ثمانون عاماً على العرش.. وأوروبا كلها في ستوكهولم
خلال ليلة قد نقول أنها الأكثر ملكية بامتياز، شهدت ليلة أمس الثلاثين من أبريل 2026 في العاصمة السويدية تجمعًا نخبويًا من مستوى عالٍ جدًا، فلم تكن ستوكهولم مجرد عاصمة باردة في نهاية الربيع، بل كان قلب أوروبا الملكية كله ينبض هناك، في قصر واحد ومن أجل رجل واحد أتم للتو عامه الثمانين، ولا يزال يتربع على عرش البلاد بحكمة واقتدار.
الملك كارل السادس عشر غوستاف، الذي وُلد في الثلاثين من أبريل 1946، يحكم السويد منذ عام 1973، أي أن نصف قرن وأكثر مر وهو على العرش، يرى العالم يتغير من حوله بينما يبقى هو رمزاً ثابتاً لبلاده، وهو ما يمده بالقوة والصلابة، رافضًا رغم الأزمات الصحية الأخيرة أن يتنحى عن المسؤولية لولية العهد الأميرة فيكتوريا.
يوم ملكي حافل
بدأت الاحتفالات بقداس "تي ديوم" الرسمي في تمام الساعة العاشرة والنصف صباحاً، تبع ذلك استعراض عسكري مهيب، ثم حفلات موسيقية وغداء رسمي لضيوف البلاد، قبل أن تختتم الليلة بمأدبة عشاء فاخرة في القصر الملكي السويدي، المأدبة جمعت كوكبة من أكثر الوجوه شهرةً في عالم الأسر الملكية الأوروبية، والتيجان التي زينت رؤوس السيدات تلك الليلة كانت حديثاً بذاتها.
13 تاجًا أبهرت ليل ستوكهولم
البداية مع الملكة سيلفيا التي اختارت تاج براغانزا الشهيرة، وهو واحد من أثمن التيجان في العالم، موروث من الإمبراطورة أميلي البرازيلية، أما ابنتها ولية العهد الأميرة فيكتوريا فارتدت تاج كونوت الماسية العريقة، التي تعود إلى الأميرة مارغريت من كونوت حفيدة الملكة فيكتوريا.
فيما اختارت شقيقتها الأميرة مادلين لمسة بيضاء ناصعة بفستانها مع تاج Modern Fringe الفضية هدية زفافها من والديها، كذلك الأميرة صوفيا زوجة الأمير كارل فيليب اختارت أن تعود بسنين عمرها إلى الوراء فارتدت تاج زفافها.
عمة الملك الأميرة كريستينا أضافت للمشهد بريقاً من نوع آخر بتاج الأزرار الستة المرصّع بوردات ماسية كانت في الأصل تزيّن تاج التتويج السويدي العريق.
ومن الضيوف، فاجأت الملكة ماري من الدنمارك الجميع بأكثر الإطلالات إبداعاً في هذه الليلة، إذ حولت سوار الملكة لويز السويدي الزهري إلى تاج لم ير بهذه الصورة من قبل، فيما اختارت حماتها الملكة المتقاعدة مارغريت الثانية تاج بادن بالميت الكلاسيكي الذي يليق بمكانتها.
من جانبها ظهرت الملكة سونيا من النرويج بطقم الزمرد الملكي النرويجي كاملاً ليضيف إلى القاعة لوناً أخضر داكناً يخطف الأنظار، وأكملت الملكة ماتيلد البلجيكية المشهد بتاج إكليل الغار الماسي الذي كان هدية زفاف من نبلاء بلجيكا، أما الدوقة الكبرى ستيفاني اللوكسمبورغية، في أول مناسبة كبرى لها بلقبها الجديد، فاختارت تاج الأكوامارين الذي انسجم مع فستانها الأزرق انسجاماً لافتاً.
ومن أبعد نقطة على الخريطة جاء الزوجان التايلانديان بدعوة شخصية من الملك كارل غوستاف، وظهرت الملكة سوتيدا بتاج الماس التايلاندي المميز، كما أطلّت الملكة صوفيا والدة الملك فيليبي ملك إسبانيا بعودة لم يتوقعها أحد، إذ أخرجت تاج ميليريو الصدفي من القرن التاسع عشر بعد غياب دام عشرين عاماً كاملاً، وختمت الأميرة بياتريكس ملكة هولندا المتقاعدة المشهد بالشريط الماسي الهولندي الكلاسيكي، فيما ارتدت الأميرة بينيديكتي الدنماركية تاج ساين-فيتغنشتاين الموروث عن زوجها الراحل الذي نشأ في السويد، وكأن التاج أراد أن يعود إلى المكان الذي ينتمي إليه.

لقاء العروش

حضر الملك فريدريك والملكة ماري ملكا الدنمارك، إلى جانب ملوك وملكات من بلجيكا ولوكسمبورغ وتايلاند والنرويج وإسبانيا، وغيرها، وكان الدوق الأكبر غيوم جان جوزيف ماري من لوكسمبورغ وزوجته الدوقة ستيفاني دو لانوا من بين الحضور، كما مثلت ولية العهد الأميرة مارغريتا رومانيا وزوجها الأمير رادو بلدهما في هذه المناسبة، فيما غاب الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا عن الاحتفال، حيث كانا في الولايات المتحدة في إطار زيارة دولة رسمية.
هدية لا تُقدّر بثمن... وأمنية غير متوقعة

في هذه الليلة المشهودة، قدمت الحكومة السويدية للملك هدية استثنائية عبارة عن سجادة نسيجية تعود إلى القرن السابع عشر، مرتبطة بالملكة كريستينا، وصفها الملك بأنها "قطعة من تاريخ السويد الحالم"، وقد نصبت في قاعة الدولة بالقصر الملكي لتكون جزءاً من المجموعة الملكية الدائمة.
لكن الأجمل ربما كان ما طلبه الملك بنفسه، حيث أعلن القصر الملكي أن الملك لا يرغب في هدايا شخصية، بل يفضل توجيه أي تبرعات إلى مؤسسته الجديدة لدعم الكشافة، الهادفة إلى تعزيز التفاهم بين الشباب ومواجهة الاستقطاب داخل المجتمع.
لحظة صغيرة سرقت القلوب

وسط كل هذا البهاء الملكي، كانت هناك لحظة أبسط وأكثر دفئاً من أي خطاب رسمي: الأميرة إستيل البالغة من العمر أربعة عشر عاماً، حفيدة الملك وصاحبة الترتيب الثاني في ولاية العرش خلف والدتها فيكتوريا، أدت تحية الاحترام التقليدية أمام الملكة سونيا ملكة النرويج بأناقة لافتة، كانت لقطة صغيرة، لكنها قالت الكثير عن استمرارية هذه الأسر وتوارث تقاليدها.
ثمانون عاماً، وملك لا يزال يقف على البلكون يُلوّح لشعبه. بعض الأشياء لا تتغير.