حفل توزيع جوائز الأوسكار 2026

خاص "هي".. في سرادق عزاء حفل أوسكار 2026: جوائز مرتبكة وإبداع غائب

17 مارس 2026

قبل نهاية كل حفل أوسكار، تأتي اللحظة التي يخفُت فيها الضوء قليلًا، وتظهر على شاشة المسرح وجوه الراحلين واحدًا بعد آخر. موسيقى هادئة، لقطات مختارة بعناية، وتصفيق طويل من الحضور. اسم الفقرة معروف: In Memoriam.

لكن في أوسكار 2026 بدت هذه اللحظة أطول من المعتاد… أطول بكثير.

لم تكن مجرد تحية عابرة لمن رحلوا، بل تحولت إلى ما يشبه سرادق عزاء سينمائي طويل.

فائزون… لكن بلا انتصار حقيقي

خرج فيلم"One Battle After Another"  بالفوز الأكبر، محققًا ست جوائز بينها أفضل فيلم وأفضل Casting –  الجائزة التي قُدمت للمرة الأولى في تاريخ الأوسكار – إضافة إلى جائزة أفضل إخراج لبول توماس أندرسون.

لكن هذا الفوز بدا كأنه انتصار بلا احتفال.

فالفيلم الذي كان ينافسه بشراسة، "Sinners"، دخل السباق بـ 16 ترشيحًا، وهو رقم ضخم، ثم خرج بأربع جوائز فقط. كان واضحًا منذ البداية أن المنافسة ليست مجرد سباق بين فيلمين، بل بين رؤيتين مختلفتين للسينما.

 فيلم"One Battle After Another"
صناع فيلم "One Battle After Another"

فيلم "One Battle After Another" يتعامل مع العنف بوصفه ظاهرة تاريخية وسياسية. الحكاية تتبع مجموعة من الشخصيات التي تجد نفسها عالقة في صراع طويل مع السلطة والنظام الاجتماعي، في سرد واسع يمزج بين الكوميديا السوداء والتأمل السياسي. الفيلم لا يرفع شعارات مباشرة، بل يطرح أسئلته عبر حكاية متشابكة عن أمريكا التي تعيش سلسلة من المعارك الصغيرة التي لا تنتهي.

يمكن قراءة الفيلم باعتباره نقدًا للنظام الحالي، أو مجرد دراما إنسانية عن أفراد ضائعين داخل آلة كبيرة. هذه المسافة التأويلية هي ما جعل الفيلم أقل إزعاجًا للأكاديمية.

أما "Sinners"  فكان أكثر مباشرة وأكثر صدامًا. الفيلم يذهب مباشرة إلى فكرة الخطيئة والسلطة والعنصرية والعنف الاجتماعي، ويضع شخصياته داخل عالم أخلاقي مظلم لا يترك للمشاهد مساحة كبيرة للراحة.

إنه فيلم يتحدث عن مجتمع مأزوم داخل إطار رعب خيالي، ويستخدم لغة بصرية قاسية أحيانًا لتأكيد هذه الفكرة.

ولهذا السبب تحديدًا كان الفيلم أكثر إزعاجًا… وأقل حظًا في الفوز.

"Sinners"
بطل "Sinners" 

جوائز التمثيل… مزاج الأكاديمية الحقيقي

في جوائز التمثيل ظهرت شخصية الأوسكار هذا العام بوضوح أكبر من أي فئة أخرى: مزيج معقد من الاستحقاق والمفاجأة والاعتبارات الرمزية.

فوز جيسي باكلي بجائزة أفضل ممثلة كان من اللحظات القليلة التي بدت منطقية تمامًا داخل ليلة مليئة بالمفارقات. أداؤها كان أكبر من تجاهل الترشيح أو الفوز بالجائزة. قدمت شخصية الزوجة والأم في عالم شكسبيري قاتم يتآكل ببطء أمام أعين المشاهد، دون استعراض أو مبالغات ميلودرامية.

في المقابل، جاء فوز مايكل بي جوردان بجائزة أفضل ممثل أكثر إثارة للدهشة. فالدور الذي قدمه في Sinners كان مقنعًا، لكنه لم يكن الأداء الأكثر تعقيدًا في السباق. بدا الأمر كما لو أن الأكاديمية كرّمت حضوره وتأثيره الثقافي داخل مجتمع الأفرو-أميركان بقدر ما كرّمت الأداء نفسه.

فوز مايكل بي جوردان بجائزة أفضل ممثل في Sinners
فوز مايكل بي جوردان بجائزة أفضل ممثل في Sinners

أما المفاجأة الأكبر فجاءت في فئة أفضل ممثل في دور مساعد مع فوز شون بن. لم يكن اسمه في مقدمة التوقعات، لكن إعلان النتيجة أعاد إلى المسرح واحدًا من أكثر الممثلين الأمريكيين إثارة للجدل والتقدير في الوقت نفسه.

في المقابل بدت جائزة أفضل ممثلة في دور مساعد لحظة مختلفة تمامًا. حين صعدت آمي ماديجان – الممثلة المخضرمة التي تجاوزت الخامسة والسبعين – إلى المسرح، كان واضحًا أن القاعة تحتفي بشيء يتجاوز أداءً واحدًا.

فوزها جاء بعد أربعة عقود من ترشيحها الأول للجائزة نفسها عن دورها في فيلم Twice in a Lifetime عام 1986، وكأن الأوسكار قرر أخيرًا أن يسدد دينًا قديمًا.

 

إيمي ماديغان أفضل ممثلة مساعدة
إيمي ماديغان أفضل ممثلة مساعدة

الإخراج والسيناريو… صراع المؤلف والصناعة

جوائز الإخراج والسيناريو كشفت صراعًا أعمق داخل هوليوود نفسها: الصراع القديم بين سينما المؤلف وسينما الصناعة.

فوز بول توماس أندرسون بجائزة أفضل إخراج عن One Battle After Another  لم يكن مفاجئًا. أندرسون يمثل واحدًا من آخر المخرجين الأمريكيين الذين ما زالوا يُنظر إليهم بوصفهم "مؤلفين" بالمعنى الكلاسيكي للكلمة: مخرج يكتب ويصوغ عالمه السينمائي الخاص، ويصنع أفلامًا تبدو أقرب إلى الروايات الطويلة منها إلى المنتجات الصناعية. لذلك بدا فوزه أقرب إلى اعتراف متأخر بمسيرة كاملة، أكثر منه مكافأة لفيلم واحد.

فوز بول توماس أندرسون بجائزة أفضل إخراج عن One Battle After Another
فوز بول توماس أندرسون بجائزة أفضل إخراج عن One Battle After Another

لكن المفارقة ظهرت في جائزة أفضل سيناريو أصلي التي ذهبت إلى ريان كوجلر عن Sinners.  كوجلر يمثل الجيل الآخر من هوليوود: مخرج قادر على العمل داخل النظام الإنتاجي الكبير دون أن يتخلى عن نبرة شخصية واضحة. السيناريو الذي كتبه لم يكن مجرد حكاية جريمة أو دراما اجتماعية، بل محاولة لقراءة العنف والسلطة داخل المجتمع الأمريكي المعاصر.

كان نصًا أكثر مباشرة وجرأة من كثير من الأفلام المنافسة، وربما لهذا السبب تحديدًا لم يفز الفيلم بجائزة أفضل فيلم.

وهكذا تحولت جوائز الإخراج والسيناريو في أوسكار 2026 إلى ما يشبه تسوية أنيقة بين رؤيتين مختلفتين للسينما:سينما المؤلف التي يمثلها أندرسون، وسينما الصناعة الذكية التي يمثلها كوجلر.

وفي المنتصف تقف الأكاديمية، تحاول أن تبدو عادلة مع الاثنين…
دون أن تغضب أيًا منهما.

صناع فيلم Sinners
صناع فيلم Sinners

كونان أوبراين… الكوميديا كسترة نجاة

وسط هذا الجو الثقيل دخل كونان أوبراين إلى المسرح. عودته للمرة الثانية كمقدم للحفل بدت كأنها محاولة لإنقاذ الأمسية من نفسها.

منذ اللحظة الأولى بدأ بإطلاق النكات اللاذعة. سخر من الذكاء الاصطناعي قائلًا إنه ربما يكون "آخر مقدم بشري للأوسكار".
ضحك الجمهور، لكن المزحة لم تكن بعيدة عن الحقيقة.

قبل أسابيع فقط اشتعل جدل واسع حول نموذج الفيديو الجديد Seedance 2.0  الذي طورته شركة ByteDance  الصينية. التقنية قادرة على إنتاج مشاهد سينمائية كاملة من مجرد أوامر نصية، وهو ما أثار قلقًا واسعًا داخل صناعة السينما.

الضجة كانت كبيرة لدرجة أن الشركة أجّلت إطلاق النسخة العالمية من النموذج بعد اتهامات بانتهاك حقوق الملكية الفكرية وضغوط من استوديوهات هوليوود.

كونان أوبراين… الكوميديا كسترة نجاة
كونان أوبراين… الكوميديا كسترة نجاة

لهذا لم تكن نكات كونان عن الذكاء الاصطناعي مجرد مزاح عابر.
كانت اعترافًا مبطنًا بالخوف.

أطلق أيضًا تعليقات ساخرة عن السياسة الأمريكية، ولم يتردد في توجيه نكات حادة إلى شخصيات عامة. الكوميديا هنا لم تكن مجرد ترفيه… بل سترة نجاة للحفل كله.

الحفل كله كان محاطًا بموضوعات ثقيلة: السياسة، الحروب، الرقابة، الذكاء الاصطناعي، بيع حفل الأوسكار لليوتيوب ومستقبل الصناعة نفسها.

وكان على كونان أن يفعل ما يفعله الكوميديون دائمًا في لحظات القلق الجماعي:
أن يضحك… كي لا ينهار كل شيء.

والمفارقة أن الحفل الذي كان يحتفي بالسينما التقليدية، كان في الوقت نفسه يناقش التكنولوجيا التي قد تغيّر هذه الصناعة بالكامل.

 

سينما في زمن الفوضى

فوز لودفيج جورانسون بجائزة أفضل موسيقى تصويرية عن فيلم Sinners  لم يكن مجرد تكريم لمؤلف موسيقي ناجح، بل اعتراف بدور الموسيقى في تحويل الفيلم إلى تجربة حسية كاملة. موسيقى جورانسون مزجت بين الإيقاعات الحديثة والتوتر الدرامي الثقيل، لتصبح جزءًا من عالم الفيلم المظلم، لا مجرد خلفية صوتية. اختيار الأكاديمية هنا بدا منطقيًا: فالموسيقى لم تزيّن الفيلم فقط، بل صنعت مزاجه.

في المقابل جاءت جائزة أفضل أغنية أصلية لفيلم الأنيميشن الكوري الموسيقي KPop Demon Hunters  عن أغنية Golden، في لحظة بدت وكأنها اعتراف صريح بقوة الثقافة الشعبية الآسيوية عالميًا. الأغنية ليست مجرد مقطع جذاب للأجيال الجديدة، بل انعكاس لصعود ظاهرة البوب الكوري التي أصبحت جزءًا من المشهد الثقافي العالمي.

 أفضل أغنية أصلية لفيلم الأنيميشن الكوري الموسيقي KPop Demon Hunters  عن أغنية Golden
أغنية Golden أفضل أغنية أصلية لفيلم الأنيميشن الكوري الموسيقي KPop Demon Hunters

أما في الجوائز التقنية، فقد سيطر فيلم Frankenstein  على فئات التصميم البصري، ففاز بجوائز تصميم الإنتاج والأزياء والمكياج. لم يكن ذلك مفاجئًا؛ فالفيلم أعاد بناء عالم قوطـي كامل بتفاصيل دقيقة جعلت الصورة نفسها جزءًا من السرد. في هذه الحالة لم تكن الديكورات مجرد خلفية، بل لغة بصرية تشكل المزاج العام للفيلم.

وفي فئة الفيلم الدولي فاز الفيلم النرويجي Sentimental Value.  الاختيار بدا ذكيًا من الناحية الفنية، لكنه أيضًا يعكس تقليدًا قديمًا في الأوسكار: تكريم فيلم عالمي يحمل قيمة إنسانية واضحة دون أن يضع الأكاديمية في قلب نزاع سياسي مباشر. فهذه الفئة كثيرًا ما تتحول إلى مساحة للاحتفاء بالسينما العالمية… لكن داخل حدود آمنة.

حتى فئة أفضل فيلم أنيميشن أكدت الاتجاه نفسه. فوز KPop Demon Hunters  لم يكن مجرد انتصار تقني، بل انتصار لفيلم يستخدم الرسوم المتحركة لطرح قصة عن الهوية والنجومية والثقافة الشعبية في زمن تتحول فيه صناعة الترفيه نفسها إلى ظاهرة عابرة للحدود.

لحظة الرثاء الطويلة

في كل عام تكون فقرة In Memoriam مؤثرة ومقتضبة، تحية متوازنة لمن رحلوا.
لكن هذا العام بدت مختلفة.

امتدت الفقرة طويلًا، وامتلأت بالكلمات الرثائية والدموع، حتى بدا المسرح للحظات أقرب إلى سرادق عزاء سينمائي منه إلى حفل جوائز.

بعض الأسماء حصلت على مساحة احتفاء طويلة. تحدثت باربرا سترايسند عن علاقتها بالراحل روبرت ريدفورد، وغنت مقطعًا من إحدى أغنيات أفلامهما، في لحظة بدت أقرب إلى استعادة زمن كامل من السينما الأمريكية.

لحظة الرثاء الطويلة
لحظة الرثاء الطويلة

كما صعد إلى المسرح عدد من النجوم الذين عملوا مع المخرج الراحل روب راينر، وتبادلوا كلمات الوداع عنه. لكن في المقابل مرّت أسماء أخرى بسرعة على الشاشة، أحيانًا لثوانٍ معدودة، وأحيانًا في صورة مزدوجة على الشاشة نفسها.

المفارقة هنا لم تكن في الحزن، بل في طريقة توزيع الضوء.
بعض الراحلين حصلوا على لحظة كاملة من الرثاء، بينما مرّ آخرون كأنهم هامش سريع في شريط طويل من الذكريات.

للحظة بدا أن الماضي، بكل ثقله وعظمته، يملأ القاعة أكثر من الحاضر.

وجوه السينما القديمة التي صنعت أفلامًا خالدة كانت تلمع على الشاشة، بينما الأفلام الجديدة التي يتنافس عليها الحاضر بدت خافتة.

لذلك لم يكن غريبًا أن تتحول الفقرة تدريجيًا من تحية للراحلين… إلى مرآة تعكس قلق هوليوود نفسها.

للحظة بدا وكأن الصناعة التي صنعت تاريخ السينما العالمي لا تعرف كيف تحتفل بالحاضر.

فاختارت أن تتذكر الماضي.

الصور من حسابات النجوم والأوسكار والأفلام على انستجرام وafp.

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.