براء عالم لـ"هي": أبحث عن النص الذي يعطي المرأة إنسانيتها قبل وظيفتها في القصة

براء عالم لـ"هي": أبحث عن النص الذي يعطي المرأة إنسانيتها قبل وظيفتها في القصة

في المشهد الفني المعاصر، لم يعد الأداء مجرد استعراض فردي، بل أصبح يقوم على "مساحة شراكة" تتطلب وعياً ونضجاً استثنائياً. الفنان براء عالم يمثل اليوم هذا الجيل من الممثلين الذين يؤمنون بأن قوة المشهد في التوازن والندية أمام الكاميرا. بالنسبة لبراء، الوقوف أمام الممثلة هو إنصات حقيقي وبناء مشترك يتجاوز السطور المكتوبة، وهو ما ينعكس في اختياراته التي تبحث عن إنسانية المرأة في النص بعيداً عن القوالب التقليدية.

هذه الفلسفة لم تكن مجرد تنظير، بل لمسها الجمهور واقعاً في أعمال براء عالم؛ ففي مسلسل "شارع الأعشى"، شكل مع الفنانة آلاء سالم ثنائية متوازنة ومقنعة قامت على الكيمياء العفوية والتحضير المشترك. وفي فيلمه الشهير "شمس المعارف"، تقاسم البطولة في مساحة فنية منحت كل شخصية استقلاليتها. 

براء عالم
"ما يحركني هو الفضول أولا، فضول تجاه الإنسان: لماذا يفعل ما يفعل، ماذا يخفي، ومما يخاف. يأتي التحدي بعد ذلك لأنه يدفعني إلى الخروج من منطقة الراحة."

أما في مسلسل "خريف القلب"، فقد أثبت براء مجدداً أن حضور الممثل يكتمل بتفاعله الصادق مع شريكته في المشهد، ليعطي مساحة متساوية تخدم القصة وتصل إلى قلب المشاهد بصدق. 

في هذا الحوار، نلتقي ببراء عالم لنستكشف فلسفته الخاصة حول الشراكة الإبداعية، وكيف يسهم بحضوره المتزن في كسر الأنماط وتقديم تجارب درامية تحترم وعي المشاهد وتنصف حضور المرأة.

 كيف تصف نفسك بعيدا عن الكاميرا؟ هل هناك جانب مختلف لا يظهر للجمهور؟

بعيدا عن الكاميرا أنا أكثر هدوءا. أميل إلى الملاحظة أكثر من الكلام، وأفضل عزلة خفيفة تساعدني على ترتيب أفكاري. في الكواليس قد يرى الآخرون حضورا قياديا وقرارات سريعة، لكن داخلي مساحة طويلة من التأمل وأسئلة مستمرة واهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي قد لا يلاحظها أحد. هذا الجانب هو ما يغذي كل ما يظهر للناس.

ما الذي يحركك كممثل اليوم: الفضول أم التحدي أم الرغبة في إثبات شيء معين؟

الفضول أولا، فضول تجاه الإنسان: لماذا يفعل ما يفعل، ماذا يخفي، ومما يخاف. يأتي التحدي بعد ذلك لأنه يدفعني إلى الخروج من منطقة الراحة. أما الرغبة في إثبات شيء فحضورها تراجع مع الوقت؛ كلما تقدمت أصبحت أسعى إلى الفهم أكثر من السعي إلى الإثبات.

براء عالم
"المشهد لا ينجح إذا طغى طرف على الآخر. أهم ما أركز عليه هو الاستماع الحقيقي، لا انتظار الدور."

كيف أثرت بداياتك في صناعة المحتوى على طريقتك في التمثيل اليوم؟

علمتني الاقتصاد في التعبير. عندما تبدأ في صناعة المحتوى تتعلم كيف توصل الفكرة بسرعة ووضوح دون تعقيد زائد. انعكس ذلك على التمثيل، فأصبحت أؤمن بأن لحظة صادقة وبسيطة قد تكون أقوى من أداء مثقل. كما جعلتني أتعامل مع الكاميرا كعين تقرأ، لا كجهاز فقط: متى تقترب ومتى تصمت. إلى جانب ذلك، كان المحتوى الذي أقدمه مرتبطا بالسينما والأفلام، فكان بمثابة مدرسة تعلمت فيها نظريا وشاهدت مئات الأعمال التي شكلت رصيدا بصريا وفكريا مهما.

كيف تتعامل مع مشاهد تتطلب توازنا بينك وبين الشخصية النسائية؟ وكيف يتشكل هذا التوازن داخل المشهد؟

أتعامل معها كشراكة لا كمنافسة. المشهد لا ينجح إذا طغى طرف على الآخر. أهم ما أركز عليه هو الاستماع الحقيقي، لا انتظار الدور. عندما أكون حاضرا مع الممثلة يتشكل التوازن بشكل طبيعي. وفي التحضير نحاول فهم العلاقة خارج النص: ما الذي يربط الشخصيتين قبل المشهد، وما الذي لا يقال. هذا يمنح المشهد عمقا ويخلق مساحة متوازنة للحضور.

كثير من الأعمال تقع في أنماط تقليدية في تقديم المرأة، كيف تحرص على اختيار أو تقديم أدوار تتجاوز هذه القوالب؟

أبحث عن نص يمنح الشخصية النسائية إنسانيتها قبل وظيفتها في القصة. إذا كتبت كشخصية تخدم الحدث فقط فإنها تصبح ضعيفة. وحتى داخل العمل أشتغل على التفاصيل: نظرة، رد فعل، صمت، تعطيها استقلالية. المسألة ليست اختيار الدور فقط، بل طريقة تقديمه داخل المشهد. أحيانا تغيير بسيط في الإيقاع أو التفاعل يكسر القالب دون الحاجة إلى تغيير النص.

براء عالم
"الكيمياء لا تفرض، بل تبنى باحترافية. نقضي وقتا خارج الكاميرا لنتعرف إلى بعضنا كبشر، لا كشخصيات فقط. نتحدث، نختلف، نضحك، وكل ذلك ينعكس أمام الكاميرا." 

كيف تبنون كيمياء حقيقية بين الممثلين تظهر بشكل طبيعي للمشاهد؟

الكيمياء لا تفرض، بل تبنى باحترافية. نقضي وقتا خارج الكاميرا لنتعرف إلى بعضنا كبشر، لا كشخصيات فقط. نتحدث، نختلف، نضحك، وكل ذلك ينعكس أمام الكاميرا. وخلال التصوير نترك مساحة للحظة أن تعيش، فليس كل شيء يجب أن يكون محسوبا بالكامل. أحيانا أفضل اللحظات هي التي لم تكن في الخطة. تجربتي مع الممثلة آلاء سالم في مسلسل شارع الأعشى مثال واضح؛ احترافيتها العالية جعلت مساحة العمل بيننا مريحة ومبنية على الاحترام، وكنا نناقش المشاهد والحوار قبل الوصول إلى موقع التصوير، ما ساعدنا على بناء علاقة صادقة بين الشخصيتين وترك أثر لدى الجمهور.

برأيك، ما الذي يجعل العلاقة بين شخصيتين تصل بصدق إلى المشاهد وتترك أثرا؟

الصدق في التفاصيل الصغيرة. ليس في الكلام الكبير، بل في ما لا يقال: تردد قبل جملة، نظرة تكمل المعنى، صمت ثقيل. وعندما تبنى العلاقة على حاجة حقيقية مثل الحب أو الخوف أو الفقد أو الرغبة، يشعر بها المشاهد حتى إن لم يفهمها بالكامل. في النهاية، لا يتذكر الناس الحوار بقدر ما يتذكرون الإحساس الذي تركه.

جميع الصور خاصة ل"هي" من تصوير المصور حسام القحطاني

محررة ثقافية تهتم برصد التحولات الإبداعية في السعودية، وتوثيق التراث والإنجازات الوطنية للمرأة.