مسلسل Spider-Noir

مسلسل "Spider-Noir".. نيكولاس كيج يصل متأخرًا إلى أسطورته!

8 يونيو 2026

في بعض الأحيان، لا تنشغل قصص الأبطال الخارقين بإنقاذ العالم بقدر انشغالها بإنقاذ الفكرة التي صنعت أبطالها أصلًا. فكرة البطولة، أو العدالة، أو ذلك اليقين القديم الذي كان يسمح لرجل واحد بارتداء قناع والخروج إلى الشارع وهو يعرف تمامًا من يكون وما الذي يجب عليه فعله. لكن Spider-Noir يبدأ من مكان مختلف تمامًا. مكان أكثر حزنًا وتأملًا. فالمسلسل لا يقدم سبايدر مان في ذروة قوته أو في بداية رحلته، بل يقدمه كرجل متعب يعيش داخل أسطورة انتهى زمنها ويحاول الاستمرار رغم أن العالم تغيّر من حوله.

وربما لهذا السبب تبدو مشاركة نيكولاس كيج في هذا المشروع مثالية إلى حد يصعب اعتباره مصادفة. فنجم هوليوود الذي أمضى عقودًا من حياته مفتونًا بالقصص المصورة، والذي اختار اسمه الفني من شخصية السوبر هيرو Luke Cage، وسمّى ابنه Kal-El تيمنًا باسم ميلاد سوبرمان، وكاد أن يرتدي عباءة الرجل الفولاذي في مشروع فيلم Superman Lives للمخرج تيم بيرتون، قبل إلغائه، يصل أخيرًا إلى بطولة مسلسل أبطال خارقين من ابتكار مارفل.

لكن ليس كبطل شاب ينقذ المدينة، بل كمحقق عجوز يطارد أشباح ماضيه أكثر مما يطارد المجرمين. وهنا تحديدًا يجد Spider-Noir روحه الحقيقية؛ ليس كحكاية عن بطل خارق، بل كحكاية عن شخص يحاول التمسك بصورة قديمة من نفسه في عالم لم يعد يعترف بها.

نيكولاس كيدج محقق عجوز يطارد أشباح ماضيه
نيكولاس كيدج محقق عجوز يطارد أشباح ماضيه 

صراع مع الزمن

منذ حلقاته الأولى، يتعامل المسلسل مع مدينة نيويورك كما لو كانت شخصية قائمة بذاتها. ليست مجرد خلفية للأحداث، بل كائنًا حيًا يبتلع أبطاله ببطء. مانهاتن الغارقة في المطر والضباب وأضواء النيون الخافتة تبدو وكأنها خرجت من فيلم نوار كلاسيكي نجا بأعجوبة من الزمن. لكن خلف هذا الجمال البصري توجد فكرة أكثر مرارة. المدينة التي كان يعرفها بن رايلي لم تعد موجودة. الشوارع نفسها ما زالت هناك، لكن القواعد التي كان يعيش وفقها اختفت.

صراع مع الزمن
صراع مع الزمن في Spider-Noir

وهذا ما يجعل البناء الدرامي للمسلسل أكثر إثارة للاهتمام من مجرد قصة تحقيقات أو مطاردة مجرمين. فكل قضية يواجهها البطل تبدو في جوهرها مواجهة جديدة مع حقيقة أنه أصبح غريبًا داخل عالمه الخاص. حتى الخطوط الدرامية المرتبطة بالجريمة والعصابات لا تعمل بوصفها ألغازًا مستقلة، بقدر ما تعمل كوسيلة لوضع بن رايلي أمام عالم يتغير أسرع مما يستطيع اللحاق به.

فالصراع هنا لا يدور حول القبض على المجرمين بقدر ما يدور حول محاولة اللحاق بعالم سبق الجميع إلى الأمام. وكأن المسلسل يدرك منذ البداية أن عدوه الحقيقي ليس الجريمة، بل الزمن نفسه.

Spider-Noir
مسلسل Spider-Noir

بطل فقد توازنه

في قلب هذا العالم يقف نيكولاس كيج مقدمًا واحدًا من أكثر أدواره انسجامًا مع صورته الفنية خلال السنوات الأخيرة. فمن الصعب أحيانًا الفصل بين أداء كيج وبين شخصية بن رايلي نفسها، لأن الاثنين يبدوان وكأنهما يستمدان طاقتهما من المصدر ذاته. كيج لا يحاول تقديم بطل خارق تقليدي، بل رجلًا يعيش حالة مقاومة مستمرة للاندثار. يتنقل بين اللهجات وتغيير نبرة الصوت، ويقفز من الكوميديا الجسدية إلى الانفعالات الحادة، ويلقي النكات في أكثر اللحظات كآبة، كما لو أن الشخصية ترفض الاستسلام للجدية الكاملة لأنها تعرف أن الاستسلام يعني الاعتراف بالهزيمة.

الصعب أحيانًا الفصل بين أداء كيج وبين شخصية بن رايلي نفسها
يصعب أحيانا الفصل بين أداء كيج وبين شخصية بن رايلي نفسها

وهذه واحدة من أكثر نقاط قوة العمل إثارة للاهتمام. فبن رايلي لا يبدو بطلًا مكسورًا بالمعنى التقليدي، بل شخصًا يواصل أداء دور البطل لأنه لا يعرف كيف يعيش بدونه. حتى نوبات الصداع المرتبطة بحاسة العنكبوت، وإدمان الكحول، والذكريات التي تلاحقه باستمرار، لا تُقدَّم كعناصر تراجيدية منفصلة، بل كأعراض لرجل يحاول الحفاظ على توازنه بينما تتآكل الأرض من تحته. وهنا يصبح أداء كيج أكثر من مجرد استعراض لغرابته المحببة المعتادة؛ يصبح تعبيرًا عن شخص يخشى أن يختفي إذا توقف عن تمثيل النسخة التي اعتادها من نفسه.

Spider-Noir
صناع Spider-Noir

في صحبة الآخرين

وتزداد هذه الفكرة وضوحًا بفضل الشخصيات المحيطة به، والتي لا تعمل فقط كعناصر مساعدة في الحبكة، بل كمرآة تعكس جوانب مختلفة من أزمة البطل. كارين رودريجيز، في دور المساعدة الذكية، لا تسرق المشاهد بحضورها فحسب، بل تمثل أيضًا جيلًا جديدًا أكثر قدرة على التكيف مع عالم متغير. بينما يمنح لامورن موريس شخصية روبي دفئًا وإنسانية تجعل صداقته مع بن رايلي واحدة من أكثر العلاقات صدقًا داخل العمل؛ فهو لا يتعامل معه كأسطورة أو بطل خارق، بل كرجل يعرف جيدًا حجم الشروخ المختبئة خلف القناع.

في صحبة الآخرين
في صحبة الآخرين

وعلى الجانب الآخر، تضفي لي جون على شخصية كات هاردي حضورًا واثقًا واستقلالية واضحة، لتبدو كشخصية تنتمي إلى مؤمرات الحاضر أكثر مما تنتمي إلى عالم بن رايلي العالق في الماضي. أما براندان جليسون فيقدم سيلفر مان بثقل يناسب أساطير النوار الكلاسيكية؛ شرير لا يعتمد على الغضب المفرط أو الاستعراض بقدر ما يعتمد على الحضور والهيبة، وكأنه يمثل الوجه الآخر للبطل نفسه. رجل آخر رفض التكيف مع العالم الجديد، لكنه اختار طريقًا مختلفًا للوصول إلى النتيجة ذاتها.

وما يميز هذه الشخصيات أنها لا تدور حول البطل كما يحدث في كثير من أعمال الأبطال الخارقين، بل تدفعه باستمرار إلى مواجهة حدوده الخاصة. فكل شخصية هنا تذكّره، بطريقة أو بأخرى، بأن العالم يواصل حركته إلى الأمام، بينما لا يزال هو يحاول التمسك بصورة قديمة من نفسه.

Spider-Noir
Spider-Noir

الألوان ضد الأبيض والأسود

لكن أكثر ما يميز Spider-Noir أنه لا يستخدم النوار كزينة بصرية فقط، بل يحوله إلى موضوع العمل نفسه. فكثير من الأعمال الحديثة تستعير القبعات والمعاطف الثقيلة والظلال الطويلة وأضواء الشوارع المبللة لتمنح نفسها مظهرًا كلاسيكيًا، أما هنا فيبدو الأمر أعمق من ذلك بكثير. فالنوار ليس أسلوبًا بصريًا بقدر ما هو حالة وجودية. حالة رجل يشعر أن العالم لم يعد يحتاجه.

ولهذا تبدو فكرة إتاحة المسلسل بنسختين مختلفتين — إحداهما بالأبيض والأسود والأخرى بالألوان الكاملة — أكثر ذكاءً مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فالنسخة الأحادية اللون لا تعمل فقط كتحية لأفلام الأربعينيات، بل كتجسيد للعالم الذي يحاول بن رايلي التمسك به. عالم أكثر بساطة، وأكثر وضوحًا، أو هكذا يتخيله على الأقل. أما النسخة الملونة فتجعل التناقض أكثر وضوحًا؛ فالعالم يبدو حيًا ومتغيرًا بينما يظل هو عالقًا داخل صورة قديمة عن نفسه.

الألوان ضد الأبيض والأسود
الألوان ضد الأبيض والأسود

ويأتي التصوير والموسيقى والمونتاج في خدمة هذه الفكرة باستمرار. فالمسلسل لا يعيد خلق نيويورك الثلاثينيات بوصفها مكانًا فحسب، بل بوصفها حالة من الحنين المستمر. حتى الشوارع المبللة بالمطر، وأضواء النيون المرتعشة، والموسيقى التي تستدعي روح أفلام الجريمة الكلاسيكية، تبدو وكأنها تنتمي إلى ذاكرة شخص أكثر مما تنتمي إلى مدينة حقيقية. إنها نيويورك كما يتذكرها الحالمون، لا كما هي بالفعل. وربما لهذا يبدو Spider-Noir أحيانًا كأنه لا يدور حول جريمة أو مؤامرة بقدر ما يدور حول محاولة مستحيلة للاحتفاظ بالماضي قبل أن يتبخر تمامًا.

إفيهات الرجل العنكبوت

ومع ذلك، لا يخلو العمل من بعض المشكلات التي تمنعه من الوصول إلى مستوى الأعمال التلفزيونية الكبرى في هذا النوع. فمنتصف الموسم يعاني بوضوح من التباطؤ والترهل، وتبدو بعض الخطوط الدرامية أقل عمقًا مما يوحي به البناء البصري المدهش للمسلسل. وفي وقت نجحت فيه أعمال كوميكس حديثة مثل The Penguin في بناء شخصيات معقدة وعلاقات إنسانية ثقيلة، يكتفي Spider-Noir أحيانًا بإشارات مثيرة للاهتمام دون أن يمنحها الوقت الكافي للنمو.

كذلك فإن بعض الإفيهات الكوميدية المرتبطة بأداء نيكولاس كيج لا تصيب الهدف دائمًا. ففي لحظات معينة يبدو العمل أقرب إلى محاكاة ساخرة لشخصية سبايدر مان أكثر مما ينبغي، وهو ما قد يخرج بعض المشاهدين من الحالة الدرامية التي يبنيها المسلسل بعناية. لكن اللافت أن هذه العيوب نفسها تبدو مرتبطة بالفكرة المركزية للعمل. فكما يتمسك بن رايلي بالماضي أكثر مما ينبغي، يتمسك المسلسل أحيانًا بألعابه البصرية وأجوائه الكلاسيكية على حساب التقدم الدرامي.

إنها مشكلة حقيقية بلا شك، لكنها في الوقت نفسه جزء من شخصية العمل وهويته. فSpider-Noir  يبدو أحيانًا كعمل واقع في حب الصورة التي صنعها لنفسه، تمامًا كما يبدو بطله واقعًا في حب النسخة التي يتذكرها من ذاته. وربما لهذا تبدو بعض عثراته امتدادًا طبيعيًا لمميزاته، لا نقيضًا لها.

إفيهات الرجل العنكبوت
إفيهات الرجل العنكبوت

رجل خلف القناع

وربما لهذا يبدو Spider-Noir أكثر حزنًا مما توحي به فكرته للوهلة الأولى. فهو لا يحكي قصة بطل يحاول إنقاذ مدينة، بل قصة رجل يحاول إنقاذ نسخة قديمة من نفسه. رجل يواصل ارتداء القناع ليس لأنه ما زال يؤمن بالبطولة بالطريقة التي كان يؤمن بها يومًا ما، بل لأنه لا يعرف ماذا يبقى منه إذا خلعه.

ومن هذه الزاوية، يصبح المسلسل أكثر من مجرد تجربة جديدة داخل عالم سبايدر مان. إنه تأمل طويل في الشيخوخة، والهوية، والأحلام التي تصل متأخرة. وربما لهذا يبدو اختيار نيكولاس كيج للدور مؤثرًا إلى هذا الحد؛ لأن الممثل والشخصية يلتقيان عند النقطة نفسها تقريبًا. كلاهما يطارد أسطورة نجاح قديمة. كلاهما يحاول إبقاء حلم الماضي حيًا. وكلاهما يعرف، في أعماقه، أن الزمن لا يعود إلى الوراء.

رجل خلف القناع
رجل خلف القناع

لكن Spider-Noir لا يتعامل مع هذه الحقيقة بوصفها هزيمة. فالمسلسل يدرك أن بعض المعارك تستحق خوضها حتى حين نعرف نتيجتها مسبقًا. وأن التمسك بالأحلام القديمة ليس دائمًا علامة على العجز، بل قد يكون أحيانًا الطريقة الوحيدة للحفاظ على جزء من أنفسنا في عالم يتغير باستمرار.

ولهذا تبقى الصورة الأكثر صدقًا في المسلسل ليست صورة البطل وهو يقفز بين ناطحات السحاب أو يطارد المجرمين في الأزقة الممطرة، بل صورة رجل يواصل ارتداء قناع لم يعد يناسب زمنه تمامًا، ومع ذلك يرفض التخلي عنه. ليس لأنه يعتقد أنه ما زال قادرًا على إنقاذ العالم، بل لأنه ما زال يحاول إنقاذ شيء أصغر وأكثر هشاشة: الذكرى الأخيرة للشخص الذي كانه يومًا ما.

الصورة من حساب منصة أمازون.

 

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.