خاص "هي"- فيلم "The Whisper Man".. الرعب الذي همس ثم صمت
اختفى طفل من منزله، ثم اكتشفت أن طريقة اختفاءه وقتله تشبه أسلوب قاتل متسلسل تعود لعقود. لكن القاتل في السجن، فهل الخاطف مقلد؟ أم مؤامرة معقدة يديرها القاتل من داخل سجنه؟ هذه هي الفكرة التي يبدأ منها فيلم الغموض The Whisper Man (الرجل الهامس)، فيلم نتفليكس المأخوذ عن رواية ألكس نورث الشهيرة، من إخراج جيمس أشكروفت، حيث يجمع سيناريو الفيلم بين كاتب روايات جريمة فقد زوجته حديثًا وابنه البالغ من العمر ثماني سنوات، وأب شرطي سابق هجر ابنه منذ الطفولة يعود إلى حياته مضطرًا إلى مواجهة ماضٍ لم يُغلق تمامًا، وباحثًا عن حفيده المفقود.
بداية مخيفة
في البداية، يملك الفيلم كل ما يحتاجه ليشد انتباه المشاهد: طفل مفقود، قاتل متسلسل مدان (مايكل كيتون) يُعرف باسم الرجل الهامس، وأب (آدم سكوت) وجد في مواجهة لغز قديم يبدو أنه عاد إلى الحياة. ثم يضيف الفيلم منزل مهجور مخيف وأغنية أطفال مقلقة، وصديقة خيالية، ورسائل صوتية على شرائط كاسيت قديمة تصل إلى ضحايا القاتل، فتبدو الحكاية المعاصرة وكأنها تتجه إلى رعب نفسي أكثر قتامة من مجرد تحقيق بوليسي.

لكن (الرجل الهامس) يبدد جزءًا كبيرًا من هذا الوعد كلما تقدم. فالفكرة التي تبدأ كلغز مخيف ومفتوح على احتمالات كثيرة تنتهي إلى حبكة أكثر تقليدية مما توحي به مقدماتها، بينما يظل السؤال طوال المشاهدة: هل كان (الرجل الهامس) يهمس فعلًا بالرعب، أم أن الفيلم نفسه لم يجد ما يقوله بعد الهمسة الأولى؟
يمنح (الرجل الهامس) في بدايته انطباعًا أفضل مما سيمنحه لاحقًا. فكرة اختطاف طفل مرتبطة بقاتل متسلسل قديمة، لكن الفيلم يعرف كيف يضع حولها ما يكفي من التفاصيل المقلقة ليجعل اللغز يبدو أكبر من مجرد قضية بوليسية.
هذه التفاصيل هي أفضل ما يفعله الفيلم في النصف الأول؛ لأنها لا تشرح الخطر بقدر ما تتركه يتسلل إلى المشهد. الصوت في المنزل الكئيب القاتم أهم من الصورة، والغياب أكثر إثارة من الظهور، وفكرة أن طفلًا صغيرًا قد يعرف شيئًا لا يعرفه الكبار تمنح الحكاية توترها الحقيقي.

هدوء دي نيرو وهمس كيتون
المشكلة الأوضح في مركز الفيلم ليست اللغز، بل العلاقة التي يفترض أن تمنحه ثقله الإنساني. روبرت دي نيرو يؤدي دور الأب، المحقق المتقاعد الذي يعود إلى حياة ابنه بعد سنوات من القطيعة، وهو رجل أنهكته حياة بائسة دمرها إدمان الخمر، وحرمانه من ابنه، وفشله في العثور على جثة آخر ضحايا القاتل. كل ذلك مفهوم على الورق، بل يمنح الشخصية أسبابًا كافية لتكون مثقلة ومكسورة، لكن أداء دي نيرو يأتي باردًا وباهتًا إلى درجة تؤثر في إيقاع الفيلم نفسه.
في المقابل، يملك مايكل كيتون مساحة أقل بكثير، لكنه يعرف كيف يستغلها. من الواضح أنه متحمس لدور القاتل الأصلي المسجون؛ فمقابلاته في السجن تحمل حضورًا مقلقًا وتضيف إلى القصة جرعة الإثارة التي تحتاجها، من دون أن يضطر الفيلم إلى شرح شخصيته أو استعراضها طويلًا. كيتون لا يحتاج إلى مساحة كبيرة كي يجعل "الرجل الهامس" حاضرًا ومخيفًا على الشاشة.

أما آدم سكوت، فيذهب إلى الاتجاه المعاكس تمامًا؛ يرفع صوته ويبالغ في الغضب والانفعال، ويحاول أن ينتزع من المشاهد إحساسًا بالعلاقة التي لا يستطيع شريكه في المشهد أن يمنحها له. والنتيجة أن الأب والابن يبدوان أقل شبهًا بعائلة تحمل تاريخًا مؤلمًا، وأكثر شبهًا بممثلين يؤدي كل منهما فيلمًا مختلفًا.
وهذا مؤسف؛ لأن السيناريو كان يملك مادة درامية كافية: أب وابن منفصلان، وفقد قديم، وحفيد يختفي في ظروف تعيد فتح جروح لم تلتئم. لكن الفيلم يكتفي بالإشارة إلى هذه الخلفية بدل أن يجعلها جزءًا حيًا من العلاقة، وهذا يعود إلى قرار السيناريو بحذف كثير من تفاصيل علاقة البطل وأبيه من الرواية والتركيز على تفاصيل الإثارة البوليسية، مما يخلق ثغرة كبيرة في دراما الفيلم وخلفية الشخصيات.

شخصيات عاطلة وصور بلا هوية
ولا تتوقف مشكلة الفيلم عند الأب والابن؛ فمعظم الشخصيات تبدو وكأنها صُممت لتأدية وظيفة محددة داخل اللغز، ثم تتراجع بمجرد أن تؤديها. لا يمنح السيناريو الشخصيات الرئيسية أو الجانبية مساحة حقيقية لفهم دوافعها أو صدماتها، ويكتفي بإشارات عابرة إلى الفقد والعلاقة بين الآباء والأبناء.
وهذا ينعكس على التشويق نفسه. فالغموض يحتاج إلى شخصيات نشعر بأن لديها شيئًا تخسره، لا مجرد شخصيات تتحرك من معلومة إلى أخرى. لذلك، حتى عندما يقترب الخطر من الشخصيات، يبقى أثره النفسي محدودًا؛ لأن الفيلم لم يمنحنا وقتًا كافيًا لنعرفهم قبل أن يضعهم في مواجهة الخطر.
وسط هذه التشابكات تمنح ميشيل موناجان شخصية المحققة الدؤوبة أماندا بك وهذا يهمش الدور الشرطي الخافت لدي نيرو في كثير من المشاهد.
حتى بصريًا، لا يمنح الفيلم هذا العالم هوية بصرية خاصة. الكاميرا تنقل صور رمادية مسطحة، وتعتمد على الإضاءة المعتمة، والمساحات الداخلية التي يفترض أن تكون مصدرًا للتوتر، بعد بدايات ناجحة يتكرر الأمر بفتور فتمر أمام العين من دون أن تترك أثرًا جماليًا واضحًا أو تضيف شيئًا إلى الحكاية. كان يمكن للبيوت الكئيبة والأجواء المعزولة أن تمنح الفيلم عمقًا مع تطور الأحداث، لكن الإخراج تعامل معها بوصفها أماكن تتحرك فيها الشخصيات أكثر من كونها جزءًا من الرعب نفسه.

حين يفقد الرعب الإيقاع
المشكلة الأكبر في الإخراج تظهر مع مرور الوقت. فبعد بداية مشدودة، يترهل النصف الأوسط بوضوح، وتتحول بعض المشاهد إلى تكرار بطيء لمحاولات البحث وكشف الخيوط وإجراءات شرطية رتيبة، من دون تصعيد حقيقي يحافظ على التوتر.
كان يفترض أن يدفع كل اكتشاف جديد الحكاية خطوة إلى الأمام، لكن الإيقاع يتوقف أكثر من مرة عند النقطة نفسها، فيصبح الانتظار طويلًا ورتيبًا. ومع غياب العمق الكافي للشخصيات، لا يجد هذا البطء ما يعوضه؛ فلا نحن نغوص أكثر في دوافعها، ولا نقترب بالسرعة المطلوبة من حل اللغز.
حين يصل الفيلم إلى فصله الأخير، يبدو كأنه أدرك فجأة أن عليه إنهاء كل ما بدأه. تتسارع عملية كشف خيوط اللغز، وتأتي التفسيرات على نحو لا يبدو مقنعًا بما يكفي، ثم تنتقل الحكاية إلى مواجهة وصراع بدني مبتذل.
المشكلة ليست أن النهاية مفاجئة، بل أنها مستعجلة. فبدل أن يكون الكشف نتيجة طبيعية لكل ما زرعه الفيلم، يبدو أحيانًا كأنه محاولة للحاق بالوقت، ثم تأتي الانعطافة الأخيرة لتترك أسئلة معلقة بدل أن تمنح الحكاية النهاية التي كانت تحتاجها. كثير من التغييرات التي وضعها السيناريو على الرواية حقق هدفه الأهم وهو تقديم النسخة السينمائية من القصة، ولكن أغلب الأحداث والتحولات جاءت متوقعة وتفتقد ذكاء هذا النوع من أعمال الغموض والجريمة.

الرجل الهامس والرعب الخافت
ربما تكمن مشكلة الفيلم الأساسية في أنه يملك عناصر رعب أفضل من النتيجة النهائية. الأجواء والغموض وماضي الشخصيات، والقاتل الذي ظل اسمه حاضرًا في الحكاية لعقود، كلها تفتح الباب أمام فيلم أكثر ظلمة وإزعاجًا.
لكن الفيلم يختار في النهاية الطريق الأسهل: لغز بوليسي تقليدي، شخصيات محدودة العمق، إيقاع يتعثر في المنتصف، ثم كشف سريع يحاول جمع الخيوط قبل أن تنفلت منه.

لهذا لا يخرج "الرجل الهامس" من الفيلم كشخصية مرعبة تعلق في الذاكرة، بل كفكرة جيدة استُهلكت وتعجلت قبل أن تجد شكلها الدرامي الأفضل.
The Whisper Man ليس فيلمًا فاشلًا بقدر ما هو فيلم لم يعرف ماذا يفعل بفكرته الجيدة. يبدأ بوعد واضح بفيلم جريمة ورعب نفسي، ويملك من العناصر ما يكفي لصناعة تجربة أكثر قتامة، لكنه يتخلى تدريجيًا عن أكثر ما يميزه لصالح حبكة مألوفة وشخصيات لا تترك أثرًا كبيرًا.
وربما لهذا تكون خيبة الأمل أكبر من الفيلم نفسه؛ لأن المشكلة لم تكن في غياب الفكرة، بل في أن الرجل الهامس كان لديه الكثير ليقوله، بينما الفيلم لم يجد سوى الهمس.