ندى أبو فرحات لـ "هي": مسرحيّة "حنّة" تحتضن هموم النساء.. والتمثيل يعني مواجهة الحقيقة كما هي
بين التأني المدروس والشغف المشتعل والقرارات المتمردة الحكيمة، تمسك الفنانة الكبيرة ندى أبو فرحات بزمام الحوار، تجبرك على الإنصات بمتعة تضاهي قدرتها الإبداعية التي لا حصر لها والممتدة شعبيتها خارج حدود موطنها الأصلي بأعمالها العربية والأجنبية.
فنانة لبنانية لا تمر الحكايات عبرها مرورًا عابرًا، بل تسكنها ثم تمنحها للجمهور بصدق مبسط لتناقضات الحياة وصراعاتها، في حديثها الخاص لـ "هي"، تبدو في أوج تجليها؛ تترجم مفرداتها كأنها ترسم لوحة، وتطرح قضية النساء المهمشات بجرأة، نغوص معها خلف كواليس بطولتها لمسلسل "حريم الجراح" ومسرحية "حنة"، ونكشف ملامح مشروعها الدرامي المقبل، في رحلة إبداعية تؤكد بها أن التأليف الدرامي هو بوابتها الجديدة لإعادة اكتشاف الذات والعالم.
بداية.. ما الذي جذبك لمسرحية "حنة" منذ القراءة الأولى للنص؟
ضحكت كثيرًا مع القراءة الأولى؛ يعجبني تعدد المواقف الطريفة وسط مضمون موضوع حساس؛ المعالجة ذكية وربط الأفكار بطريقة غير المتوقعة.

وكيف جاء وَقع اسم المسرحية على مسامعك، هل اختلف بعد قراءتك للسيناريو؟
أحببته.. فـ "حنة" يحمل عدة معانِ؛ فهو قريب للهجة اللبنانية ومفرداتها الدارجة، ويشير لمَن يفقد هويته، أثناء قراءة النص تمنيت مشاهدة المسرحية وفقًا للسيناريو الدقيق والاحترافي المتوازن واصفًا الأداء الحركي واللفظي والمسار الدرامي سواء الفرعي أو الرئيسي لكل الشخصيات، وهو ما أشعر به الآن بالفعل ويغمرني بالسعادة وسط أجواء الكواليس والتحضير.
العمل يمزج بين الكوميديا والطرح الإنساني، كيف تحافظين على هذا التوازن على المسرح؟
هذا يعود سببه للنص المُحكم الذي يكتبه ويخرجه إيلي كمال للمسرح؛ أي التوازن بين لحظات الضحك ومشاعر الحزن؛ المشاهد والحوار مكتوبان جيدًا ولا تطغى الكوميديا على التراجيديا وكذلك العكس صحيح.

هل ترين أن بطلة "حنة" تمثل نموذجًا لنساء كثيرات يتعرضن للتهميش مع التقدم في العمر؟
نعم.. هي تمثل 90 بالمئة من سيدات متقدمات بالعمر في لبنان؛ لا يوجد ضمان شيخوخة، كما إن المسرحية محاكاة مباشرة وغير مباشرة أيضًا لكل لبناني صغير وكبير مع حكايات بقية شخصياتها الدرامية وصراعاتهم.
ما أصعب مشهد أو لحظة تشعرين أنها تطلبت منكِ مجهودًا خاصًا في هذا الدور؟
الصعوبة ممتعة تتمثل في كيفية تشكيل هيئة البطلة المتقدمة بالعمر بصورة واقعية حقيقية؛ من خلال الصوت والجسد والأحاسيس وردود أفعالها المختلفة مع الشخصيات المحيطين بها.

كيف ترين تعدد الأجيال المشاركة في مسرحية "حنة" وتأثيره على إيقاعها؟
بالتأكيد.. مسرحية "حنة" موجهة لكافة الشرائح العمرية بما فيهم (Gen Z)، والمتميز أيضًا أنهم جميعًا يقدمون شخصيات درامية واقعية مختلفة عن بعضهم وعما قدموه في أعمالهم الفنية السابقة، تشبه الشخصيات الحقيقية التي نراها يوميًا بمجتمعنا لبنان، كذلك الكوميديا السوداء واقعية وليست قائمة على المبالغة، هذه التوليفة تثير تفاعلاً استثنائيًا ممتعًا لا مثيل له في حالتنا نشعر به على خشبة المسرح.
تتألقين مؤخرًا في الدراما أيضًا مع "حريم الجراح" .. كيف كانت تجربتك بالمسلسل؟ وما الذي أضافه إلى مسيرتك؟
شخصيتي ثرية مختلفة عما قدمته في أعمالي السابقة؛ قاسية ولا تمتلك خصيصة طيبة إلا مع أولادها، تواجه معاناة مع زوجها الخائن ومرضها النفسي، استمتعت كثيرًا بالعمل مع المخرج الفنان حسين دشتي؛ يدقق بتفاصيل السيناريو الذي كتبه بودي صفير، وكأنه يعزف لحنًا موسيقيًا راسمًا حركة الشخصيات الدرامية وتمثيلها؛ أعادني لروح المسرح باحترافيته وتوجهاته المبسطة، كذلك التمثيل أمام طاقم عمل متميز والنجم سلوم حداد تجربة ممتعة للغاية؛ ممثل محترف ومهني محترم؛ يعمل كثيرًا على تطوير شخصيته الدرامية ويعطي مساحة للممثلين المشاركين معه بالتوازي مع خلق مناقشات ثرية وفقًا لثقاقته خلف كواليس التصوير.

وفقًا لهذا الصراع النفسي فالشخصية تحمل أبعادًا مركبة… كيف اقتربتِ منها؟
اتفقت مع المخرج حسين الدشتي أن تكون انفعالاتها داخلية؛ غامضة أي حركاتها قليلة مع انكشاف مشاعرها بواسطة عيونها فقط؛ الكثير داخليًا والقليل ظاهريًا، تلتزم بجسد ممشوق يحمل في جوهره مفاتيح الشخصية؛ ألا تنحني لأحد إلا عندما تشعر بالانكسار.
برأيك، هل أصبحت الأدوار النسائية بالدراما العربية اليوم أكثر عمقًا وجرأة في الطرح؟
نعم.. كذلك أصبحت الأدوار النسائية بارزة وظاهرة بالمقارنة عما كانت عليه؛ خاصة وإنه صارت المرأة وقضاياها محور القصص الدرامية الجديدة، ويظهر بوضوح ضمن اختيارات الإنتاج لموسم دراما رمضان الحديثة؛ النساء يتصدرن البطولة أو يجسدن شخصيات تحمل نفس المساحة الدرامية متساوية مع الرجل، لكن لا يزال نحتاج لتطوير الدراما النسائية على سبيل المثال التوجه لموضوعات جذابة تتعلق بالسيدات المتحررات اللائي تزيد أعمارهن عن خمسين عامًا وأكثر؛ هناك عدة قضايا هامة للغاية؛ كالعنف، والتحرش، وحكايات المرأة المهمشة والقوية التي تتخطى صراعات نفسية وجسدية بهذا العمر؛ صوت هؤلاء السيدات العربيات وليست اللبنانيات فحسب، عليه أن يعلى ويصل للعالم.

وماذا عن السينما.. ألم تشتاقي للعودة للمشاركة بها سواء أجنبية أو عربية؟
بالتأكيد.. أشتاق للسينما كثيرًا ولا تبتعد عن طموحاتي كممثلة أبدًا، أرى أن كل مشروع يأتي بظروفه ووقته؛ صناعة الأفلام تستغرق مزيدًا من الوقت سواء في مرحلة التحضير أو التصوير وما بعد الإنتاج، أتطلع للمشاركة بأفلام عربية أو أجنبية على نفس المستوى الذي قدمته من قبل، سواء بلبنان أو خارجه، أتمنى قريبًا المشاركة بفيلم سينمائي لبناني جيد خلال هذا العام.
أعمالك الفنية تتخطى الـ 40 عملاً ما بين الدراما والسينما والمسرح، لو تمتلكين فرصة ترسلين بها رسالة لأحد شخصياتك الدرامية، مَن تختارين؟ وماذا تقولين لها؟
هذا السؤال أعادني لذكريات جميلة أحبها كثيرًا؛ اختار شخصياتي بالمسرحيات التي شاركت بها، وهي الأقل حظًا في الشهرة بالمقارنة بأعمالي في الدراما أو السينما، لكنني أحب أن يصل صوتهم دومًا للعالم العربي؛ كذلك الصوت المتمرد "حنة" ومن قبلها بطلة مسرحية "أسرار الست بديعة"، التي تحكي عن بيروت القديمة ودورها الفني الثقافي الكبير في المنطقة العربية، يبعثان رسالة للحث على الاهتمام بقوانين وحقوق السيدات المتقدمات بالعمر خاصة بلبنان؛ في مرحلة الشيخوخة يشعرن بها بالضياع اجتماعيًا ونفسيًا، أبعث رسالة "لبديعة" أيضًا مؤكدة أننا سنعود وتظل لبنان وبيروت متحضرة ومحافظة على ريادتها بمثابرة شعبها، كذلك المناضلة "نهاد نون" التي قدمتها في مسرحية "مجنون يحكي"، أأكد لها أن جهدك لا يذهب سُدى؛ صوت الحق سيعلو دومًا وينتصر.

السؤال الآن لندى أبو فرحات الكاتبة.. إلى أي مدى يختلف إحساسك بالشخصية الدرامية عندما تكونين أنتِ من كتبها مقارنةً بتجسيد نص سيناريو لكاتب آخر؟
وقتما كتبت مسرحية "آخدة كسرة"؛ استمتعت بالتجربة كثيرًا سواء بالكتابة أو التمثيل، لكنني في الكتابة انطلقت من تجارب حقيقية وبسيطة أعيشها وتوابعها الاجتماعية والنفسية العميقة؛ كتبت ما يعبر عن صوتي ورؤيتي آنذاك، أمًا المسلسل القصير جدًا دقيقتين (مايكرو دراما) الذي انشغل بكتابته خلال الفترة الحالية، أكتب عن شخصية مختلفة وهي تعطيني مساحة من الحرية لأعيد اكتشاف نفسي والعالم.

في رأيك، هل تختلف كتابة الشخصيات النسائية عندما تأتي من تجربة امرأة أم أن الصدق الفني هو العامل الحاسم بغض النظر عن الكاتب؟
نعم، تصبح أكثر مكاشفة وقربًا لبعض التفاصيل الحساسة ولكن هناك بعض الكتاب والمخرجين الذين يستطيعون التعبير عنها بصورة احترافية وهو ما يميزهم عن غيرهم بالتأكيد خاصة وإن درجة فهمهم للحالة تؤثر على القدرة الاستيعابية للممثل تجاه الشخصية الدرامية وأبعادها وتكنيكات التعبير عنها وإحساسها، والأكثر تميزًا حينما يكشف صورة مغايرة بالكتابة عن المرأة ويجعلها ترى نفسها بشكل مختلف لم تعهده من قبل، وسط حديثنا يخطر على ذهني المخرج الكندي زافييه دولان؛ أحبه كثيرًا وأفلامه التي تدور قصصها حول المرأة ورؤيته لتفاصيلها وحركاتها ومعاناتها بكل أدوارها كأم أو ابنة أو زوجة وغيره.

ختامًا.. ما تفاصيل أعمالك الفنية المقبلة سواء في مجال التمثيل أو التأليف؟
انشغل بعرض "حنة" في لبنان ومن المقرر أن نتجول بعرضها في بلدان أخرى خلال الفترة المقبلة، فضلاً عن كتابتي للمسلسل القصير جدًا (مايكرو دراما) كما ذكرت في حوارنا، أشارك في تأليفه بمشاركة ثلاثة كتاب أخرين وهو دراما تشويقية كوميديا سوداء يسلط الضوء على الأوضاع الراهنة بلبنان، سنعلن تفاصيله قريبًا.