فيلم Project Hail Mary "

فيلم "Project Hail Mary".. بطل لا يريد أن يكون بطلًا!

17 أبريل 2026

يستلهم فيلم Project Hail Mary " مشروع هيل ماري" عددًا من الثيمات السينمائية المألوفة — إنقاذ الأرض، المهمة المستحيلة، البطل الوحيد في مواجهة المجهول — لكنه لا يعيد تقديمها كما هي، بل يعيد تفكيكها من الداخل.

يستيقظ جريس (ريان جوزلينج) من سبات فضائي طويل، ليجد نفسه وحيدًا داخل سفينة، محاطًا بجثتي رفيقيه، وذاكرة ناقصة، ومهمة لا يتذكر تفاصيلها بالكامل.
هو ليس رائد فضاء بالمعنى التقليدي، ولا بطلاً تم اختياره لأنه الأفضل، بل دكتور  بيولوجي مغمور يعمل مدرس إعدادي وجد نفسه — لسبب ما — في مهمة تبدو أقرب إلى انتحار علمي من كونها إنقاذًا مدروسًا.

ذاكرة تُبنى في الفضاء

يعتمد الفيلم على بناء سردي مزدوج، لا يكتفي بحكاية ما يحدث داخل سفينة الفضاء، بل يقيم توازنه الحقيقي بين الحاضر المعزول، والماضي الذي يُستعاد تدريجيًا عبر ومضات من الذاكرة.

في الخط الأول، نتابع جريس وهو يستيقظ داخل السفينة في حالة من الارتباك شبه الكامل: لا يتذكر اسمه في البداية، ولا طبيعة مهمته، ولا حتى سبب وجوده هناك. المشاهد الأولى — التي يحاول فيها قراءة البيانات، أو فهم تركيب السفينة، أو حتى استيعاب موت زميليه — تُبنى ببطء محسوب، يجعل المشاهد شريكًا في هذا التيه.

ذاكرة تُبنى في الفضاء
ذاكرة تُبنى في الفضاء

في المقابل، يأتي خط الفلاش باك ليعيد ترتيب الصورة. نحن لا نحصل على قصة كاملة دفعة واحدة، بل على أجزاء متفرقة: مشاهد من حياة جريس على الأرض، عمله كمدرس، تردده، خوفه من المسؤولية، ثم دخوله التدريجي في المشروع الذي سيقوده في النهاية إلى الفضاء. هذه المشاهد لا تشرح فقط كيف وصل إلى هناك، بل تكشف من هو أصلًا.

الأهم أن الخطين لا يعملان بشكل منفصل، بل يتبادلان التأثير. كلما تقدم جريس في فهم مهمته في الحاضر، أعادت ذاكرته تفسير ماضيه، والعكس صحيح. لحظة علمية في الفضاء قد تستدعي ذكرى على الأرض، وقرار في الماضي قد يكتسب معنى جديدًا بعد تجربة قاسية في الحاضر. هذا التداخل يمنح السرد عمقًا إنسانيًا حقيقيًا، ويمنع الفيلم من الوقوع في فخ المباشرة.

 فيلم Project Hail Mary "
فيلم Project Hail Mary "

الهروب من البطولة

جريس ليس بطلًا بالمعنى التقليدي، ولا حتى مشروع بطل، بل شخصية تبدأ من منطقة قريبة جدًا من الإنسان العادي: الخوف، التردد، والرغبة الغريزية في النجاة بأقل الخسائر الممكنة.

في مشاهد الفضاء الأولى، يظهر هذا بوضوح. ارتباكه أمام أبسط التفاصيل، محاولاته المتعثرة لفهم ما يحدث، وحتى تعليقاته الساخرة التي تبدو كآلية دفاع أكثر منها خفة ظل، كلها ترسم شخصية لا تثق في قدرتها على السيطرة.

الهروب من البطولة في Project Hail Mary
الهروب من البطولة في Project Hail Mary 

لكن التحول الحقيقي يحدث عبر سلسلة من المواقف الصغيرة. كل تجربة ينجح فيها، تضيف طبقة جديدة من الثقة، دون أن تمحو خوفه الأساسي. وهنا تكمن براعة الأداء: جريس لا يتحول إلى نسخة أقوى، بل إلى نسخة أكثر وعيًا بضعفه، وأكثر قدرة على التعامل معه.

هذا الخط الداخلي يتقاطع بذكاء مع خط الفلاش باك على الأرض، حيث تظهر شخصية إيفا سترات (ساندرا هولر) كقوة مضادة تمامًا. هي تمثل الحسم، الصرامة، والوضوح الأخلاقي الذي يفتقده جريس. المشاهد التي تجمعهما — خاصة تلك التي تدفعه لاتخاذ قرار الانضمام إلى المهمة — لا تُبنى على الإقناع التقليدي، بل على المواجهة: مواجهة جريس بحقيقته، وبما يحاول الهروب منه.

بطل فيلم Project Hail Mary 
بطل فيلم Project Hail Mary

حين يصبح الآخر ضرورة

يبني الفيلم حبكته على تجربة الوحدة. جريس لا يواجه فراغ الفضاء فقط، بل يواجه فكرة أن يكون الإنسان بلا مرآة تعكسه، بلا صوت آخر يختبر من خلاله أفكاره، أو حتى يؤكد له أنه ما زال موجودًا.

في البداية، يحاول الفيلم ملء هذا الفراغ بالأدوات: العلم، التجارب، الحسابات، والروتين اليومي. جريس يتحدث مع نفسه، يشرح خطواته بصوت مسموع، يسجل ملاحظاته، وكأنه يصنع شريكًا وهميًا يشاركه التفكير. هذه اللحظات، رغم بساطتها، تحمل قدرًا كبيرًا من القلق الصامت: عقل يعمل بكفاءة… في عزلة كاملة.

حين يصبح الآخر ضرورة
حين يصبح الآخر ضرورة

وعندما يظهر الكائن الفضائي الحجري روكي، لا يأتي كعنصر مفاجئ فقط، بل كنقطة تحول في بنية الحكاية نفسها. روكي لا يأتي ككائن غريب يُخشى، بل كاحتمال لفهم جديد. لا توجد لغة مشتركة، ولا سياق ثقافي، ولا حتى تصور واحد للعالم، ومع ذلك تبدأ العلاقة بينهما من أبسط نقطة ممكنة: الفضول.

المشاهد التي يحاول فيها جريس فهم طبيعة تواصل روكي — تحويل النبضات الصوتية إلى نظام يمكن قراءته، أو محاولة ترجمة المفاهيم الأساسية — ليست مجرد لحظات ذكية علميًا، بل لحظات إنسانية بامتياز، لأن ما يحدث هنا ليس تواصلًا فقط، بل إعادة اختراع لفكرة التواصل من الأساس.

صناع فيلم Project Hail Mary
صناع فيلم Project Hail Mary

عالم جديد

ما يفعله ثنائي الإخراج فيل لورد وكريستوفر ميلر في الفيلم ليس محاولة لإبهار بصري بقدر ما هو محاولة لإدارة تجربة معقدة دون أن تفقد توازنها. الفيلم، من حيث الفكرة، يحمل كل مقومات العمل الذي يمكن أن ينهار تحت ثقله: علم كثيف، عزلة طويلة، وشخصية واحدة تتحمل العبء الأكبر من الزمن. ومع ذلك، ينجح الإخراج في الحفاظ على إيقاع متماسك، يجعل المشاهد منخرطًا باستمرار، لا مجرد متلقٍ للمعلومات أو مراقب لمسافة باردة بينه وبين الحدث.

القرار الأهم هنا هو عدم التعامل مع الفضاء بوصفه بطلًا بصريًا. صحيح أن هناك لحظات تعتمد على اتساع الصورة، وعلى الإحساس بالعزلة الكونية أو الكشف الجديد، لكن الفيلم لا يغرق في استعراض هذا الاتساع بقدر ما يختار أن يظل قريبًا من جريس. الكاميرا، في أغلب الوقت، ليست معجبة بالمشهد… بل مهتمة بالشخصية داخله. وهذا ما يجعل التجربة أكثر حميمية مما هو متوقع من فيلم بهذا الحجم.

عالم جديد
عالم جديد في Project Hail Mary

في المقابل، تظهر قوة الفيلم الإخراجية في بناء العلاقات أكثر من تصميم العالم البعيد. العلاقة بين جريس وروكي، على سبيل المثال، تُدار بإحساس دقيق بالتدرج: لا قفزات مفاجئة، ولا لحظات مصطنعة، بل نمو طبيعي قائم على التفاعل والتجربة. كذلك الحال مع مشاهد الأرض، التي لا تُستخدم كفواصل تفسيرية، بل كامتداد نفسي للحالة التي يعيشها البطل في الفضاء.

خيارات صعبة

يلعب المونتاج دورًا محوريًا في هذا التوازن. الانتقال بين الحاضر والماضي لا يأتي كقطع حاد، بل كاستدعاء عضوي، يجعل الذاكرة جزءًا من الحدث، لا تعليقًا عليه. هذا الإيقاع، الذي يعتمد على التدرج أكثر من الصدمة، هو ما يسمح للفيلم بأن يحتفظ بجاذبيته رغم مدته الطويلة، دون أن يشعر المشاهد بالإنهاك.

أما الموسيقى، فتعمل في الخلفية كطبقة شعورية هادئة، لا تفرض نفسها بقدر ما تواكب الحالة. لا تعتمد على تضخيم اللحظة، بل على مرافقتها، وهو اختيار يتماشى مع طبيعة الفيلم، الذي يفضّل التأمل على الانفعال المباشر.

صناع فيلم Project Hail Mary
فيلم Project Hail Mary

التصميم البصري للعالم البعيد، رغم جودته، لا يصل دائمًا إلى نفس مستوى التميّز الذي نراه في بناء الشخصيات والعلاقات. كأن الفيلم، بوعي أو بدونه، يختار أن يضع ثقله الحقيقي في الإنسان والمشاعر… لا في الكون.

وفي النهاية، هذا الاختيار هو ما ينقذ الفيلم من أن يصبح تجربة علمية باردة، ويحوله إلى تجربة إنسانية دافئة، قادرة على أن تُبقي المشاهد متورطًا فيها حتى اللحظة الأخيرة.

تبدو النهاية سريعة ومشوَّشة نوعًا ما، أقل اهتمامًا بإغلاق الخطوط الدرامية بقدر اهتمامها بتركها معلّقة في ذهن المشاهد.

Project Hail Mary
الصورة الدعائية لفيلم Project Hail Mary

في النهاية، لا يهم إن كان جريس قد نجح في إنقاذ الأرض، أو نفسه، أو حتى الكائن الذي لم يكن يتوقع أن يصبح أقرب إليه من البشر. الأهم أن الفيلم ينجح في رسم فكرة البطولة والحاجة للتواصل.

وهنا، تتحول الرحلة من مغامرة في الفضاء… إلى تجربة إنسانية عن الاختيار، والوحدة، وإمكانية أن يصبح الإنسان — رغم كل شيء — أكثر مما ظن يومًا أنه قادر على أن يكونه.

الصور من حساب Amazon MGM Studios.

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.