منزل عبد الحليم حافظ.. حينما تتحول الجدران إلى قصة حب
كأن عبد الحليم حافظ هو نفسه من يستقبلك، بمجرد أن تدخل باب منزله في منطقة الزمالك وسط العاصمة المصرية القاهرة، صوره وصوته وروحه وأغانيه وخط يده، تفاصيل تسكن جناحه الخاص بشقته المطلة على حديقة الأسماك العريقة، مقتنياته ترسم تفاصيل يومه أمامك، وتحكي لك قصة فنان لم يتكرر، يبدو كمن كان يفكر في جمهوره حتى وهو في أصعب الظروف الصحية، ولهذا ظل بيته منزل الفنان العربي الوحيد المفتوح للزيارة على مدار عشرات السنوات، مع مجهودات متواصلة لتسجيله في منظمة "اليونسكو" بمقتنياته الفريدة ورمزيته الراسخة في قلوب وعقول محبي العندليب الذي يظل اسمه ولقبه مرادفا لمعاني الحب.

هاتفه الفخم، البورتريه المفضل له، منشفته المدون عليه حروف اسمه، جهاز الأسطوانات، خزانة ملابسه وأحذيته، حتى وسادته ظلت كما هي، كان عقل عبد الحليم مؤسسة كاملة تدير موهبة تدخل القلوب بمجرد همسة، ولهذا فهو فنان سابق لعصره فيما يتعلق باختياراته الفنية، وعائلته أيضا سبّاقة بتحويل بيته إلى مزار يرسم الحب جيلا بعد جيل، لتؤكد معنى الاستمرارية، ومعنى الإخلاص للإرث.. أسرة بقيت على العهد، أحاطته بالوفاء وهو على قيد الحياة، واعتنت بقية الأجيال بسيرته حتى اليوم، حيث يستقبل المنزل عشرات الآلاف من الزوار سنويا.
في هذا العدد نحتفل بالحب وبدفء العائلة، لكن مع عبد الحليم هناك مناسبات عديدة أخرى، فبخلاف أنه لا يزال مطرب الرومانسية الأول ولا تزال أغانيه عنوانا للرسائل بين العشاق، خلال أسابيع قليلة أيضا سيمر 49 عاما على رحيله، حيث فارق الحياة في 30 مارس 1977 حينما كان لا يزال في الأربعينيات من عمره، بينما إبداعه يبدو جديدا وعصريا تماما كلما تردد صدى أغنياته في المدى، فيما منزله يكمل مشهد المحبة الفياض، وكأن صاحب البيت ينتظر الجمهور، ويستقبلهم بذراعين مفتوحتين بكرم ومودة على الرغم من الغياب.

لدى عبد الحليم حافظ، واسمُه الحقيقي عبد الحليم علي إسماعيل شبانة، 16 فيلما سينمائيا، وعدد أغنيات يُقدر بالمئات، ومقتنيات خاصة نكتشفها يوما بعد يوم، من سيناريوهات تحمل ملاحظات بخط يده، وخطابات ومراسلات تاريخية، وصور تجمعه بنجوم عصره وكبار الشخصيات من مختلف أنحاء العالم العربي، إضافة إلى صور أخرى توثق يومياته في نزهاته أو رحلاته العلاجية وأوقات استجمامه، خارج المنزل وداخله، كان فطنا لكونه فنانا مختلفا منذ زمن بعيد، فطريقته في تقديم نفسه للجمهور عصرية تماما، بل إنها سبقت زمنها بعقود، فقربه من الجماهير لم يكن في حساسيته الشديدة في الغناء والتمثيل فقط أو في اختياراته لكلمات وألحان تدخل الوجدان من دون استئذان، ولا في روحه الفنية التي ظلت شابة، وإنما أيضا في أسلوبه في التعامل مع الناس، فقد حافظ على نجوميته بلا مساس، وفي الوقت نفسه حرص على أن يمنح عشاقه من حين لآخر لمحات من حياته الشخصية وتفاصيل يومياته، ولهذا يعتبر من الأكثر تأثيرا في الثقافة الشعبية بالعالم العربي، وكذلك في مشاهير الفن أنفسهم حتى اليوم.

فقد كانت الجماهير تراه في صور ولقطات غير مسبوقة بمنزله مقارنة بمشاهير زمنه، يتناول طعامه ودواءه، يجلس في شرفته، يتسامر، كلها مشاهد عفوية، تقفز إلى خيال الزائرين لهذا البيت الذي ينقسم إلى جناحين كبيرين، أحدهما الذي عاش فيه حليم، وأقام فيه عددا من بروفات أغنياته بحضور الملحنين والموسيقيين والشعراء، والثاني لأفراد الأسرة، وبينهم المهندس عبد الحليم الشناوي الذي سمي تيمنا بالجد الذي لم يره، والشناوي هو حفيد الأستاذة علية شبانة شقيقة عبد الحليم حافظ الراحلة، وحافظة أسراره، وهو أيضا حفيد الفنان البارز كمال الشناوي لناحية الأب.

يقول المهندس عبد الحليم الشناوي في حواره مع مجلة "هي": "إن الأسرة تحتفظ بكل قصاصة ورق تخص عبد الحليم حافظ، إذ لديهم سيناريوهات جميع الأفلام، وملابسه بخاصة التي ارتداها في حفلاته الشهيرة، وكذلك عبوات العطور المفضلة له، وأحدث الأجهزة الموسيقية بمقاييس ذلك العصر، والتي كان يقتنيها الراحل أولا بأول، ويتابع الشناوي: "غرفة نومه على وجه التحديد كما هي، حتى علامة رأسه على حافة السرير تركناها، إضافة إلى الهاتف الأرضي الذي كان يستعمله، وهناك أيضا أكثر من عود كان يعزف عليها، وكتب مهداة له من كبار الكتاب والمبدعين، مثل نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، ومصطفى محمود. كما أن لدينا أكثر من 1500 صورة نادرة له مع أبرز الشخصيات سوف نكشف عنها تباعا".

ومن القطع التي لها ذكرى خاصة بالنسبة إلى عبد الحليم حافظ المولود في 21 يونيو عام 1929 بقرية الحلوات بمحافظة الشرقية بمصر، البورتريه الحزين الذي رسمه له الفنان التشكيلي جمال كامل، حيث لا يزال يزين الجدران، وهو بورتريه استغرق إنجازه عدة أشهر، وكان يراه حليم معبرا عن مشاعره تماما، وبخاصة في الفترة التي خسر فيها حبيبته الأولى، والتي توفيت بعد أن أصيبت بمرض عضال، وهي واحدة من القصص الكثيرة التي تسردها المقتنيات النادرة.

تعتني الأسرة بالمكان بشكل منتظم، وتجري له الصيانة الدورية، كي يحافظ على رونقه، نظرا لأنه يستقبل عشرات الآلاف من الزوار سنويا ممن يحجزون زياراتهم عبر الموقع الرسمي الذي تم تدشينه مؤخرا، حيث يتابع الحفيد عبد الحليم الحفيد: "نستقبل طلبات تفوق الربع مليون طلب سنويا، ولكننا مثلا العام الماضي لم نتمكن إلا من تلبية 83 ألفا، حيث إن سعة المكان لا تزال محدودة، ولهذا أطلقنا حملة نسعى من خلالها لتسجيل المكان منزلا تراثيا، في منظمة التربية والعلوم والثقافة "يونسكو" التابعة للأمم المتحدة، باعتباره أول منزل لفنان عربي يفتح للزيارة بهذا الشكل، وعلى مدار نصف قرن تقريبا، وسوف يستمر إن شاء الله".

ومن الملاحظات الجديرة بالاهتمام، وفقا للمهندس عبد الحليم الشناوي، أن أكثر من سبعين في المئة من زوار المنزل هم من الشباب الصغار تحت الثلاثين، أي أن أغلبيتهم ينتمون لجيل زد، حتى إن أطفالا كثيرين متيمين بعبد الحليم حافظ بعد أن ورثوا محبتهم له من عائلتهم، ويحرصون على زيارة منزله للتعرف إلى حياته عن قرب، بينما تتزين الجدران بتدوينات ورسائل مودة كتبها المعجبون تحمل امتنانا خاصا ودعوات صادقة، وتكشف عن عمق العلاقة التي تجمع هذا الفنان بمتذوقي أعماله التي تحجز مكانا عاليا وعظيما في مكتبة الإبداع العربي.
