مسلسل I Will Find You

مراجعة "هي" - هارلان كوبن بين الشك واليقين... هل كسر I Will Find You قالب نتفليكس المعتاد؟

10 يوليو 2026

هناك نوعان من مسلسلات الجريمة والتشويق. الأول يجعل المشاهد يطرح سؤالًا بسيطًا: "من فعلها؟". أما الثاني، وهو النوع الأصعب، فيبدأ بتقويض كل ما يعتقد المشاهد أنه يعرفه، حتى يتحول السؤال تدريجيًا إلى: "هل كانت الحقيقة التي صدقتها موجودة أصلًا؟".

ينتمي I Will Find You بوضوح إلى الفئة الثانية. فهو لا يبني حكايته على جريمة غامضة أو مطاردة قاتل مجهول، بقدر ما يبنيها على انهيار يقين بدا راسخًا لسنوات، ويجعل من الشك المحرك الحقيقي لكل شخصية، لا مجرد وسيلة لخلق التشويق.

ويُعرض المسلسل حاليًا على منصة نتفليكس، في أحدث اقتباس تلفزيوني لأعمال الكاتب هارلان كوبن.

هذه الفكرة لا تخص ديفيد بوروز وحده، الأب الذي يقضي عقوبة السجن بعد إدانته بقتل ابنه، قبل أن تصله معلومة تشير إلى أن الابن حي، فتقلب حياته رأسًا على عقب. فكل خيط جديد لا يضيف معلومة، بقدر ما ينتزع يقينًا سابقًا، وكل إجابة تقود إلى سؤال أكثر تعقيدًا، حتى يصبح البحث عن الحقيقة رحلة لإعادة بناء الماضي.

I Will Find You لا يبني حكايته على جريمة غامضة أو مطاردة قاتل مجهول
I Will Find You لا يبني حكايته على جريمة غامضة أو مطاردة قاتل مجهول

ديفيد بوروز

ولهذا يختار المسلسل أن يدخل إلى عالمه عبر ديفيد بوروز، لا لأنه أكثر شخصياته إثارة، بل لأنه الأكثر هشاشة أمام انهيار يقينه. فعندما تبدأ الأحداث، لا يواجه رجلًا يحاول إثبات براءته بقدر ما نرى أبًا استسلم لفكرة أن ابنه مات، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى هدم هذا اليقين عندما تصله إشارة واحدة توحي بأن كل ما بُني عليه حكم الإدانة قد يكون خاطئًا. ومنذ هذه اللحظة، لا يعود السؤال هو كيف سيخرج من السجن، بل كيف يمكن لإنسان أن يعيد ترتيب حياته بعدما اكتشف أن أكثر حقائقها رسوخًا ربما لم تكن موجودة أصلًا.

I Will Find You
بطلة مسلسل I Will Find You

ويحسب للسيناريو أنه لا يتعامل مع هذا التحول باعتباره ذريعة لإطلاق المطاردات أو المفاجآت المتلاحقة، بل يجعله الدافع الحقيقي وراء كل قرار يتخذه ديفيد لاحقًا. ولهذا تبدو دوافعه الإنسانية أكثر إقناعًا من تفاصيل المؤامرة نفسها، لأن المسلسل لا يطلب من المشاهد أن يصدق كل منعطف جديد، بقدر ما يطلب منه أن يصدق إصرار أب لم يعد يملك خيارًا سوى مواصلة البحث، مهما أصبحت الحقيقة أكثر تعقيدًا.

ويمنح سام ورثينجتون الشخصية حضورًا يقوم على الكبت أكثر من الانفعال، فيعكس ثقل السنوات التي قضاها خلف القضبان، والشعور الدائم بالإنهاك الذي يرافق رجلًا فقد أسرته وحريته معًا. غير أن هذا الأداء، رغم صدقه، يبقى شديد التحفظ في بعض اللحظات، فيترك بينه وبين المشاهد مسافة عاطفية لا ينجح السيناريو دائمًا في تجاوزها.

يختار المسلسل أن يدخل إلى عالمه عبر ديفيد بوروز
يختار المسلسل أن يدخل إلى عالمه عبر ديفيد بوروز

سلاح ذو حدين

ومن هنا تتكشف طريقة هارلان كوبن في صناعة التشويق. فالتشويق في I Will Find You  لا يقوم فقط على إخفاء هوية الجاني أو تأجيل الإجابة الأخيرة، بقدر ما يقوم على إعادة تعريف الحقيقة مع نهاية كل حلقة. فكل اكتشاف جديد لا يجيب عن سؤال قائم، بل يعيد صياغته بالكامل، ويجبر الشخصيات والمشاهد معًا، على مراجعة ما اعتقدوا أنهم فهموه قبل لحظات. ولهذا تبدو الانعطافات الدرامية جزءًا من بنية السرد نفسها، لا مجرد مفاجآت تُلقى في وجه المتلقي لإبقائه متيقظًا.

سيناريو المسلسل لا يهدر وقتًا طويلًا في التمهيد أو الشرح
سيناريو المسلسل لا يهدر وقتًا طويلًا في التمهيد أو الشرح

وتساعد الوتيرة السريعة للأحداث على ترسيخ هذا الإحساس. فالسيناريو لا يهدر وقتًا طويلًا في التمهيد أو الشرح، بل يدفع خطوطه المختلفة إلى الأمام منذ الحلقات الأولى، متنقلًا بين السجن، والتحقيق، والهروب، والعلاقات العائلية، وخيوط المؤامرة بإيقاع يكاد لا يمنح المشاهد فرصة لالتقاط أنفاسه. ويعزز المونتاج هذا الإيقاع عبر نهايات حلقات محسوبة بعناية، تجعل كل كشف جديد يبدو وكأنه بداية للغز آخر. ولذلك يبدو العمل أقرب إلى تجربة مشاهدة متصلة، منه إلى مسلسل تُفصل حلقاته أيام انتظار.

غير أن هذا الإيقاع نفسه يتحول أحيانًا إلى سلاح ذي حدين. فحرص السيناريو على الحفاظ على مستوى مرتفع من التشويق يدفعه، في بعض المنعطفات، إلى الاعتماد أحيانًا على مصادفات أو حلول تبدو وكأنها وُجدت لدفع الأحداث إلى الأمام أكثر من كونها نابعة من تطورها الطبيعي. وهي ملاحظة لا تفقد العمل قدرته على الإمساك بانتباه المشاهد، لكنها تجعل بعض الحلول تبدو مقنعة دراميًا أكثر من كونها مقنعة منطقيًا.

 I Will Find You  لا يقوم على إخفاء هوية الجاني بل على إعادة تعريف الحقيقة
 I Will Find You لا يقوم على إخفاء هوية الجاني بل على إعادة تعريف الحقيقة

زحام الشخصيات

لكن البحث عن الحقيقة لا يبقى مهمة ديفيد وحده. فكلما اتسعت دائرة الشخصيات المحيطة به، اتضح أن المسلسل لا يستخدمها لتقديم معلومات جديدة فحسب، بل ليجعل كل شخصية ترى الماضي بطريقة مختلفة. وتأتي الصحفية راشيل، شقيقة زوجة بوروز السابقة، في مقدمة هذه الشخصيات؛ فهي لا تؤدي دور المساعدة التقليدية التي تدفع البطل إلى الأمام، بل تمثل الشرارة التي تهدم يقينه الأول، ثم تغدو تدريجيًا شريكًا في رحلة البحث عن حقيقة لم تعد تخص ديفيد وحده. ولهذا تنجح العلاقة بينهما في تجاوز وظيفة الحبكة، وتمنح كلًا منهما فرصة يكشف من خلالها جانبًا مختلفًا من الخسارة والذنب والأمل.

اتساع الشخصيات في المسلسل لا يحافظ على الدرجة نفسها من التوازن
اتساع الشخصيات في المسلسل لا يحافظ على الدرجة نفسها من التوازن

ويمتد هذا الأسلوب إلى خط التحقيق الذي يقوده عملاء الـFBI، حيث لا يقدم السيناريو المؤسسة الرسمية باعتبارها خصمًا مباشرًا للبطل، ولا بوصفها المُنقذ الذي سيكشف الحقيقة في النهاية، بل يجعلها طرفًا آخر يفسر الوقائع من زاوية مختلفة. وبدل أن تتحرك جميع الشخصيات في الاتجاه نفسه، يترك لكل منها مسارها الخاص، وهو ما يمنح شبكة الأحداث قدرًا ملحوظًا من الحيوية، ويجعل الحقيقة تتشكل تدريجيًا من تصادم هذه المسارات، لا من اكتشاف واحد يقلب كل شيء.

غير أن هذا الاتساع في الشخصيات لا يحافظ على الدرجة نفسها من التوازن طوال الموسم. فمع تقدم الأحداث، يضيف المسلسل عددًا كبيرًا من المحققين، والشهود، وشركاء المؤامرة، وبعض الخطوط الجانبية التي تبدو واعدة عند ظهورها، قبل أن تتراجع سريعًا أو تُغلق على عجل مع اقتراب النهاية. ولا يفقد ذلك الحبكة تماسكها، لكنه يجعل منتصف الموسم أكثر ازدحامًا مما يحتاج إليه، فتغادر بعض الشخصيات الموسم قبل أن تستثمر الإمكانات التي وعدت بها عند ظهورها الأول.

 يقدم السيناريو المؤسسة الرسمية باعتبارها خصمًا مباشرًا للبط
لا  يقدم السيناريو المؤسسة الرسمية باعتبارها خصمًا مباشرًا للبط

ثمن التشويق

وإذا كان المسلسل ينجح في الحفاظ على توتره عبر هذا التدفق المستمر للمفاجآت، فإن الثمن يصبح أكثر وضوحًا مع اقتراب النهاية. فبعد موسم كامل من توسيع دائرة الشكوك، وبناء شبكة معقدة من الأسرار والعلاقات المتشابكة، تميل الحلقة الأخيرة إلى تفكيك هذا البناء بسرعة لا تمنح المشاهد الوقت الكافي لاستيعاب ما بناه المسلسل طوال الحلقات السابقة. ولا يعود السبب إلى الحل نفسه، بقدر ما يعود إلى الطريقة التي يختار بها السيناريو كشفه؛ إذ تتحول بعض المواجهات الحاسمة إلى حوارات تشرح ما جرى بدل أن تترك الأحداث تكشفه بنفسها، وهو ما يقلل من الأثر الدرامي الذي صنعه العمل بصبر منذ حلقاته الأولى.

تتحول بعض المواجهات الحاسمة إلى حوارات تشرح ما جرى
تتحول بعض المواجهات الحاسمة في المسلسل إلى حوارات تشرح ما جرى

ولا يقتصر الأمر على إيقاع الخاتمة وحده، بل يمتد إلى بعض الاختيارات التي تعكس الطريقة التي اعتادت نتفليكس تقديم اقتباسات هارلان كوبن من خلالها. فزوايا التصوير، وطريقة تقديم الانعطافات، وحتى بعض الإيقاعات الموسيقية، تمنح العمل هوية بصرية مألوفة لمحبي هذه السلسلة من الأعمال، لكنها تجعل تمييزه بصريًا عن اقتباسات كوبن الأخرى أصعب في بعض الأحيان. وهي ملاحظة لا تنتقص من كفاءة التنفيذ، بقدر ما تشير إلى أن المسلسل يفضل الحفاظ على هوية إنتاجية مألوفة، بدل البحث عن بصمة بصرية أكثر خصوصية.

ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تطغى على الانطباع العام الذي يتركه المسلسل، لأنها تمس طريقة تقديم الحقيقة أكثر مما تمس الحقيقة نفسها. فالقوة الحقيقية للعمل لا تكمن في هوية المتورطين أو طبيعة المؤامرة، بل في الرحلة النفسية التي يفرضها على شخصياته ومشاهديه معًا؛ رحلة تبدأ بيقين لا يقبل الشك، وتنتهي بشك يجعل العودة إلى ذلك اليقين مستحيلة.

 الحلقة الأخيرة لا تمنح المشاهد الوقت لاستيعاب ما بناه المسلسل طوال الحلقات السابقة
 الحلقة الأخيرة لا تمنح المشاهد الوقت لاستيعاب ما بناه المسلسل طوال الحلقات السابقة

 كثير من الأسئلة

ولهذا يتجاوز I Will Find You كونه مسلسل تشويق مقتبسًا عن رواية لهارلان كوبن. فهو لا يطلب من المشاهد أن يطارد الحقيقة، بقدر ما يدفعه إلى التشكيك في كل حقيقة يصل إليها. ومع كل منعطف جديد، لا تتكاثر الأسئلة فحسب، بل يصبح اليقين نفسه أقل صلابة، حتى يبدو الماضي وكأنه يتغير كلما اقتربنا منه أكثر.

ورغم بعض المبالغة في تعقيد الحبكة، واعتمادها أحيانًا على مخارج سريعة أو صدف درامية تخدم الإيقاع أكثر مما تخدم المنطق، فإن المسلسل لا يفقد قدرته على الإمساك بانتباه المشاهد، لأن رهانه الحقيقي لم يكن معرفة من أخطأ، بل فهم الكيفية التي يمكن أن ينهار بها عالم كامل عندما يكتشف الإنسان أن أكثر ذكرياته رسوخًا ربما كانت مبنية على وهم.

 يتجاوز I Will Find You كونه مسلسل تشويق مقتبسًا عن رواية
يتجاوز I Will Find You كونه مسلسل تشويق مقتبسًا عن رواية

ولهذا، عندما تنتهي الحلقة الأخيرة، لا يبقى السؤال الذي بدأ به المسلسل: "ماذا حدث؟"، بل السؤال الذي بدأ به هذا المقال منذ سطوره الأولى: "كم حقيقة في حياتنا نعتبرها يقينًا لأننا لم نملك سببًا كافيًا للشك فيها؟".

الصور من حساب نتفليكس.

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.