أبطال شارع الأعشى

خاص لـ"هي": باحثة الأزياء السعودية شيخة القريشي تكشف كيف أصبح تنسيق الأزياء أرشفة ثقافية في "شارع الأعشى"

1 أبريل 2026

الأزياء التاريخية في الأعمال الدرامية لم تكن مجرد قطعة قماش تلبس للشخصيات بل هي عنصر أساسي ووثيقة زمن تحكي عن المجتمع وطبقاته وثقافته وتفاصيل حياته اليومية، فهي تُسهم في سرد القصة وصناعة الهوية خصوصًا عندما نتحدث عن الهوية السعودية، إذ تتحول الأزياء إلى لغة بصرية تعكس التاريخ و البيئة و والعادات.

ومن خلال استفتاء قمت به على منصة "اكس " تبيّن أن الأزياء في الأعمال التاريخية الدرامية تحظى باهتمام كبير من الجمهور، إذ يرى الكثير أنها تؤدي دوراً مهمًا في إبراز وفهم الشخصية وفهم البيئة التي تنتمي إليها.

أبطال شارع الأعشى
أبطال شارع الأعشى

وتبرز الأهمية الأكبر في دور هذه الأزياء في حفظ التراث، إذ إن كثيراً من القطع التقليدية قد تختفي مع مرور الوقت، لكن حين تُقدم كجزء من السرد الدرامي فيتم إحياؤها وتوثيقها بصريًا، وبذلك يتحول العمل إلى أرشيف حي يحفظ تفاصيل كانت قد تنسى، ولا يقتصر دورها على الحفظ فحسب بل تمتد أهميتها إلى تعريف الأجيال الجديدة وكذلك من لم يسبق لهم التعرّف على هذه الأزياء سواءً في محيط الخليج أو العالم العربي.

ومن جانب أخر يُسهم إبراز الهوية السعودية من خلال الأزياء في منح حضوراً أقوى للأعمال محليًا وعالمياً ويعزز من مصداقيتها كما يقدّم صورة حقيقية وغنية عن الازياء التراثية التقليدية..

وحين نتحدث عن توثيق الأزياء في الدراما السعودية، نجد من يعمل خلف الكواليس ويكرّس جهده لحماية الهوية وحفظ هذا الموروث وتقديمه بصورة دقيقة تليق بمكانته وقيمته الثقافية.

أبطال مسلسل شارع الأعشى
أبطال مسلسل شارع الأعشى

وهُنا تبرز المصممة شيخة القريشي كأحد الأسماء البارزة التي تقف خلف الأزياء في الأعمال التاريخية، إذ تسهم رؤيتها في صياغة هوية بصرية تستحضر روح الزمن وتفاصيله.

وفي هذا السياق، كان لي حوار خاص معها للحديث عن تجربتها في إعادة تقديم أزياء الشخصيات التاريخية بما يعكس ملامح كل حقبة بدقة.

إعلان يوم التأسيس
إعلان يوم التأسيس

- حدثيني عن بداياتك، كيف بدأ إهتمامك بالأزياء التاريخيه؟

كان تأثري الأول بجدتي – رحمها الله – التي تعلّمت منها أدق تفاصيل الخياطة، فكنت أسألها دائمًا عن كيفية أستخدام المقص وأساليب الحياكة ، لم تكن طفولتي كغيري من الأطفال الذين يقضون وقتهم باللعب ، إذ كنت أرافق جدتي وكبيرات السن وأقضي وقتي معهن، وعند بلوغي سن الثانية عشرة بدأت أرسم التصاميم الحديثة وأستمريت طويلاً في تطويرها وتجربتها وكانت أختي وصديقاتها والجارات يأتين إلي بالأقمشة لـ أصمم لهن مما أسهم في تعزيز ثقتي بنفسي وصقل موهبتي ولكن شغفي بالأزياء التاريخية ظل حاضرًا، لاحقًا أقترح عليّ أحد الأصدقاء مشاركته في عمل تاريخي ومن هنا كانت بدايتي في مجال السينما وعالم الأزياء التاريخية و وُفقت في هذه الخطوة وكان أول أعمالي فيلم نجد الذي حصد عدداً من الجوائز.

- اليوم، كيف يضيف تصميم الأزياء التاريخية للعمل أو القصة؟ وهل الجمهور فعلاً يلاحظ هالتفاصيل؟

يُضفي تصميم الأزياء التاريخية على العمل مصداقية بصرية عالية، ويسهم في خدمة السرد؛ إذ يترجم الزمن والشخصية والمكان دون الحاجة إلى كلمات، فالزيّ ليس مجرد مظهر، بل عنصر درامي يكشف عن الطبقة الاجتماعية، والحالة النفسية، وحتى المرحلة الزمنية.

الممثلة حياة الفهد من فيلم نجد
الممثلة حياة الفهد من فيلم نجد 

أما الجمهور، فليس بالضرورة أن يلاحظ كل تفصيلة بوعي، لكنه يتأثر بالإحساس العام بالدقة أو غيابها؛ وهذا ما يجعله يصدّق العمل أو يشعر بوجود خلل فيه، حتى وإن لم يستطع تحديد سببه.

خلاصة القول: المصممة في العمل الفني تُعد «مؤرخة بصرية» تعيد إحياء الماضي بلمسة إبداعية، ولا يقل دورها أهمية عن كاتب السيناريو، إذ تروي القصة بخيوطها وألوانها.

- في أعمالك التاريخية، هل عايشتِ أيًا من الحُقَب التي تتناولينها، أم تعتمدين على مصادر ومراجع أخرى في فهمها؟ وكيف تنعكس هذه المصادر على دقة تصاميمك؟

لم أعِش جميع الحِقَب، لكنني عشت امتدادها من خلال جدتي – رحمها الله – ومن خلال أشخاصٍ عاصروا تلك الفترات واحتفظوا ببعض الصور، فكانوا مرجعي الأول في فهم التفاصيل واستحضار روح الزمن.

عزيزة في شارع الأعشى
عزيزة في شارع الأعشى

فتراثنا ليس "زيًّا واحدًا" يُكرَّر، بل هو طبقات متعاقبة من التاريخ.

وللأسف، يظن البعض أن الأزياء التراثية السعودية قالبٌ ثابت، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة؛ إذ إن لكل حقبة زمنية مرّت بها مملكتنا أزياؤها الخاصة وهويتها البصرية المميزة، التي تختلف كليًا عمّا قبلها وما بعدها.

- من خلال مسيرتك، ما أبرز الأعمال التي قدّمتِها؟ وأيها يمثل لك تجربة خاصة أو يحتل مكانة مميزة لديك؟

قدّمت خلال مسيرتي نحو 60 عملًا تنوّعت بين الأفلام والمسلسلات والإعلانات ومن أبرزها، والأقرب إلى نفسي، فيلم «نجد»، إلى جانب أعمال مثل «قرقيعان» و«خباب»، ومشروع «بلال السادس» الذي تناول أزياء أفريقية، وغيرها من التجارب، كما يُعد إعلان يوم التأسيس من الأعمال المميزة بالنسبة لي.

لكل عمل مكانته وتجربته الخاصة، غير أن فيلم «نجد» يظل الأكثر تأثيرًا في مسيرتي؛ إذ مثّل البداية الحقيقية لدخولي مجال الأفلام التاريخية، ومن خلاله تعلّمت الكثير، وفتح لي باب الاستمرار والتطوّر في هذا المجال.

فيلم نجد
فيلم نجد 

- في مشروع شارع الأعشى، ما المراحل التي مررتِ بها في تطوير العمل، وكيف تطوّر التصميم خلال هذه الرحلة؟

في مشروع "شارع الأعشى"، وأي عمل اخر يمرّ المشروع بثلاث مراحل أساسية؛ تبدأ بمرحلة البحث وجمع المعلومات لفهم الحُقَب الزمنية بدقة، ثم تأتي مرحلة اختيار الألوان، حيث يحدّد المخرج ألوان الشخصيات الرئيسية، بالإستناد إلى ألوان الحقبة التي أعرضها عليه، يلي ذلك تحليل الشخصيات من حيث أبعادها ووضعها الاجتماعي، وبناء "الكاركتر" الخاص بكل شخصية، وهي من أصعب المراحل، كما في مثال وضحى وأبنائها في مسلسل شارع الأعشى بجزئه الأول.

بعد ذلك، ننتقل إلى إختيار الأقمشة النسائية والرجالية بما يتناسب مع الحقبة، وصولًا إلى شكل نهائي واضح وواقعي يعكس روح العمل.

- ضمن مشروع شارع الأعشى، تمثل شخصية “عزيزة” عنصرًا مهمًا، كيف انعكس ذلك على تصميم أزيائها وطريقة تقديمها؟

شخصية «عزيزة» هي أبنة الحيّ الشعبي التي تحلم بالخروج من إطارها الضيّق، وتتمتع بروح حالمة وجريئة، متأثرة بأيقونات الزمن الجميل مثل الفنانة سعاد حسني، في أسلوبها وحركاتها وإطلالاتها، هذا التأثير انعكس في بصمتها اللونية الخاصة التي جمعت بين ألوان ناعمة مثل الزهر والموف ونقوش الورود، مع حضور قوي يعكس شخصيتها المستقلة والجريئة، حتى في التفاصيل التراثية الصغيرة على سبيل المثال: إرتدت عزيزة شيلة المنيخل بعد الزواج حول الرقبة بدل وضعها على الرأس، كرمز واضح لتمردها على النمط التقليدي وحتى في زيّها الجامعي، فضّلت التنورة البنية بدل السوداء السائدة في تلك الفترة، تأكيدًا على رغبتها في الاختلاف.

فيلم نجد
فيلم نجد

لذلك، فإن تصميم أزياء «عزيزة» لا يقتصر على اختيار الملابس، بل هو بيان فني يعكس صراعها الداخلي والخارجي، ويعمل كجسر يربط بين واقعها التقليدي وأحلامها السينمائية، مما يجعل كل قطعة من أزيائها جزءًا من قصتها وشخصيتها.

ولعل أبرز ما لفت الانتباه هو حضور الذهب في مسلسل " شارع الأعشى " حيث لم يكن مجرد عنصر جمالي، بل أثار إهتمام المشاهدين بشكل واضح، خاصة أنه جاء في وقت يشهد فيه الذهب عودة لافتة في اهتمام الناس له اليوم، هذا الحضور ساهم في إعادة إبراز أهميته في وقتنا الحالي وربطه من جديد بالهوية والتراث.

- مع هذا الاهتمام الكبير بالذهب في العمل، كيف تعاملتِ مع اختيار وتصميم القطع لتعكس هذه الدلالات التاريخية والثقافية؟

لم يكن حضور الذهب في العمل بهدف الزينة فحسب، بل عكس عادات تلك المرحلة؛ إذ جرت العادة أن تزيّن كل عائلة بناتها بالحُلي، كالحلق والبناجر.

لذلك، حرصنا على اختيار القطع التي كانت شائعة في تلك الفترة، مثل البناجر المعروفة بأسماء "دقّة عبدالغني" و"دقّة أم مراية" و"دقّة الدركتر"، وهي من أبرز ما كان متداولًا في حقبة السبعينيات، كما ظهرت الخواتم ببعض تصاميمها المعروفة، ومن أشهرها «المرامي»، وهو عبارة عن ثلاث دبل تُرتدى معًا في الإصبع الأوسط.

وقد كان هدفنا أن يظهر الذهب كعنصر يحمل دلالة مرتبطة بالحقبة، يعبّر عن الحالة الاجتماعية أو المناسبة، لا بوصفه مجرد إضافة جمالية؛ بل كجزء أصيل من الهوية البصرية للعمل، دون مبالغة أو افتعال.

لقطة من إعلان يوم التأسيس
لقطة من إعلان يوم التأسيس

- هل واجهتِ صعوبة في إقناع فريق الإنتاج أو المخرج بأهمية التفاصيل التاريخية؟

على العكس، لم أواجه صعوبة في الإقناع؛ إذ كان الفريق على قدرٍ عالٍ من الوعي والاحترام للتاريخ، كانوا حريصين دائمًا على السؤال والاستشارة قبل أي خطوة: هل هذا مناسب؟ وهل يتماشى مع الحقبة؟ وهذا ما أسهم بشكل كبير في تحقيق دقة العمل.

كما كان التعامل راقيًا ومهنيًا للغاية ضمن فريق يقدّر الهوية التاريخية ولا يتجاوزها، وهو ما انعكس إيجابًا على النتيجة النهائية للعمل..

- لديك خبرة كبيرة في تصميم الأزياء التاريخية، ولديكِ شركة متخصصة في هذا المجال، هل يمكنكِ مشاركتنا قصة تأسيس شركتك، وكيف ساهمتِ من خلالها في الحفاظ على التراث وإبراز الهوية السعودية من خلال كل تصميم تقدميه؟

 حُبي للأزياء التاريخية كان نقطة البداية ومع مرور الوقت تحوّل هذا الشغف إلى عمل فعلي، كنت مساهمة في شركة متخصصة في هذا المجال " لدي أكثر من 5000 قطعة " متنوعة من مختلف الحُقب الزمنية تشمل الملابس والأحذية والإكسسوارات، إلا أن بعض الظروف أدّت إلى توقف الاستمرارية، ورغم ذلك واصلت عملي بشكل مستقل في تصميم الأزياء التاريخية للأفلام والمسلسلات والإعلانات، ولله الحمد، كما أستعد قريبًا لإطلاق مشروع متكامل يُعنى بكل ما يخص الأزياء والإكسسوارات والديكور التاريخي لمختلف الحُقَب.

وحرصت من خلال كل عمل أشارك فيه على توثيق التراث وإبراز الهوية السعودية بدقة، سواء في اختيار الأقمشة، أو العناية بالتفاصيل، أو تنسيق الإكسسوارات.

وضحى وبناتها من شارع الأعشى
وضحى وبناتها من شارع الأعشى

- كيف تقيّمين تجربتك في أعمالك التاريخية وعلى وجه الخصوص "مسلسل شارع الأعشى" الذي حظي بأصداء واسعة، وما شعورك تجاه ردود الفعل، وما التأثير الثقافي الذي لمستِه من خلاله؟

كانت تجربة مهمة جداً بالنسبة لي، لم تكن مجرد عمل بل مسؤولية اتجاه تمثيل ثقافة وهوية، في مسلسل شارع الأعشى لمستُ أثراً يتجاوز الشاشة حيث كان رسالة حب للماضي.

تفاعل الجمهورهي المكافأة الأجمل ردود أفعالهم على أزياء العمل لافته وأسعدتني وخاصة أنهم انتبهوا للتفاصيل، أرى أن العمل كان له دور في إبراز جزء من تراثنا وتعريف الناس فيه بشكل أوسع ولا شك أن وجود الخبرة السعودية في الأعمال التاريخية يلعب دوراً كبيراً في نجاحها دائماً ويؤكد أن الكفاءات السعودية ركيزة أساسية وحاضرة في كافة المجالات.

مصدر الصور: منصة شاهد