الفنانة الاستعراضية فريدة فهمي

خاص "هي": فريدة فهمي أيقونة الاستعراض الفلكلوري.. حينما يتحول الأداء الحركي إلى رسالة ثقافية

17 مايو 2026

لم تكن فريدة فهمي (مواليد الـ29 من يونيو 1940) فنانة الاستعراضات الشعبية الأبرز في تاريخ مصر فقط، وإنما امتد تأثيرها لتصبح رائدة من رواد هذا الفن إقليميا، وهو ما حجز لها مكانة لا تضاهى في مناهج تدريس الفنون الحركية على مستوى أعرق المؤسسات التعليمية في العالم، فقد كانت ضلعا أساسيا في تأسيس فرقة رضا للفنون الشعبية منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي، بصحبة زوجها علي رضا وشقيقه محمود رضا، وحينها كانت قد أكملت بالكاد التاسعة عشرة من عمرها، حيث بدأت مسيرتها في سن مبكرة للغاية خلال دراستها في كلية الآداب بجامعة القاهرة. ومنذ تلك اللحظة بدأت أيقونة الاستعراض التراثي مسيرتها الناجحة والاستثنائية، وأدت لوحاتها الراقصة بصحبة زملائها على أكبر المسارح مثل الأولمبيا بباريس، وألبرت هول بلندن، ومسرح الأمم المتحدة في نيويورك.

أيقونة فن الاستعراض الفلكلوري فريدة فهمي
أيقونة فن الاستعراض الفلكلوري فريدة فهمي

الفرقة تعد من أعرق وأشهر فرق الفولكلور الاستعراضية العربية، ولا تزال حتى اليوم تجوب الشرق والغرب مستعينة بأجيال جديدة، لتسرد قصة هُوية وتراث جميع المحافظات المصرية من خلال تصاميم فنية راقية، فيما فريدة فهمي تواصل رحلتها الأيقونية، وحتى وقت قريب كانت تلقي محاضراتها عن هذا الفن الرفيع في المؤسسات الثقافية البارزة بأنحاء العالم.
تبدو فريدة فهمي نموذجا مثاليا للشخصية الأيقونية، وهو المعنى الذي نحتفي به في هذا العدد، حيث نشأت في أسرة مثقفة تهتم بالفنون، فوالدها كان الدكتور حسن فهمي الأستاذ بكلية الهندسة، وصاحب المؤلفات الأدبية العديدة، والأسرة المنفتحة على التعلم والإبداع لم تمانع أبدا أن تبدأ ابنتهم مسيرتها في العمل السينمائي منذ أن كانت في السادسة عشرة من عمرها، فإقناع العائلة باحتراف التمثيل كان أيسر كثيرا من الحديث معهم بشأن اتجاهها لاحتراف الرقص التراثي، فقد كانت هناك تحديات مجتمعية واجهت هذا القرار في هذه الحقبة الزمنية بسبب بعض الأفكار السائدة في هذا العصر.

فريدة فهمي بالزي الشعبي النسائي القديم
فريدة فهمي بالزي الشعبي النسائي القديم

وقد أشارت فريدة فهمي إلى أنه لم يكن متقبلا أبدا في ذلك الوقت أن تعمل المرأة في هذا المجال، ولكن الطموح قادها لأن تأخذ مهنتها على محمل الجد، وتسهم عمليا في تصحيح تلك المفاهيم، وتجعل الفرقة التي ذاع صيتها وكرمت في محافل فخمة، وحققت مجدا أصيلا وعنوانا للبهجة والرقي. وفيما بعد قدمت فريدة فهمي أطروحات أكاديمية عدة حول الرقص الإيقاعي. وحصلت في الثمانينيات على ماجستير في الأنثروبولوجيا الثقافية من الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الدراسة التي صقلت خبراتها، حيث عرفت كيف يعبر كل شعب وكل ثقافة عن أنفسهم من خلال الفنون الحركية، وهي تضيف في حديثها مع مجلة "هي" أن فرقة رضا التي أسهمت في تأسيسها أعادت تعريف الفولكلور المصري، وجعلته أقرب إلى العامة من خلال وضع سياق اجتماعي جديد له، حيث يؤرخ هذا الفن بجانب التعبير الحركي، لتراث الملابس والإكسسوارات، والأغنيات والموسيقى كذلك.

فريدة فهمي وعبد الحليم حافظ في فيلم "فتى أحلامي"
فريدة فهمي وعبد الحليم حافظ في فيلم "فتى أحلامي"

هذا الإغراق في التراث المحلي كان بوابة لنشر تلك الثقافة للبلدان العربية ومن ثم العالم، فتضيف رائدة الاستعراض الفولكلوري فريدة فهمي: "جماهير مختلفة من شتى أنحاء العالم استقبلت عروضنا بحفاوة، الاستعراض والإيقاع والموسيقى ليست بحاجة إلى لغة أبدا، فهي بحد ذاتها لغة سهلة للتواصل، ونحن لم نكن نؤدي مجرد حركات استعراضية جميلة فقط، وإنما نوثق تاريخ الفنون المصرية وأناقتها، وكل ما فعلناه كان ينبع من إخلاصنا بشدة لهذا الفن".

فريدة فهمي ونادية الجندي في صورة تعود لخمسينيات القرن الماضي
فريدة فهمي ونادية الجندي في صورة تعود لخمسينيات القرن الماضي


ديناميكية فريدة فهمي لم تكن على المسرح فقط، بل جابت العالم للتحدث والتدريب بصفتها خبيرة أيقونية لفنون الأداءات الاستعراضية المستوحاة من التراث، إضافة إلى رصيدها السينمائي الذي تضمن عشرة أفلام فقط أولها كان "فتى أحلامي" عام 1957 مع عبد الحليم، ثم بعدها بعشر سنوات قدمت أبرز أعمالها "غرام في الكرنك" الذي أدت فيه مع الفرقة الكثير من التابلوهات الإبداعية التي لا تُنسى، وأبرزها على وقع أغنية "حلاوة شمسنا"، التي كانت لوحة استعراضية قادتها فريدة فهمي.


الفيلم الذي يعتبر من كلاسيكيات السينما في المنطقة جرى ترميمه بعد مرور 55 عاما على عرضه، ضمن أنشطة الدورة الثانية لمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بجدة، حيث استعاد معه الحضور ذكريات راسخة عن فيلم غنائي استعراضي بطلته أيقونة ورائدة في هذا المجال. وقد حرصت فريدة فهمي خلال حديثها مع مجلة "هي" على التأكيد على سعادتها بالاهتمام بإعادة ترميم هذا الفيلم الاستعراضي الغنائي الذي يتمتع بجماهيرية كبيرة عربيا، واعتبرت إعادة عرضه في تلك الدورة بمنزلة تكريم آخر لها ولزملائها، مشددة على أن هذا العمل كان بمجهود جماعي لا يمكن أن تنسبه لنفسها كنجمة للعمل، ثم حاولت أن تجيب عن سر استمرار التعلق الجماهيري والتقدير بعد مرور تلك العقود، حيث تقول: "قد يكون السبب هو المحبة الحقيقية للفنون، كنا نعمل من قلبنا ضمن فريق، وكنا نهتم بشدة بالثقافة العميقة، وليس بالمعلومات السطحية، حيث كانت القراءة عادة أساسية لدى أناس هذا العصر، والاطلاع كان مصدره مؤسسات كبيرة لها ثقلها واسمها. ولهذا كان الفنانون متميزين في كل مجال، سواء في الغناء أو التمثيل أو الاستعراض أو التلحين أو الإخراج، بسبب تكوين شخصيتهم ومواهبهم وأذواقهم. ولهذا فهم أيقونات ويعيش إنتاجهم حتى اليوم، بعكس ما يحدث في الوقت الحالي، حيث يبحث الجميع عن الشهرة والربح من دون إتقان، لدرجة أنهم يخطئون في كتابة الكلمات البسيطة عبر مواقع التواصل، فهناك فارق كبير بين الصدق والتضليل، وهذا ينعكس بدوره على كل شيء".

فريدة فهمي في صورة قديمة في منزلها
فريدة فهمي في صورة قديمة في منزلها

ترى فريدة فهمي أن هذه الظواهر ربما تعود بشكل أساسي إلى أن المجتمع قديما كان محدودا عدديا، حتى الوسط الفني نفسه أصبح الآن متشبعا وينتمي له في كل منطقة آلاف مؤلفة، وتشير فريدة فهمي إلى أنها تعتز بالعصر الذي نشأت فيه، مؤكدة قيمة نجومه، كما تعتز كثيرا بكونها أسهمت في أن تجعل فن الرقص الشعبي فنا مشرفا، وصححت الفكرة المغلوطة عنه، من خلال الإسهام الثقافي المؤثر للفرقة بالمجتمع بسبب جودة ورقي ما يقدمونه.
وإلى جانب التمثيل والاستعراض والتدريب الحركي وحياة المسرح والجماهير، لدى فريدة فهمي موهبة أخرى تضيف إلى شخصيتها بعدا أسطوريا آخر، حيث إنها فنانة تشكيلية، ويمتلئ بيتها بلوحات مدهشة وفريدة مثلها، فهي نجمة ترى القيم الجمالية حولها في كل شيء، وهو ما يبدو ظاهرا في تفاصيل المنزل المزين بذكريات السنوات وبقصص وحكايات من حياتها الشخصية والمهنية، إضافة إلى لوحاتها التي تعبر فيها عن مشاعرها في كل مرحلة عمرية، فهي ممتنة لكل الفرص التي حصلت عليها، وسعيدة بأنها حققت طموحاتها وعاشت الحياة كما ترغب وبشروطها الخاصة.

فريدة فهمي رائدة فن الاستعراض الفلكلوري
فريدة فهمي رائدة فن الاستعراض الفلكلوري

 

كاتبة صحافية ومسؤولة قسم "المشاهير"، متخصصة في الإعلام والفنون والكتابة النقدية.