الفنانة إسلام مبارك بطلة فيلم أسد

الفنانة إسلام مبارك لـ "هي": فيلم "أسد" مرآة لكل زمن.. وتشغلني صورة النساء في السينما

23 مايو 2026

بملامح هادئة متوجسة تخفي خلفها طبقات مكثفة من المشاعر والغموض، نجحت الممثلة  السودانية المتميزة إسلام مبارك في ترك بصمة قوية وحضورًا طاغيًا، بمشاركتها بطولة فيلم "أسد" الذي يحمل توقيع محمد دياب كمخرج ومؤلف بمعاونه "آل دياب" متمثلاً في خالد دياب وشيرين دياب.

تسللت إسلام مبارك بمهارة داخل أزمات "وردة" النفسية والاجتماعية ضمن أحداث فيلم "أسد"؛ حاملة على عاتقها هشاشة الأنثى وقوتها في آن واحد؛ ومسؤولية أم تورطت في عالم قاسِ؛ امرأة تصل بين طرفين متناقضين السلطة والعبودية، طارحة بأدائها المتقن تساؤولات عديدة حول الهوية والزمن والمصير.

"هي" تلتقي في حوار خاص مع الفنانة السودانية إسلام مبارك، بالتزامن مع انطلاق عرض فيلم "أسد" في الوطن العربي؛ والحديث عن حالة النجاح والجدل الذي يحاوطه ويتصدر صفحات السوشيال ميديا، وكواليس تصوير أحد أكثر الأعمال السينمائية العربية ضخامة في الإنتاج هذا العام، والكثير من التفاصيل الفنية عن أعمالها المقبلة ورؤيتها كممثلة ومخرجة للفن والمرأة والسينما والدراما.

بداية، نجاح كبير يحققه "أسد" بين حالة الإشادات والانتقادات .. كيف ترين ردود الأفعال؟ وهل توقعتِ إثارة الجدل وقت عرضه؟ 

ما يحدث مع "أسد" يعد دليلاً كبيرًا على إن الفيلم يلمس مكان حساس في قلوب المشاهدين. أي عمل فني يتحدث عن الحرية والعبودية والظلم من الطبيعي أن يفتح بابًا للجدل. توقعت أن بعض الجمهور سيحبه كثيرًا وسيناقشه بحدة؛ لأن الفيلم يفيض بالأحاسيس التي نحاول أن نهرب منها حتى ولو بيننا وبين أنفسنا.. حقًا فهو يطرح أسئلة مزعجة. بالنسبة لي، الجدل صحي؛ لأنه يعني بأن هناك جمهور شاهده، واتأثر، وبدأ يتكلم. الأهم إن "وردة" وصلت للناس وشعروا بها.

إسلام مبارك بطلة فيلم أسد
إسلام مبارك بطلة فيلم أسد

نعود للكواليس، ما الذي جذبك إلى فيلم "أسد"..شخصية "وردة" أم العالم الدرامي نفسه؟ 

الأثنين حقًا.. لكن البداية كانت "وردة". لما قرأت المشاهد الأولى شعرت بإنني أمام سيدة حقيقية، وليست كارتونية؛ بها تناقضات، وبها خوف وحب وقوة مكتومة، ثم عندما أدركت العالم الدرامي الذي يبنيه محمد دياب، شعرت بأنها فرصة نادرة. فيلم يتحدث عن قضية إنسانية بأسلوب سينمائي ضخم ومختلف عن المعتاد.

رغم تحديد السنة التي تدور فهيا الأحداث ولكن بعض التفاصيل أشعرت الجمهور أيضا أن الزمن غير محدد غكيف خدم هذا التوظيف رسالته؟ وكيف منح هذا الغموض الزمني القصة بعدًا إنسانيًا أوسع وأعمق؟ 

هذا الغموض الزمني مقصود وذكي للغاية؛ مع حذف التاريخ المحدد، أنت تقول للمُشاهد؛ هذا الموضوع لا ينتهي؛ العبودية لها عدة أشكال خلال الوقت الراهن؛ وما يزال الظلم والقهر متواجدين؛ يبقى الفيلم مرآة لكل زمن. حقًا؛ فهو يوسّع الرسالة ويجعلها تلمس أي إنسان في أي مكان، وليس فقط العارف بتاريخ المماليك.

ملامح دور إسلام مبارك في فيلم "أسد"
ملامح دور إسلام مبارك في فيلم "أسد"

شخصية “وردة” تبدو محملة بالألم والقوة في الوقت نفسه.. كيف قرأتِها من الداخل؟ 

قرأت "وردة" على إنها "أم" أولًا. والأم في ظروف قاسية تتحول لأسد؛ الألم عندها ليس ضعفًا، فهو وقود. كل لحظة صمت في وجهها كان بها ألف كلمة مكتومة. رأيتها سيدة اختارت الصمت لكي تحمي ابنها، لكن داخلها بركان. كان التحدي إنني أصل هذا التناقض للمشاهدين؛ أي إن اليد التي تطبطب فهي نفسها اليد التي من الممكن أن تضرب لو اتمسّت كرامتها.

“وردة” أم لرجل يعيش كعبد داخل عالم قاسٍ جدًا، ومع تطور الأحداث نكتشف صراعها الداخلي والنفسي بين الحب "لمحروس/ كامل الباشا" والكراهية لعالمه.. تتفقين أم تختلفين مع رؤيتها للحب بين التعاطف أو الاستنكار؟ 

أتعاطف معها كثيرًا. "وردة" لم تختر أن تحب "محروس"؛ الحب جاء كملاذ في وسط الجحيم. المشكلة إن ملاذها نفسه جزء من النظام الذي يكسر ابنها؛ فهي تعيش في صراع صعب معقد. أنا لا أحكم عليها، لكنني أفهمها. أي سيدة في مكانها ستبقى مشتتة بين غريزة الحماية وغريزة الرفض؛ هذا ما يجعلها شخصية إنسانية وليست أبيض وأسود.

الفنانة إسلام مبارك
الفنانة إسلام مبارك

العلاقة بين “وردة” وزوجها الذي يجسده كامل الباشا تبدو معقدة جدًا، كذلك ابنها "أسد/ محمد رمضان"؛ لاعتمادك بدرجة كبيرة على التعبير بالملامح والوجه أكثر من التفوه بالكلمات.. كيف بنيتما هذه الديناميكية أثناء التصوير؟ 

المخرج محمد دياب كان يطلب إننا نجسد المشهد بالعين والجسم فقط. مع كامل الباشا كان هناك احترام متبادل ومساحة أمان، لذلك أصبح سهلاً أوصل الإحساس بالتناقض: الحب والخوف والاشمئزاز في نفس اللحظة. ومع محمد رمضان، العلاقة أم وابنها كانت تحتاج صدقًا؛ هو ممثل يعمل من قلبه؛ كان التجاوب طبيعيًا؛ اعتمدنا على الصمت أكثر من الجمل؛ لأن في مواقف الكلام يخون.

ما المميز في التعاون مع المخرج محمد دياب من وجهة نظرك؟
 محمد دياب مخرج يحترم الممثل كثيرًا ويحترم عقله؛ يعطيك مساحة لكي تجرب وتخطأ وتصحح؛ يمتلك رؤية واضحة لكل كادر، لكنه ليس متسلطًا؛ يعمل على الصدق في المقام الأول؛ معه تشعر بأنك شريك في الفيلم وليس مجرد أداة.. وهذه الحالة نادرة.

كواليس تعاون إسلام مبارك والمخرج محمد دياب
كواليس تعاون إسلام مبارك والمخرج محمد دياب

بعد سنوات من مشاركتكما في فيلم “ستموت في العشرين”، ما المختلف هذه المرة في تعاونك مع "مصطفى شحاتة/عوض" (نجل وردة) داخل “أسد”؟ 

مصطفى شحاتة كبر ونضج كثيرًا. في فيلم "ستموت في العشرين" كان يبدأ خطواته الفنية الأولى، والآن أصبح ممثلاً يمتلك وعيًا بأدواته، في فيلم "أسد" العلاقة بين "وردة" و"عوض" مختلفة، يتجسد بها صراع جيلين؛ فكان العمل أكثر عمقًا؛ أصبح بيننا راحة تجعل المشاهد تظهر حقيقية بدون افتعال.

كيف ترين حضور الفنانة/الفنان السوداني داخل السينما العربية في السنوات الأخيرة؟ 

هناك تطور ملحوظ؛ أصبح أكثر قبولاً، كذلك أصبح المخرجون يبحثون على الوجوه واللهجات المختلفة؛ تشغلهم الموهبة أكثر من الجنسية. لا يزال المشوار طويلاً، لكن البداية مبشرة. أشعر بالفخر بكل زميل سوداني يعمل ويفتح بابًا لغيره.

أبطال فيلم أسد
أبطال فيلم أسد

في رأيك.. أين تكمن صعوبة شخصية "وردة" ما بين التحضير القوي لأبعادها النفسية أم التصوير وسط مشاهد المعارك؟ 

الصعوبة النفسية كانت الأكبر كثيرًا. مشاهد المعارك مجهدة جسديًا، لكن تنتهي. أمًا العيش في حالة أم تشاهد ابنها ينكسر وهي لا تستطيع فعل شئ ما، هذا يعد إجهادًا نفسيًا يستمر معي خارج البلاتوه للمنزل. استغرق التحضير وقتًا كافيًا لضبط التوازن: لا أصبح ضعيفة فتتكسر، ولا قوية فتفقد إنسانيتها.

بجانب نجاحك في الدراما، تتألقين أيضًا باختيارات سينمائية مختلفة تميل لأعمال ذات طابع فني خاص؛ أي ليست سينما تجارية بالمقام الأول، مثل “سيرة أهل الضي” و”ستموت في العشرين” وصولًا إلى “أسد”.. هل هذا التوجه نابعًا من اختيار واعٍ منكِ كممثلة أم أن الأمر يحدث بشكل تلقائي لأنك تنجذبين لهذه العوالم؟ 

اختيار واعٍ 100%. أنجذب للأدوار التي تسألني سؤالاً وتترك أثرًا بداخلي بعد التصوير. السينما التجارية لها جمهورها واحترامها، لكن شخصيًا أشعر بأن رسالتي كممثلة أقرب للأعمال الفنية التي تلمس الإنسان. وهذا لا يعني إنني لا أعمل بالسينما التجارية؛ لكنني أرى الأولوية لنص السيناريو الذي يوجع ويحرك.

دراستك للإخراج.. هل تجعلك تنظرين للتمثيل بطريقة مختلفة كذلك معايير قبولك للأعمال الفنية للمشاركة بها؟ 

بالتأكيد.. وقتما درست الإخراج أصبحت أرى الصورة الكبيرة. ليست دوري فحسب، لكن دور المشهد في الفيلم كله، إيقاعه، وعلاقته بما قبله وبعده؛ هذا جعلني أختار أدقق. أصبحت لا أقول إن "دوري حلو" فقط، لكن أسأل: الفيلم ككل ماذا يقول؟ وأين مكاني في هذه الحكاية؟

كواليس فيلم "أسد"
كواليس فيلم "أسد"

ما الصورة التي تتمنين أن تراها الفتيات عن المرأة من خلال أدوارك الفنية سواء في السينما أو الدراما؟ 

أتمنى ألا يروا السيدة ضحية أو ملاك؛ المرأة إنسانة تمتلك قوة وضعفًا، تخطأ وتتعلم، تصمت وتتحدث. أريد تقديم نماذج نسائية مركبة؛ فيها حياة. المرأة السودانية بالذات تحتاج ترى نفسها على الشاشة قوية، وصاحبة قرار، ولا تحتاج استئذانًا لكي تحلم.

ختامًا، ما تفاصيل مشاركتك في الفيلم المنتظر "بنات فاتن".. وأعمالك الفنية المقبلة سواء في مجال التمثيل أو الإخراج؟ 

"بنات فاتن" تجربة مختلفة للغاية؛ أعمل مع الأستاذة يسرا في عمل فني يناقش قضية تخص المرأة بشكل مباشر وقريب من الناس. الدور جديد ومختلف عما قدمته في مسيرتي من قبل ويتحداني كممثلة. بالنسبة لأعمالي التمثيلية المقبلة، نقول إن شاء الله الخير يارب، أمًا على مستوى الإخراج، أحضّر لمشروع قصير خاص بالمرأة السودانية، ومن المقرر انطلاق تصويره قريبًا.

تفاصيل مشارك إسلام مبارك في الفيلم المنتظر "بنات فاتن"
تفاصيل مشاركة إسلام مبارك في الفيلم المنتظر "بنات فاتن"