سلسلة "إينولا هولمز"

مراجعة "هي" - فيلم "Enola Holmes 3".. ألغاز غير مكتملة وبطلة تتعثر في ملابس الشخصية!

30 يوليو 2026

ليس من الصعب أن نفهم سبب نجاح سلسلة "إينولا هولمز" (Enola Holmes) منذ بدايتها؛ فقد قدمت "ميلي بوبي براون" كبطلة شابة تتمتع بخفة الظل، وحضور كاريزمي، وأسلوب مرح في كسر الجدار الرابع والتحدث للجمهور، داخل مغامرات بوليسية خفيفة تناسب جمهورًا واسعًا من المراهقين والشباب. لكن استمرار أي سلسلة لا يعتمد على تكرار العناصر التي صنعت نجاحها الأول، بقدر ما يعتمد على قدرتها على تطويرها وإعادة تقديمها في سياقات جديدة.

زفاف و قضية

يحاول فيلم "Enola Holmes 3"  "إينولا هولمز 3" توسيع عالم الشخصية من خلال قضية أكثر تعقيدًا ورحلة أكثر نضجًا، إلا أن هذا الطموح لا ينعكس بالقدر نفسه على السيناريو أو بناء اللغز البوليسي. فكلما تقدم الفيلم، بدا وكأنه يعيد إنتاج الصيغة التي اعتادها الجمهور، مع تغييرات محدودة لا تكفي لمنح التجربة إحساسًا حقيقيًا بالتجدد، لتبقى النتيجة عملًا يفتقد عنصر المفاجأة أكثر مما يفتقد عناصر الإنتاج.

ينطلق الجزء الثالث من نقطة تبدو واعدة؛ فإينولا هولمز تستعد للزواج من اللورد توكسبري
ينطلق الجزء الثالث من نقطة تبدو واعدة؛ فإينولا هولمز تستعد للزواج من اللورد توكسبري

ينطلق الجزء الثالث من نقطة تبدو واعدة؛ فإينولا هولمز تستعد للزواج من اللورد توكسبري، قبل أن يقلب اختفاء شيرلوك هولمز مجرى الأحداث، لتجد نفسها أمام قضية جديدة تمتد خيوطها من شوارع مالطا إلى دوائر النفوذ، في محاولة للجمع بين اللغز البوليسي والمغامرة والعلاقات الإنسانية داخل قصة واحدة.

وعلى الورق، تبدو هذه العناصر قادرة على تقديم أكثر أجزاء السلسلة طموحًا. لكن السيناريو لا يكتفي بخط التحقيق الرئيسي، بل يحيطه بعدد كبير من المسارات الدرامية؛ فيمنح مساحة لقصة الحب، واستعدادات الزفاف، وصدام إينولا مع قيود المجتمع الأرستقراطي، إلى جانب المطاردات والمؤامرات والشخصيات الجديدة. ومع مرور الوقت، لا تصبح هذه الخطوط عناصر تثري الحبكة، بل تتحول إلى محطات متكررة تقطع تدفق التحقيق، فيفقد اللغز البوليسي تماسكه ورشاقته، رغم أنه يفترض أن يكون القلب النابض للفيلم.

تواجه إينولا صدام مع قيود المجتمع الأرستقراطي
تواجه إينولا صدام مع قيود المجتمع الأرستقراطي

أزمة اللغز

منذ الجزء الأول، لم تكن سلسلة "إينولا هولمز" تعتمد على تعقيد ألغازها بقدر اعتمادها على متعة ملاحقة الخيوط مع بطلة تتمتع بسرعة البديهة وخفة الظل. لكن الجزء الثالث يضع اللغز نفسه وسط عدد كبير من الخطوط الدرامية التي تتنافس على قيادة الأحداث بدلًا من خدمة التحقيق.

ولهذا لا تكمن المشكلة في سهولة حل اللغز فحسب، بل في أن الفيلم لا يمنحه الوقت الكافي لينمو بصورة طبيعية. فكلما بدأ التحقيق في بناء إيقاعه، ينتقل السيناريو إلى خط آخر؛ مرة لتطوير العلاقة بين إينولا وتوكسبري، وأخرى للحديث عن الاستعدادات للزفاف، ثم إلى مشاهد الكوميديا الناتجة عن اصطدام البطلة ببروتوكولات المجتمع الأرستقراطي، قبل أن يعود مجددًا إلى المطاردات أو المؤامرة الرئيسية. وهكذا تتراجع متعة الاكتشاف تدريجيًا، لأن المشاهد لم يعد يقضي معظم وقته في حل القضية، بل في متابعة القصص التي تدور حولها.

 الجزء الثالث يضع لغز وسط عدد كبير من الخطوط الدرامية
 الجزء الثالث يضع لغز وسط عدد كبير من الخطوط الدرامية

والنتيجة أن الفيلم لا يعاني من ضعف الفكرة الأساسية بقدر ما يعاني من تشتيت الانتباه عنها. فبدلًا من أن تصبح كل هذه العناصر أدوات تزيد من تعقيد القضية، تتحول إلى محطات توقف متكررة، تجعل اللغز يبدو وكأنه واحد من عدة خطوط متوازية، لا المحور الذي تدور حوله التجربة بأكملها.

إينولا والمجتمع الأرستقراطي

كان من الطبيعي أن يدفع الجزء الثالث بشخصية إينولا إلى منطقة درامية مختلفة، فالسلسلة لا تستطيع أن تبقي بطلتها في المكان نفسه إلى الأبد. ولهذا يضعها الفيلم أمام عالم لم تنتمِ إليه يومًا؛ عالم اللوردات، بما يفرضه من قواعد صارمة، وملابس رسمية، وسلوكيات محسوبة، بالتزامن مع استعدادها للزواج من توكسبري.

قدمت ميلي بوبي براون داخل مغامرات بوليسية خفيفة تناسب جمهورًا واسعًا
قدمت ميلي بوبي براون داخل مغامرات بوليسية خفيفة تناسب جمهورًا واسعًا

وتقوم هذه الفكرة على مفارقة درامية جذابة؛ فإينولا التي عرفها الجمهور وهي تركض في الأزقة، وتتسلق الجدران، وتقفز فوق الأسطح، وتفضل الملابس العملية التي تمنحها حرية الحركة، تجد نفسها مطالبة بالالتزام ببروتوكولات لا تشبهها. ويستثمر الفيلم هذه المفارقة في عدد من المواقف الكوميدية التي تستمد خفتها من التناقض بين طبيعة البطلة والعالم الذي تحاول التأقلم معه.

غير أن هذه المساحة، على الرغم من طرافتها، تمتد أحيانًا على حساب الشخصية نفسها. فبدلًا من أن تصبح جزءًا من تطور إينولا كمحققة، تتحول إلى خط مستقل ينافس التحقيق على اهتمام الفيلم. وهكذا تبدو رحلة البطلة موزعة بين أكثر من اختبار في الوقت نفسه؛ إثبات ذاتها داخل المجتمع الأرستقراطي، والاستعداد للزواج، وحل القضية، من دون أن يحظى أي من هذه المسارات بالتركيز الكافي ليبلغ ذروته الدرامية.

الفيلم لا يعاني من ضعف الفكرة الأساسية بقدر ما يعاني من تشتيت الانتباه عنها
الفيلم لا يعاني من ضعف الفكرة الأساسية بقدر ما يعاني من تشتيت الانتباه عنها

ولا يمكن فصل هذا التحول عن أداء ميلي بوبي براون، التي لا تزال تمتلك الحضور الذي جعلها واحدة من أكثر الممثلات الشابات جاذبية منذ انطلاقتها في Stranger Things، قبل أن تحمل على عاتقها مسؤولية تقديم شقيقة أشهر محقق بوليسي في الأدب، وتصبح من خلال شخصية إينولا نموذجًا لامرأة شابة تؤمن بقدرتها على رسم مصيرها في مجتمع لا يعترف بسهولة باستقلاليتها. ولا تزال براون تحتفظ بخفة الظل وروح الدعابة وسرعة الإيقاع التي ميّزت الشخصية منذ ظهورها الأول، لكن أداءها في هذا الجزء يبدو أقل تلقائية من السابق؛ إذ يتذبذب بين العفوية التي اعتادها الجمهور، ومحاولة واعية لاستعادة تلك العفوية، فتنشأ حالة فتور في أداء ميلي يصعب تفسيرها. ويبدو أن السبب يعود، في جانب منه، إلى السيناريو الذي يوزع الشخصية بين أدوار عديدة، فلا يمنحها المساحة الكافية لتبقى المحققة المتمردة التي أحبها الجمهور، ولا يكتمل في الوقت نفسه بتحويلها إلى امرأة تقف على أعتاب مرحلة جديدة من حياتها.

ميلي بوبي براون من أكثر الممثلات الشابات جاذبية منذ انطلاقتها في Stranger Things
ميلي بوبي براون من أكثر الممثلات الشابات جاذبية منذ انطلاقتها في Stranger Things

شخصيات الظهور الخاص

على الرغم من تذبذب السيناريو، يستفيد الفيلم من طاقم تمثيل يعرف جيدًا طبيعة هذا العالم. فيقدم هيميش باتل نسخة هادئة ومتزنة من الدكتور واطسون، بعيدة عن المبالغة، بينما يواصل لويس بارتريدج أداءه الواثق في دور اللورد توكسبري، محافظًا على الكيمياء التي جمعته بإينولا منذ الجزء الأول، ليظل حضوره عنصرًا داعمًا للعلاقة بين الشخصيتين، بعيدًا عن الاستعراض أو المبالغة.

 الشخصيات المساندة تؤدي وظائفها بقدر كبير من الكفاء
الشخصيات المساندة في الفيلم تؤدي وظائفها بقدر كبير من الكفاء

أما الظهور الخاص لكل من هنري كافيل في دور شيرلوك هولمز وهيلينا بونهام كارتر في دور يودوريا هولمز، فيؤكد مرة أخرى أن بعض الممثلين يمتلكون قدرة نادرة على منح المشهد ثقله بمجرد الوجود فيه. فلا يحتاج أي منهما إلى مشاهد طويلة أو خطوط درامية معقدة حتى يفرض حضوره؛ إذ تكفي إطلالة كافيل الهادئة وهيبته المعتادة، أو الطاقة الخاصة التي تحملها هيلينا بونهام كارتر، ليكتسب المشهد قدرًا إضافيًا من الحيوية والجاذبية، حتى وإن ظل دوراهما محدودين داخل البناء العام للفيلم.

وربما تكمن المفارقة في أن الشخصيات المساندة تؤدي وظائفها بقدر كبير من الكفاءة، بينما يبقى الخلل الحقيقي في الطريقة التي يوظف بها السيناريو هذه الشخصيات داخل الحكاية، لا في أداء الممثلين أنفسهم.

 يستفيد الفيلم من طاقم تمثيل يعرف جيدًا طبيعة هذا العالم
يستفيد الفيلم من طاقم تمثيل يعرف جيدًا طبيعة هذا العالم

مغامرة في مالطا

إذا كان السيناريو قد تعثر في الحفاظ على تماسكه، فإن الجانب البصري ينجح في تعويض جزء من هذه الهفوات. فمنذ اللحظات الأولى يضع الفيلم المشاهد داخل عالم أوروبي في مطلع القرن العشرين يبدو غنيًا بالتفاصيل، بدءًا من العمارة والشوارع التاريخية، مرورًا بالقصور وقاعات الاحتفالات، وصولًا إلى الأزياء والإكسسوارات التي تعكس الفوارق الاجتماعية بين الشخصيات، من دون أن تبدو مجرد عناصر للزينة.

من اللحظات الأولى يضع الفيلم المشاهد داخل عالم أوروبي في مطلع القرن العشرين
من اللحظات الأولى يضع الفيلم المشاهد داخل عالم أوروبي في مطلع القرن العشرين

وتؤدي مواقع التصوير دورًا مهمًا في ترسيخ هذا الإحساس؛ فمالطا، بما تحمله من شوارع حجرية وحصون وإطلالات بحرية، لا تتحول إلى خلفية سياحية، بل تصبح جزءًا من هوية الفيلم، وتمنح المغامرة اتساعًا بصريًا يميزها عن الجزأين السابقين. كما تضيف تصميمات الديكور والملابس قدرًا من الفخامة والدفء، ينسجم مع طبيعة الحكاية ويعزز انتماءها إلى حقبتها التاريخية، من دون الوقوع في استعراض بصري فارغ.

أما الإخراج، فيحافظ على الإيقاع الخفيف الذي عُرفت به السلسلة، ويقدم الأحداث بلغة بصرية واضحة وسهلة المتابعة، تراعي جمهورها المستهدف من المراهقين والشباب، من دون أن تتحول إلى عمل طفولي. وتتنقل الكاميرا بسلاسة بين لحظات التحقيق والكوميديا والأكشن، مع حرص واضح على إبقاء الأجواء مرحة ومفعمة بالحيوية حتى في أكثر المشاهد توترًا.

عندما يتراجع تركيز السيناريو تبقى الصورة قادرة على الاحتفاظ بجاذبية المشاهدة للفيلم
عندما يتراجع تركيز السيناريو تبقى الصورة قادرة على الاحتفاظ بجاذبية المشاهدة للفيلم

ولعل هذا هو أحد أكبر مكاسب الفيلم؛ فحتى عندما يتراجع تركيز السيناريو، تبقى الصورة قادرة على الاحتفاظ بجاذبية المشاهدة، بفضل عالم مصمم بعناية، وإخراج يعرف كيف يجعل الرحلة ممتعة، حتى وإن لم تكن دائمًا بالقدر نفسه من الإحكام الدرامي.

تكمن المشكلة في أن الفيلم لا يعرف أي فيلم يريد أن يكون. فهو يبدأ كقصة تحقيق بوليسي، ثم يتحول إلى دراما رومانسية مع اقتراب زفاف إينولا وتوكسبري، قبل أن يتوقف طويلًا عند الكوميديا الناتجة عن محاولة البطلة التأقلم مع بروتوكولات المجتمع الأرستقراطي، ثم يعود إلى المطاردات والمؤامرات. وبدلًا من أن تتكامل هذه العناصر، تبدو وكأنها تتناوب على خطف اهتمام الفيلم، فيفقد اللغز البوليسي مكانته بوصفه المحرك الرئيسي للأحداث.

تكمن المشكلة في أن الفيلم لا يعرف أي فيلم يريد أن يكون
تكمن المشكلة في أن الفيلم لا يعرف أي فيلم يريد أن يكون

ولهذا يخرج "إينولا هولمز 3" فيلمًا ممتعًا في لحظاته، جميلًا في عالمه، لكنه أقل إحكامًا من أن يقدم أفضل مغامرات المحققة الشابة حتى الآن.

الصور من حساب Netflix.

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.