مخرج "خروج آمن" يتحدث لـ"هي" من مهرجان برلين: الفيلم موجه لجيل الشباب
ضمن عروض برنامج "البانوراما" في مهرجان "برلين السينمائي" عرض الفيلم المصري "خروج آمن" للمخرج محمد حماد، وهو الفيلم الذي يعود به بعد غياب نحو 10 سنوات منذ تقديم فيلمه الأول "أخضر يابس".
في حوار خاص مع "هي" يتحدث حماد عن الفيلم وتفاصيل خروجه للنور في "برلين السينمائي".
عندما بدأت العمل على فكرة فيلم "خروج آمن"، هل كان السيناريو مكتوباً بهذه الصورة منذ البداية، أم أنه مرّ بتطورات أثناء الكتابة؟
لم يكن السيناريو مكتوبًا بصورته النهائية منذ البداية، كانت هناك نواة أولى للفكرة. تخيّلت شاباً يعمل في وظيفة بسيطة، كموظف أمن أو مندوب، وظيفة روتينية لا تشبه أحلامه في شيء، بينما يحمل في داخله حلماً بأن يصبح كاتباً للروايات والقصص. هو يعمل فقط ليؤمّن احتياجاته اليومية، لكن روحه معلّقة بعالم آخر. هذه كانت البذرة الأولى.

لكن الفكرة حملت أبعاد أخرى عديدة؟
بالفعل خلال العمل بدأت الفكرة تتسع، كان لديّ شغف قديم بفكرة الصداقة، وأشعر أنها قيمة إنسانية كبيرة لا تحظى دائماً بالمساحة التي تستحقها في السينما، إذ غالباً ما تطغى قصص الحب، أردت أن أقدّم فيلماً عن صداقة بين شابين، من دون أن تكون العلاقة عاطفية، بل إنسانية خالصة، ومن هنا جاءت فكرة أن يكون الشابان من عالمين مختلفين تماماً، أحدهما اجتماعي، مندفع، صريح، والآخر انطوائي، متحفظ، شديد الحساسية، هذا التناقض بالنسبة لي يصنع الدراما. والسؤال الذي شغلني: هل يمكن للصداقة أن تجمع بين شخصين لا يجمع بينهما شيء تقريبًا؟ هل يمكنها أن تخلق مساحة للتفاهم رغم الاختلاف؟، ثم تطورت الفكرة إلى محور أعمق، هو الأمان والخوف، أرى أن الإحساس بالأمان من أهم احتياجات الإنسان في زمننا، أن يشعر بأنه قادر على الاستمرار في حياته بسلام، وفي المقابل، الخوف هو الوجه الآخر لهذا الأمان، نخاف لأننا نخشى فقدانه، هناك مقولة أحبها تقول إن الخوف لا يمنع الموت، لكنه قد يمنع الحياة، هذا المعنى أصبح بمثابة روح الفيلم.
عبرت عن الخوف في الأحداث من وجهات نظر متعددة في إطار الأحداث؟
الخوف قد يكون من أحداث كبرى نراها في نشرات الأخبار، صراعات، عنف، حروب. وقد يكون من تفاصيل يومية بسيطة، الخوف من فقدان العمل، أو من مواجهة المدير، أو من المستقبل. كنت مهتماً بكيفية انعكاس الأحداث الكبرى على الإنسان العادي، الذي قد يمرّ أمامنا في الشارع من دون أن نلتفت إليه. ماذا تفعل به تلك الصور؟ كيف تؤثر في سلوكه وعلاقاته ونظرته للحياة؟، كنت مهتماً أيضاً بالجيل الجديد، الشباب الذين نشأوا في ظل أحداث عنيفة أو تحولات كبرى، بعضهم فقد أحد أقاربه أو عاش تجربة صادمة. كيف يتعامل هذا الجيل مع آثار الصدمة؟ كيف يكمل حياته رغم ما يُعرف باضطراب ما بعد الصدمة؟ لم أتعامل مع الأمر كبحث نفسي أكاديمي، بل كفضول إنساني لفهم ما يحدث داخلهم.

هل جلست بالفعل مع شباب مرّوا بتجارب مشابهة قبل كتابة الفيلم؟
نعم، بالطبع، أنا أتعامل مع صناعة الفيلم كمن يدفع عجلة إلى الأمام، وكلما صادف شيئاً في الطريق التقطه وخزّنه، التقيت بشباب عاشوا تجارب مختلفة، بعضهم فقد أحد أفراد أسرته في أحداث عنيفة، وبعضهم يحمل آثاراً نفسية واضحة، لم أكن أقدّم نفسي كمحلل نفسي، بل كنت أحاول أن أفهم، كنت أطرح أسئلة كثيرة، وأستمع أكثر مما أتكلم، أحياناً لا تحتاج إلا إلى أن تجلس وتتأمل ما تسمعه، هذه التفاصيل لا تُنقل كما هي إلى الفيلم، لكنها تُشكّل وعيك، وتنعكس لاحقاً في بناء الشخصيات.
ما أصعب ما واجهته في اختيار الممثلين، خاصة وأن معظمهم وجوه شابة؟
بالنسبة لي، أهم شيء في الممثل هو القدرة على الاستقبال، التمثيل في جوهره ليس أداءً خارجياً فقط، بل هو استقبال ثم رد فعل، الممثل الجيد هو من يستقبل المشاعر والمواقف بصدق، ثم يترجمها على وجهه وفي جسده من دون افتعال، كنت أبحث عن ممثلين لديهم طاقة حساسية عالية، قادرين على الإنصات، وعلى التفاعل مع بعضهم. جلسنا طويلاً في بروفات، تحدثنا عن الشخصيات، عن ماضيها، عن دوافعها، أردت ممثلين لديهم التزام كامل، لأن طبيعة العمل كانت صعبة، وقد نضطر للتوقف ثم العودة. الالتزام كان شرطاً أساسياً، كما أن عنصر القبول مهم جدًا. يجب أن يشعر المشاهد برغبة في الاقتراب من الشخصية، في متابعتها، في التعاطف معها، حتى لو كانت معقدة أو متناقضة.

أي مرحلة كانت الأصعب الكتابة، التحضير، التصوير، أم ما بعد الإنتاج؟
كل مرحلة لها صعوبتها. الكتابة كانت مرهقة لأنها تتطلب أن تعيش مع الشخصيات طويلاً، وأن تصل إلى لحظة تشعر فيها بأنك مستعد للمغامرة والإنتاج، التحضير أيضاً كان صعباً، خاصة مع محدودية الإمكانيات، نحن شركة إنتاج صغيرة، والتمويل ليس أمراً سهلاً، أحياناً نضطر للتوقف حتى تتوفر الموارد اللازمة، التصوير في الشارع كان تحدياً كبيراً، من حيث التصاريح والتنظيم والتكلفة، أما ما بعد الإنتاج، فكان مرحلة دقيقة جداً، من المونتاج إلى المكساج وتصحيح الألوان، فكان العمل سباق مع الوقت والميزانية في آن واحد.
هل كان اختيارك لمسار إنتاج مستقل قراراً مرتبطاً بالرغبة في حرية التعبير؟
بالتأكيد، عندما تريد أن تحافظ على رؤيتك كاملة، من دون تنازلات جوهرية، فأنت تختار طريقاً إنتاجياً أصعب، هناك جهات تمويل قد تطلب تعديلات لتناسب السوق أو أولويات معينة، أحياناً يكون ذلك مشروعاً، لكن في أفلام شخصية جداً، أشعر أن مساحة الحرية ضرورية، أنا أفرّق بين الفيلم التجاري والفيلم الجماهيري، الفيلم التجاري يُبنى أساساً وفق حسابات السوق والتوزيع، أما الفيلم الجماهيري، فقد يكون فنياً جداً، لكنه يصل إلى جمهوره لأنه صادق، قد يكون جمهوره عشرة أشخاص أو آلافًا، لكنه وجد من يتفاعل معه، الأفلام لا تُرضي الجميع. حتى أكثر الأفلام شهرة في العالم هناك من لا يحبها. لذلك أؤمن أن الفيلم يختار جمهوره، وأن على صانع الفيلم أن يكون واضحًا بشأن من يخاطب.

ما الجمهور الذي تخاطبه في "خروج آمن"؟
أنا مهتم جداً بالشباب، تحديداً من هم في العشرينات من عمرهم، أشعر أن هذه الفئة العمرية تعيش أسئلة كبيرة، وتحمل حساسية خاصة تجاه العالم، ربما لأنني اقتربت منهم في مشروعات سابقة، أو لأنني أرى فيهم المستقبل، هذا الجيل يرى العالم بسرعة، يتابع ما يحدث في كل مكان، ولديه ذائقة مختلفة، قد يكون أكثر نقداً، وأصعب إرضاءً، لكنه أيضاً أكثر صدقاً في رد فعله، إذا تفاعل مع الفيلم، فأنا أشعر أنني وصلت إلى منطقة حقيقية.