المخرجة فاتن حمامة وتغير مفهوم النجومية

"المخرجة" فاتن حمامة وتغير مفهوم النجومية النسائية في عصر المنصات!

16 يونيو 2026

تتردد منذ سنوات طويلة حكايات لا تنتهي عن حرص الفنانة الراحلة فاتن حمامة الشديد على تفاصيل الأعمال التي تشارك فيها. حكايات عن ملاحظات تبديها، أو اعتراضات تطرحها، أو رغبة في تعديل تفصيلة تراها غير مناسبة للشخصية أو السيناريو أو للعمل ككل. ومن الطرائف التي تُروى أنها في سن التاسعة طلبت من المخرج محمد كريم طرد محمد عبد الوهاب من فيلم "يوم سعيد" لأنه كان يضحك بسبب لثغتها في نطق حرف الراء.

بعد عقود من النجومية، حكى بعض الممثلين أنها تتدخل في كل شيء، وأن المخرجين يخشونها ويسمحون لها بالتدخل في عملهم، وكان مألوفًا أن تغير ممثلًا أو تطرد آخر يخالفها في الرأي. بعض هذه الروايات قد يكون دقيقًا، وبعضها ربما تضخم مع الزمن، لكن بقاءها في الذاكرة الجماعية حتى اليوم يكشف شيئًا مهمًا عن صورة فاتن حمامة نفسها. فلم يكن يُنظر إليها كممثلة تأتي إلى موقع التصوير لأداء دورها ثم تغادر، بل كنجمة تشعر بمسؤولية خاصة تجاه العمل الذي يحمل اسمها.

وتغيّر مفهوم النجومية النسائية في عصر المنصات!
تغير مفهوم النجومية النسائية في عصر المنصات!

بين التسلط ورؤية المخرج

من السهل دائمًا النظر إلى هذا النوع من السلوك باعتباره شكلًا من أشكال التسلط الفني أو التدخل في اختصاصات الآخرين. لكن هناك قراءة أخرى لا تقل منطقية. فكلما زاد ارتباط النجم بالعمل، وكلما شعر أن نجاحه أو فشله مرتبطان بنجاح المشروع كله، أصبح التدخل في التفاصيل إغراءً يصعب مقاومته.

في هوليوود أيضًا ارتبطت أسماء مثل باربرا سترايسند وجودي فوستر بصورة النجمة التي تتجاوز دورها كممثلة وتؤثر على العمل من الداخل، لكنهما انتقلتا تدريجيًا إلى موقع أكثر وضوحًا ورسميّة، وهو الجلوس على مقعد المخرج وفرض رأيهما ورؤيتهما دون أن يبدو ذلك تدخلًا في عمل المخرج.

ما كان يبدو استثناءً مرتبطًا بأسماء قليلة في هوليوود تحول خلال السنوات الأخيرة إلى اتجاه أكثر اتساعًا. فبعض الممثلات جمعن بين بطولة العمل والمشاركة في الإخراج أو الإنتاج التنفيذي.

بين التسلط ورؤية المخرج
بين التسلط ورؤية المخرج

ولعل إليزابيث موس تمثل النموذج الأكثر اكتمالًا لهذا التحول. فعندما بدأت بطولة The Handmaid’s Tale لم تكن مجرد بطلة مسلسل ناجح، بل كانت الوجه الذي يحمل عالم العمل كله على كتفيه. لكن مع مرور المواسم بدأ دورها يتغير تدريجيًا. لم تعد موس تكتفي بتجسيد جون أوزبورن أمام الكاميرا، بل أصبحت تشارك في تشكيل العالم المحيط بها خلف الكاميرا أيضًا، منتجةً ومخرجةً وصاحبة تأثير متزايد على اتجاه العمل نفسه. ومع إخراجها عددًا متزايدًا من حلقات المسلسل، ثم انتقالها إلى تجارب أخرى مثل بطولة وإخراج حلقتين من المسلسل القصير Shining Girls، بدا الأمر وكأنه تطور طبيعي لنجمة لم تعد تكتفي بلعب دور داخل العالم الذي صنعته، بل أرادت المشاركة في تشكيله أيضًا.

 إليزابيث موس تمثل النموذج الأكثر اكتمالًا
إليزابيث موس تمثل النموذج الأكثر اكتمالًا

أكثر من مجرد بطلة

اللافت أن ما تغير هنا ليس الممثلة وحدها، بل الوظيفة التي تؤديها داخل المشروع كله. فمع صعود المنصات لم تعد الممثلة مجرد بطلة للعمل، بل أصبحت في كثير من الأحيان جزءًا من الفريق الذي يقرر شكله واتجاهه ومستقبله. وربما لهذا لم يعد الإخراج يبدو كقفزة إلى مهنة جديدة، بل كخطوة تالية لشخص أصبح يعرف العمل من الداخل أكثر من كثيرين حوله.

لو كانت الظروف في مصر في التسعينيات مشابهة لليوم، كان من الممكن أن تشارك فاتن حمامة في إخراج حلقات مسلسلاتها الناجحة، وساعتها ستنتقل أقاويل تدخلها في العمل من باب الذم إلى المدح.

أكثر من مجرد بطلة
أكثر من مجرد بطلة

ومن زاوية مختلفة قليلًا، تبدو تجربة ريا سيهورن أقرب إلى رحلة تعلم طويلة جرت أمام أعين المشاهدين. فعلى مدار سنوات Better Call Saul، صنعت سيهورن واحدة من أكثر الشخصيات تعقيدًا وثراءً في التلفزيون الحديث، لكن أهمية تجربتها لا تتوقف عند أداء شخصية المحامية كيم ويكسلر فقط. فحين أخرجت حلقة Hit and Run في الموسم الأخير، لم تبدُ كممثلة تجرب حظها في موقع جديد، بل كفنانة أمضت سنوات تراقب كيفية بناء المسلسل من الداخل. فهناك فرق بين من يدخل عالمًا جاهزًا، ومن يعيش داخله سنوات طويلة حتى يعرف كيف يفكر. ولهذا تحمل بعض هذه التجارب إحساسًا مختلفًا؛ إحساس الشخص الذي تعلم قواعد اللعبة أثناء مشاركته فيها.

 تجربة ريا سيهورن أقرب إلى رحلة تعلم طويلة
تجربة ريا سيهورن أقرب إلى رحلة تعلم طويلة

ممثلات أمام الكاميرا وخلفها

وتصبح الصورة أكثر وضوحًا حين نبتعد عن الحالات الفردية وننظر إلى Grey’s Anatomy. فالمسلسل الذي صنع نجومية أجيال من الممثلين تحول مع الوقت إلى ما يشبه مدرسة غير معلنة لصناعة المخرجات أيضًا. لم يكن الأمر مرتبطًا باسم واحد، بل تكرر مع إلين بومبيو وتشاندرا ويلسون وكيم ريفر وغيرهن. وهنا يصبح من الصعب التعامل مع الظاهرة باعتبارها مجرد طموحات شخصية متفرقة. فبيئة الإنتاج التلفزيوني الحديثة، خصوصًا في الأعمال طويلة العمر، أصبحت تمنح الممثلين فرصة نادرة لفهم تفاصيل الصناعة من الداخل. وبعد عشرات الحلقات ومئات الأيام في مواقع التصوير، لا يعود غريبًا أن يرغب بعضهم في الانتقال إلى الوقوف خلف الكاميرا. لكن اللافت أن هذا التحول يحدث بصورة ملحوظة بين الممثلات تحديدًا، وكأن النجومية النسائية بدأت تبحث عن مساحات جديدة للتعبير عن نفسها تتجاوز حدود الأداء وحده.

ممثلات أمام الكاميرا وخلفها
ممثلات أمام الكاميرا وخلفها

وربما لا توجد حالة تلخص هذه الفكرة بصورة أوضح من برايس دالاس هاورد. فهنا لا نتحدث عن ممثلة أخرجت بعض حلقات المسلسل الذي تشارك فيه، بل عن فنانة انتقلت تدريجيًا إلى واحدة من الأسماء المرتبطة ببناء عوالم ضخمة داخل أكبر الأعمال التلفزيونية المعاصرة. من The Mandalorian إلى The Book of Boba Fett وصولًا إلى مشروعات أخرى داخل عالم Star Wars، لم تعد هاورد ضيفة على هذه العوالم بقدر ما أصبحت واحدة من الأشخاص الذين يسهمون في تشكيلها. لم تعد هاورد تزور هذه العوالم كممثلة، بل أصبحت واحدة ممن يرسمون ملامحها الأساسية.

 برايس دالاس هاورد
برايس دالاس هاورد

كينج وامتلاك المشروع الدرامي

أما لوسي ليو فتمثل مسارًا مختلفًا وأكثر هدوءًا. فمن خلال إخراجها حلقات من Elementary وWhy Women Kill وأعمال أخرى متعددة، تبدو أقرب إلى نموذج الممثلة التي وسعت نطاق أدواتها المهنية تدريجيًا دون ضجيج كبير. فالإخراج في حالتها لا يظهر كتحول جذري أو إعادة تعريف كاملة للمسيرة الفنية، بل كامتداد طبيعي لمسيرة كانت تتسع تدريجيًا منذ سنوات. ومع الوقت، لم تعد تُستدعى لإخراج حلقات من الأعمال التي تمثل فيها فقط، بل من أعمال أخرى لا تظهر فيها أمام الكاميرا أصلًا. وكأن الإخراج في حالة لوسي ليو لم يكن مغامرة جديدة، بل أداة أخرى أضيفت إلى حقيبة أدوات الإبداع التي بنت بها مسيرتها طوال هذه السنوات.

لوسي ليو فتمثل مسارًا مختلفًا وأكثر هدوءًا
لوسي ليو فتمثل مسارًا مختلفًا وأكثر هدوءًا

أما ريجينا كينج فتقف عند نقطة أبعد قليلًا على هذا الطريق. فبعد سنوات طويلة من التمثيل، لم تتجه فقط إلى إخراج الحلقات التلفزيونية، بل إلى تقديم أعمال تحمل رؤيتها من البداية إلى النهاية مثل فيلم One Night in Miami، الذي رُشِّح لثلاث جوائز أوسكار.

في هذه المرحلة يتراجع الحديث عن الانتقال من التمثيل إلى الإخراج، لأن الفارق بين المهنتين يصبح أقل أهمية من الفكرة الأوسع: امتلاك المشروع نفسه. لم تعد كينج تشارك في رواية الحكاية فحسب، بل أصبحت من تحدد زاوية النظر إليها. فالممثلة التي بدأت يومًا ما كجزء من رؤية شخص آخر، أصبحت صاحبة الرؤية.

 ريجينا كينج فبعد سنوات طويلة من التمثيل اتجهت إلى تقديم أعمال تحمل رؤيتها
 ريجينا كينج فبعد سنوات طويلة من التمثيل اتجهت إلى تقديم أعمال تحمل رؤيتها

من يبني الحكاية؟

ولأن أي ظاهرة لا تولد من فراغ، فإن من الظلم التعامل مع هذه التحولات وكأنها ظهرت فجأة خلال السنوات الأخيرة. فقد سبقت روبن رايت كثيرات غيرها إلى هذا الطريق عندما انتقلت تدريجيًا من بطولة House of Cards إلى إخراج عدد من حلقاته. لكن الفارق أن ما كان يبدو استثناءً قبل سنوات أصبح اليوم أكثر شيوعًا بكثير. ويرتبط ذلك جزئيًا بتحولات الصناعة نفسها؛ فصعود المنصات، وتزايد عدد الإنتاجات التلفزيونية، وامتداد المواسم لسنوات طويلة، كلها عوامل خلقت بيئة تسمح للممثلين باكتساب خبرات كانت حكرًا على فئات أخرى داخل الصناعة. ومع ذلك، يصعب تفسير الظاهرة كلها بمنطق الصناعة وحده، لأن ما يتغير هنا ليس طبيعة التلفزيون فقط، بل طبيعة النجومية نفسها.

 سبقت روبن رايت كثيرات غيرها
سبقت روبن رايت كثيرات غيرها

لم تعد النجومية اليوم تُقاس فقط بقدرة الممثلة على جذب الانتباه، بل بقدرتها على التأثير في العمل بعد أن ينتهي التصفيق وتُطفأ الكاميرات. لم يعد النفوذ يُقاس فقط بعدد المشاهد أو حجم الأجر أو مكان الاسم في تتر البداية. هناك شكل جديد من النفوذ لا يظهر على الملصقات الدعائية، لكنه أصبح حاضرًا أكثر من أي وقت مضى: حق المشاركة في صناعة الحكاية لا الاكتفاء بالظهور داخلها. ولهذا لا تبدو هذه الموجة مجرد انتقال من التمثيل إلى الإخراج، بقدر ما تبدو إعادة تعريف لمعنى النجومية النسائية في التلفزيون الحديث. فقديمًا كان السؤال: من بطلة الحكاية؟ أما اليوم، فيبدو أن السؤال الأكثر أهمية أصبح: من سيملك حق بناء ورواية الحكاية؟

الصور من استديوهات الإنتاج وصور فاتن حمامة "تخيلية بالذكاء الإصطناعي".

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.