ماجد الكدواني

"كان ياما كان" والانفصال الجميل.. الكدواني ويسرا وريتال يتألقون رغم الإيقاع الخافت

تغنّت ميادة الحناوي في بداية الثمانينيات بكلمات كتبها ولحنها بليغ حمدي:

"كان يا ما كان، الحب مالي بيتنا ومدفّينا الحنان، زارنا الزمان، سرق منا فرحتنا والراحة والأمان… حبيبي كان هنا، مالي الدنيا عليّ… أنا الحب اللي كان".

في واحدة من أكثر لحظات بليغ حمدي انكسارًا عاطفيًا، كتب ولحن أغنيته عن الحب الذي كان، مستلهمًا تجربته مع وردة بعد الانفصال. ظلّت أسباب الطلاق غامضة، لكن أثره كان واضحًا ومؤلمًا. اللحن مزيج من شجن ناعم وكبرياء مجروح، كأنه يعرف أن الحب انتهى، لكنه لا يستطيع أن ينهيه داخله.

مو

الحب مالي بيتنا

أغنية التتر في "كان ياما كان" بصوت مدحت صالح لا تستدعي هذه الحكاية بوصفها ذكرى غنائية تعبيرية فحسب، بل كمرآة لحكاية معاصرة عن الحب الذي كان بين طبيب الأطفال مصطفى (ماجد الكدواني) وربة المنزل داليا (يسرا اللوزي).

يبدأ المسلسل بلحظة متوترة: يستيقظ الزوج فلا يجد زوجته في المنزل، ولا يستطيع التواصل معها. يظن أن الأمر غضب عابر لأنه نسي تهنئتها بعيد ميلادها. يبحث عنها، ويُعدّ لها حفلًا بسيطًا. تُطفأ الشموع، تتمنى أمنية… وتنطق بها بوضوح: تريد الطلاق.

ة

في تلك اللحظة لا ينفجر شيء. لا صراخ، لا اتهامات. فقط قرار بارد يهبط كحقيقة نهائية. يجد مصطفى الحب يتسرب من بين يديه، ويدخل في حالة إنكار عاطفي. يتجمّد، ويتم الطلاق وهو لا يزال يظن أن ما يحدث موجة ملل عابرة ستنتهي. لا يدرك أن ما انتهى لا يعود بالضرورة.

يأتي "كان ياما كان" هادئًا في موسم رمضاني صاخب، ويراهن على حكاية زواج يبدو ناجحًا ظاهريًا لكنه ينهار دون سبب درامي فجّ. لا يلجأ العمل إلى انفجارات انفعالية أو شتائم متبادلة. ماجد الكدواني يجسد زوجًا وأبًا لطيفًا، وداليا تبدو هادئة وخجولة، لكن ببرود عاطفي يتسلل بصمت.

نجحت الكاتبة شيرين دياب في جذب المشاهد ببداية مشوّقة لحكاية مألوفة في ظاهرها. غموض سلوك داليا في يوم ميلادها خلق توترًا حقيقيًا، وتوقع البعض أزمة منتصف عمر تقليدية، لكن طلب الطلاق وتحقيقه بسهولة نسفا هذا التوقع، وصنعا مفاجأة لا تعتمد على الصراخ، بل على الصمت.

المسلسل لا يقدم خيانة صاخبة ولا صدامًا تقليديًا، بل يقدم ما هو أكثر قسوة: انفصالًا يحدث رغم وجود مشاعر لم تمت بالكامل. ومنذ البداية يلمّح إلى أنه لن يكون مجرد حكاية عن بيت يتفكك، بل عن مشاعر تتآكل ببطء.

ى

ماجد الكدواني… حبيبي كان هنا

منذ الحلقة الأولى، يتضح أن مصطفى — كما يقدمه ماجد الكدواني — ليس رجلًا غاضبًا يصرخ ويتهم ويندفع، بل رجلًا مذهولًا. يتراجع خطوة، يحاول فهم ما حدث، ويتصرف كما لو أن الأرض تحركت تحته دون سابق إنذار. لا يلعب الشخصية بنبرة استجداء، ولا يسقط في فخ البطولة الأخلاقية. لا يقدمه كـ"ضحية كاملة"، بل كرجل مرتبك يحاول أن يحافظ على ما يمكن إنقاذه.

أقوى لحظاته في المشاهد التي تجمعه بفرح. محاولاته للتماسك تبدو دفاعًا أخيرًا عن صورة الأب، لا عن صورة الزوج. في تلك اللحظات يتجاوز الأداء النص أحيانًا؛ السيناريو لا يمنحه مونولوجات طويلة، لكنه يمنحه مساحات صمت، والكدواني يعرف كيف يملأ الصمت دون مبالغة.

ةت

في أحد المشاهد المبكرة، يحاول أن يبدو طبيعيًا أمام ابنته رغم تصاعد الإجراءات القانونية ضده. لا يشرح، لا يبرر، فقط يتمسك بهدوء أقرب إلى الكرامة، بينما يخفي عنها بلاغات داليا وتحركاتها. هنا يتضح أن مصطفى لا يقاتل لاستعادة طليقته بقدر ما يقاتل كي لا يتحول إلى "أب في عطلة نهاية الأسبوع".

هذا التحول من صراع زوجي إلى صراع أبوي يمنح الشخصية عمقها الحقيقي. وحين يترهل الإيقاع، يبقى حضور الكدواني ضابطًا للنغمة، وحين تتشعب الخطوط الجانبية، يظل خطه العاطفي الأكثر تماسكا.

م

يسرا اللوزي… نسيت مين أنا

داليا، على الورق، شخصية معقدة. امرأة تطلب الطلاق علنًا في لحظة يفترض أن تكون احتفالًا شخصيًا. قرارها حاسم، لكنه بلا شرح كافٍ. يتعمد المسلسل حجب دوافعها، وكأن غموض الأسباب جزء من البناء.

لكن الغموض سلاح ذو حدين.

في الحلقات الأولى تبدو داليا أقرب إلى المبادِرة بالهدم منها إلى شخصية ذات مسار نفسي واضح. لا نرى تراكمًا طويلًا للأسباب بقدر ما نرى نتيجة مفاجئة. تدخل الأم والمحامي يضيف طبقة من التأجيج، ما يجعلها أحيانًا مدفوعة من الخارج أكثر مما هي مدفوعة من الداخل.

يسرا اللوزي لا تؤدي داليا كشريرة ولا كضحية. تختار منطقة وسطى دقيقة: امرأة أنهكها شيء لم يُفصح عنه بالكامل. نظراتها أطول من جملها، وصمتها يحمل توترًا لا يقوله الحوار. المشكلة أن السيناريو لا يمنحها المساحة الكافية لتبرير هذه الضرورة بوضوح. نفهم ألمها، لكننا لا نعرف دائمًا لماذا الآن، ولماذا بهذه الطريقة.

ومع ذلك، يمنح الأداء الشخصية عمقًا لا يكتبه النص دائمًا.

ن

ريتال عبد العزيز… سرق منا فرحتنا

وفي قلب هذا التحول تقف فرح، كما تقدمها الممثلة الشابة ريتال عبد العزيز.

هي مراهقة في سن حساس، ترى ما يحدث وتفسره بطريقتها. رفضها للانفصال ليس عاطفيًا فقط، بل وجودي. تميل إلى الأب، ترى فيه الطرف الأضعف، وتحمل الأم — ولو ضمنيًا — مسؤولية الشرخ.

فرح لا تقف في المنتصف بحياد. تختار، وتنحاز، ثم تعيد النظر في انحيازها تبعًا لما تراه. تعاقب بالصمت أو بالتمرد، وتتدهور حالتها الدراسية تحت وطأة التوتر.

الصدام بينها وبين الأم ليس صاخبًا دائمًا، بل يتجلى في نظرات ممتدة وردود مقتضبة. هنا ينجح المسلسل في تصوير المراهقة كشخصية ذات رأي، لا كضحية صامتة. تنجح ريتال في تجسيد مشاعر فرح بإحساس مرهف، وتمنح الكيمياء بينها وبين ماجد الكدواني علاقة الأب والابنة صدقًا خاصًا.
شمعة بعد شمعة

البداية وعدت بمسلسل نفسي دقيق، يعتمد على تصعيد بطيء متماسك. لكن الحلقات التالية اختارت نبرة تأملية، وهو خيار مشروع، غير أن الفرق بين التأمل والترهل دقيق.

تكرار النقاشات، وإعادة المشاعر بعبارات متقاربة، واستطالة بعض المشاهد دون تطور واضح، كلها أضعفت الزخم الأول. بدل أن يتصاعد الصراع الداخلي، بدا أحيانًا وكأنه يدور في حلقة مغلقة.

التفرعات الجانبية تكاثرت إلى حد بدا مقصودًا: مها تطلق زوجًا عنيفًا، سيف يخون نورا، مي تتمسك بخطيب يستنزفها ماديًا خوفًا من العنوسة، وسمر وزين يعيشان بلا زواج. حتى خلفية مصطفى ونورا — شقيقان من أب واحد وأمّين مختلفتين — توحي بأن الطلاق ليس حادثة فردية، بل نمطًا متكررًا. هذا التكدس جعل المسلسل أحيانًا أقرب إلى عرض بانورامي لأزمات العلاقات المعاصرة منه إلى تركيز حاد على أزمة واحدة تتطلب عمقًا أكبر.

ت

عسل ومر

تلعب مديرة التصوير نانسي عبد الفتاح دورًا مهمًا في تثبيت النبرة الهادئة. الكاميرا تلتقط التفاصيل الصغيرة: تفاصيل الأماكن والمشاعر المضغوطة، صمت ثقيل. تتراكم هذه اللحظات لتشكّل موزاييكًا إنسانيًا حساسًا على الشاشة.

أما النخرج كريم العدل، فتبدو بصمته واضحة في ضبط الأداء وإخراج أفضل ما لدى الممثلين، لكنه يتحمل أيضًا جزءًا من مسؤولية البطء في بعض الحلقات. الحساسية البصرية كانت حاضرة، لكن ضبط الإيقاع لم يكن دائمًا محكمًا.

"كان ياما كان" واحد من الأعمال المميزة هذا الموسم. فكرته متماسكة لكنها لا تتوهج بالكامل، وتنفيذه حساس وصادق، لكنّه لا يدفع العمل إلى ذروته القصوى. كان يمكن للصراع أن يكون أكثر تعقيدًا، وأكثر جرأة.

وما يزال أمامه متسع — في الحلقات القادمة — ليحسم موقعه:

هل سيظل مسلسلًا متوسطًا بأداء تمثيلي متميز، أم يتحول إلى عمل مكتمل الرؤية؟

نالصور من حساب الشركة المتحدة ولقطات من المسلسل
 

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.