذاك للفئة المعروفة حاليا بأفضل فيلم دولي.

وجمعت هذه المرحلة بين تقدير لجنة مهرجان سينمائي كبير، والوصول إلى المنافسة النهائية في الأوسكار، كما منحت مسيرة لبكي تصاعدا واضحا عبر أفلامها الثلاثة، من تقديم عالم نسائي محدود المكان في "سكر بنات"، إلى مواجهة الانقسام في "وهلأ لوين؟"، ثم الاقتراب من طفولة محرومة في "كفرناحوم". وتكشف المقارنة بين هذه الأعمال عن اتساع موضوعاتها مع استمرار اهتمامها بالأشخاص الذين يواجهون ضغوطا أكبر من قدرتهم الفردية على تغييرها.

من عرض أفلامها إلى رئاسة لجان التحكيم
وامتد حضور نادين لبكي في كان إلى المشاركة في تقييم تجارب مخرجين آخرين، حيث انضمت إلى لجنة تحكيم "نظرة ما" عام 2015، ثم عادت رئيسة للجنة المسابقة نفسها عام 2019، قبل مشاركتها في لجنة تحكيم الأفلام الطويلة ضمن المسابقة الرسمية عام 2024، ويمنح تكرار اختيارها لهذه المناصب بعدا آخر، مرتبطا بموقعها داخل الوسط السينمائي الدولي بالإضافة لنجاح أعمالها كمخرجة.

وعند إعلان رئاستها لجنة "نظرة ما"، استرجعت لبكي تجربتها كطالبة سينما كانت تنتظر في الطوابير للحصول على تذاكر العروض، ثم تقدمها إلى برنامج الإقامة وهي تحمل الأمل والقلق، وكانت نادين لبكي بدات طريقها بدراسة الفنون السمعية والبصرية، ثم عملت في إخراج الإعلانات والفيديو كليبات، قبل انتقالها إلى الأفلام الروائية الطويلة وجاءت خطوة مهمة عام 2004، عندما شاركت في برنامج إقامة "سينيفونداسيون" التابع لمهرجان كان، لتطوير وكتابة فيلمها الأول "سكر بنات"، الذي صورته عام 2006.

الصور من حساب نادين لبكي وجائزة ليبراتوم على انستجرام.