فيلم Backrooms

من القصور المسكونة إلى الممرات الصفراء.. كيف حاول فيلم Backrooms تغيير سينما الرعب؟

20 يونيو 2026

كلما أرادت أفلام الرعب إخافة جمهورها، عادت إلى الأماكن المهجورة. القصور القديمة التي تقف وحيدة فوق التلال، الأديرة المنسية في أطراف الغابات، البيوت القديمة التي تخفي أسرارًا مظلمة خلف أبوابها المغلقة. كانت أفلام الرعب تفترض أن الشر يسكن في مكان بعيد عنا. لكن شيئًا ما تغيّر خلال السنوات الأخيرة. لم تعد الأجيال الجديدة تخاف من الأشياء نفسها؛ فقد بدأت تجد القصور القوطية أقل إثارة للقلق من ممر مدرسة فارغ، أو مكتب مضاء بمصابيح فلورسنت الباهتة، أو مركز تجاري مهجور بعد ساعات الإغلاق. لم يعد الخوف يأتي من الأماكن الغريبة، بل من الأماكن المألوفة أكثر من اللازم.

من اليوتيوب إلى السينما

ومن هنا بدأت حكاية الغرف الخلفية Backrooms. مجرد صورة لممرات صفراء مجهولة المصدر نُشرت على أحد المنتديات مصحوبة بوصف قصير، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى واحدة من أشهر أساطير الرعب الرقمية في العصر الحديث. ومع الوقت بدأ آلاف المستخدمين يضيفون إليها قصصًا جديدة وكائنات غامضة وقوانين غير مكتوبة، حتى لم تعد الصورة الأصلية سوى نقطة البداية لعالم كامل. ولهذا يبدو الفيلم المقتبس عنها أكثر من مجرد عمل رعب جديد؛ فهو يقف عند نقطة التقاء بين طريقتين مختلفتين في صناعة الخوف: السينما التقليدية بثقافتها القديمة، والإنترنت الذي ابتكر لنفسه لغة جديدة بالكامل للتعبير عن القلق والغرابة.

من السهل تتبع أصول Backrooms إلى صورة قديمة ومنشور مجهول على الإنترنت
من السهل تتبع أصول Backrooms إلى صورة قديمة ومنشور مجهول على الإنترنت

وإذا كان من السهل تتبع أصول Backrooms إلى صورة قديمة ومنشور مجهول على الإنترنت، فإن قصة مخرجه كين بارسونز (مواليد 2005) لا تقل غرابة عن قصة الفيلم نفسه. فالرجل الذي يقف اليوم خلف واحد من أغرب مشاريع الرعب في السنوات الأخيرة لم يأتِ من مدارس السينما التقليدية، ولم يصعد عبر السلم المعتاد لصناعة الأفلام. بل خرج من قلب الإنترنت نفسه. قبل أن تلفت موهبته انتباه الاستوديوهات وشركات الإنتاج، كان مجرد مراهق ينشر مقاطع قصيرة على يوتيوب مستلهمة من أسطورة الباك رومز، محاولًا اكتشاف سر هذا الخوف الغريب الذي تثيره ممرات صفراء فارغة لا يحدث فيها شيء تقريبًا.

 حكاية الغرف الخلفية Backrooms.
حكاية الغرف الخلفية Backrooms.

قلق الأمكنة

لهذا يصعب النظر إلى الفيلم باعتباره اقتباسًا سينمائيًا تقليديًا لظاهرة ناجحة على الإنترنت. فبارسونز لا يتعامل مع المادة الأصلية كزائر جاء من الخارج ليحوّلها إلى فيلم، بل كواحد من أبنائها.

منذ الدقائق الأولى يصبح واضحًا أن الفيلم الذي تدور أحداثه في التسعينيات لا يريد اللعب بالقواعد المعتادة. لا توجد قلعة مسكونة، ولا لعنة قديمة، ولا قاتل يطارد ضحاياه في الظلام. بدلًا من ذلك يضعنا الفيلم داخل مساحة تبدو مألوفة بصورة مقلقة؛ ممرات متشابهة، غرف شبه فارغة، وأثاث مشوه يبدو كأنه ذاب ثم تجمد في منتصف الطريق، مثل لوحة سيريالية لسلفادور دالي، وإحساس دائم بأن المكان نفسه يرفض أن يمنحنا أي نقطة ارتكاز. وكأن الخوف لم يعد يأتي من وجود شيء مرعب داخل المكان، بل من وجود المكان نفسه.

والأهم أن الفيلم لا يكتفي بطرح هذه الفكرة، بل يبني عليها كل شيء تقريبًا. بعد فترة قصيرة يبدو المكان أهم من الشخصيات نفسها. الممرات الصفراء الممتدة بلا نهاية ليست مجرد ديكور بصري مميز، بل مصدر التهديد نفسه. وكلما تقدمت الشخصيات داخل هذه المتاهة العبثية، يزداد إحساس المشاهد بأن الخطر لا يكمن في العثور على الوحش، بل في عدم العثور على أي شيء على الإطلاق. فالمكان لا يهاجم أحدًا بصورة مباشرة، ولا يفرض قواعد واضحة يمكن فهمها أو التكيف معها، بل يحاصر الشخصيات داخل دائرة من الضياع والتكرار وفقدان الإحساس بالزمن.

يصعب النظر للفيلم باعتباره اقتباسًا سينمائيًا تقليديًا لظاهرة ناجحة على الإنترنت
يصعب النظر للفيلم باعتباره اقتباسًا سينمائيًا تقليديًا لظاهرة ناجحة على الإنترنت

حوائط القلق

وهنا يبدأ الصوت في لعب دور لا يقل أهمية عن الصورة نفسها. أحيانًا يكفي أزيز مصباح فلورسنت معطوب لا يتوقف، أو صدى خطوات بعيدة في ممر فارغ، أو لحظة صمت طويلة أكثر مما ينبغي، حتى يبدأ العقل في اختراع مخاوفه الخاصة. وفي بعض اللحظات يبدو أزيز المصابيح وصدى الممرات أكثر حضورًا من الكائنات المخيفة نفسها. بل إن الفيلم يحقق أفضل لحظاته عندما يؤجل ظهور الخطر ويترك المشاهد وحيدًا مع قلقه وتوقعاته، وهي طريقة تذكر أكثر بمقاطع الرعب الغامضة المنتشرة على الإنترنت منها بأفلام الرعب التجارية التي تعتمد على النقلات المفزعة السريعة.

ولا يعني ذلك أن الفيلم يتخلى تمامًا عن الكائنات أو العناصر الخارقة، لكنه يتعامل معها بوصفها جزءًا من الجو العام لا مركزه. نتذكر دراكولا، وفرانكشتاين، وفريدي كروجر، أكثر مما نتذكر الأماكن التي ظهروا فيها. أما Backrooms فيسحب الأضواء من الوحوش ويمنحها للمكان. بعد انتهاء الفيلم قد ينسى المشاهد شكل بعض الكائنات أو تفاصيل ظهورها، لكنه على الأرجح سيتذكر تلك الممرات المتشابهة، والإضاءة الباهتة، والإحساس الخانق بأن العالم فقد منطقه المعتاد.

حوائط القلق
حوائط القلق

كابوس مهني

لكن خلف هذه الممرات المتشابهة توجد محاولة أخرى أكثر إثارة للاهتمام. فكلارك، الذي يؤدي دوره تشيواتيل إجيوفور، ليس مجرد رجل تعثر في بوابة تقوده إلى عالم غريب. إنه مهندس معماري سابق يعيش وحيدًا بعد طلاقه، دفن أحلامه القديمة داخل حياة رتيبة يدير فيها متجرًا للأثاث ويعيش بين نماذج جاهزة من الغرف والصالونات أكثر مما يعيش بين البشر. وكأن حياته اليومية ليست سوى نسخة أكثر واقعية من المتاهة التي سيدخلها لاحقًا.

هنا تصبح المتاهة أكثر من مجرد متاهة. يصعب النظر إلى هذه الممرات دون التفكير في أشكال أخرى من الضياع نعيشها كل يوم. الضياع داخل وظيفة فقدت معناها، أو داخل حياة تسير وفق روتين متكرر لا يترك مساحة للحلم أو الإبداع أو التغيير.

كابوس مهني
كابوس مهني

ورغم أن الفيلم يظل أكثر اهتمامًا بالمكان من الشخصيات، فإن بعض اللمحات الإنسانية تمنح المتاهة شيئًا من الوزن العاطفي. فالدكتورة ماري كلاين، التي تؤديها ريناتي رينسف، لا تبدو أقل ضياعًا من مرضاها بعد الصدمة التي خلفها هدم منزل طفولتها وإيداع والدتها مصحة نفسية. أما بوب وحبيبته كيت، اللذان يساعدان كلارك في توثيق الباك رومز وتصويرها، فيمثلان محاولة متواضعة للتشبث بالمنطق داخل عالم يزداد غرابة كلما تقدم الفيلم.

وربما لهذا السبب تبدو بعض لحظات الفيلم أقرب إلى كابوس مهني أو نفسي منها إلى فيلم وحوش تقليدي. ففي خلفية الممرات الصفراء يمكن رؤية ظل عالم مهني يستهلك موظفيه ببطء. هنا يصعب عدم التفكير في أعمال مثل Severance، المسلسل الذي يقضي أبطاله ساعات داخل أروقة بيضاء كالمتاهة، وينفذون مهام لا يفهمون هدفها، وداخل عقولهم شريحة تمحو تفاصيل حياتهم الخارجية مؤقتًا لحظة الدخول والعكس لحظة الخروج.

السؤال الذي يطرحه الفيلم لا يتعلق فقط بكيفية الخروج من المتاهة، بل بما إذا كان أبطاله قد دخلوا المتاهة أصلًا أم كانوا يعيشون داخلها منذ البداية دون أن ينتبهوا.

Backrooms
Backrooms

بين السحر والملل

لكن هنا تظهر المشكلة التي صاحبت المشروع منذ البداية. المشكلة أن ما ينجح على الإنترنت لا ينجح دائمًا بالدرجة نفسها داخل فيلم يمتد لساعتين. فالأسطورة الأصلية قامت على الغموض والفراغ والتكرار وترك مساحات واسعة لخيال المتلقي. هذه العناصر تعمل بكفاءة في صورة واحدة أو فيديو قصير على يوتيوب، لكنها تصبح أصعب بكثير عندما يُطلب منها حمل فيلم كامل.

من السهل تتبع أصول Backrooms إلى صورة قديمة ومنشور مجهول على الإنترنت
Backrooms 

بعد فترة يبدأ الفيلم في دفع فكرته إلى أقصى حدودها، وربما أبعد قليلًا مما ينبغي، خصوصًا في النصف الثاني. والممرات المتشابهة التي تعزز شعور الضياع قد تجعل الفيلم يبدو كما لو كان يدور في حلقات متقاربة أكثر مما يتقدم إلى الأمام. وحتى الغموض الذي منح الباك رومز سحرها منذ البداية قد يصل أحيانًا إلى درجة تحرم الدراما من بعض الزخم العاطفي الذي يحتاجه المتفرج كي يظل متورطًا بالكامل في رحلة الشخصيات.

لكن المشكلة أن عيوب الفيلم مرتبطة في كثير من الأحيان بالأشياء نفسها التي تمنحه تميزه. فالفيلم يبدو أحيانًا وكأنه يخوض معركة مستحيلة بين الوفاء للمادة الأصلية ومتطلبات السينما التقليدية. لو قدم تفسيرات واضحة لكل شيء لفقد جزءًا من سحره وغرابته. ولو منح الشخصيات أهدافًا أكثر وضوحًا ومسارًا دراميًا أكثر تقليدية لاقترب من عشرات أفلام الرعب الأخرى وفقد هويته الخاصة.

بين السحر والملل
بين السحر والملل

العيش داخل الأسئلة

ولهذا لا تبدو النهاية مفاجئة بقدر ما تبدو نتيجة طبيعية لكل ما سبقها. فكما تركت أسطورة الباك رومز الأصلية أبوابها مفتوحة أمام التأويلات والنظريات والقصص التي يضيفها المستخدمون، يرفض الفيلم أيضًا تقديم خاتمة مغلقة أو تفسير نهائي لكل ما جرى. بعض المشاهدين سيخرجون باحثين عن إجابات أوضح، بينما سيجد آخرون أن غياب الإجابات هو جوهر التجربة أصلًا، لكن فئة لا بأس بها ستخرج محبطة أو غاضبة. لكن المؤكد أن الفيلم يظل مخلصًا حتى اللحظة الأخيرة للفكرة التي ولد منها: أن الخوف الحقيقي لا يأتي دائمًا من معرفة الإجابات، بل من العيش داخل الأسئلة.

العيش داخل الأسئلة
العيش داخل الأسئلة

لهذا يبدو Backrooms في النهاية أكثر من مجرد فيلم مقتبس من ظاهرة إنترنت. إنه عمل وُلد في لحظة بدأ فيها الجيل الذي نشأ على المنتديات ومقاطع يوتيوب الغامضة وثقافة التحليل الجماعي يصنع كوابيسه بنفسه، مستخدمًا لغة مختلفة وصورًا مختلفة ومصادر قلق مختلفة عن تلك التي عرفتها الأجيال السابقة. وربما لهذا السبب تحديدًا تبدو الممرات الصفراء الخالية أكثر إزعاجًا لبعض المشاهدين من أعتى القلاع المسكونة في تاريخ السينما. وكأن العصر الرقمي لم يبتكر وحوشه الخاصة فحسب، بل ابتكر جغرافيته الخاصة للخوف أيضًا. فالرعب، مثل أي شيء آخر، يتغير مع الزمن. وما يخيفنا اليوم يقول الكثير عن العالم الذي نعيش فيه، بقدر ما يقول عن الأفلام التي نشاهدها.

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.