المخرج السوري أمير فخر الدين

خاص "هي": أمير فخر الدين يروي حكايته مع "برلين السينمائي" من رفض الاشتراك لعضوية لجنة التحكيم!

أحمد عدلي
14 فبراير 2026

على مدار عقد كامل ارتبط المخرج السوري أمير فخر الدين بمهرجان برلين السينمائي، رحلة بدأت كمخرج من الجولان المحتل يرغب في عرض فيلمه بمسابقة الأفلام القصيرة لكنه يتلقى رفضاً من المهرجان ليجد نفسه العام الماضي مشاركاً في مسابقته الرسمية بفيلمه الروائي الثاني ومختاراً في الدورة الحالية كعضو لجنة تحكيم.

في حوار خاص على هامش مشاركته كعضو لجنة تحكيم في المهرجان تحدث المخرج السوري عن رحلته مع البرلينالة وتجربته في عضوية لجنة التحكيم وغيرها من التفاصيل، وإلى نص الحوار.

لنبدأ من العام الماضي، حين شاركت بفيلمك "يونان" في المسابقة الرسمية، واليوم تعود إلى مهرجان برلين كعضو لجنة تحكيم. ما الذي تغيّر في شعورك بين التجربتين؟

 بلا شك، هناك اختلاف عميق بين التجربتين، حين شاركت العام الماضي بفيلمي "يونان" في المسابقة الرسمية لـمهرجان برلين السينمائي الدولي، كنت أعيش لحظة ولادة علنية للعمل، الفيلم كان يخرج إلى العالم للمرة الأولى، وكان عليّ أن أواجه الجمهور والنقاد والصناعة بكل ما في داخلي من قلق وأسئلة، تلك المشاركة كانت شرفاً كبيراً ومسؤولية ثقيلة في الوقت ذاته، شعرت يومها بضغط كبير، لأن الفيلم لم يعد ملكي وحدي، بل أصبح في مواجهة التأويلات والنقاشات.

أما اليوم، فعودتي كعضو لجنة تحكيم تمنحني شعوراً مختلفاً، هناك امتنان وفخر، لكن دون ذلك القلق الشخصي المرتبط بمصير فيلمي، أنا هنا لأشاهد، لأصغي، ولأتحاور مع أعمال أخرى، أشعر بقدر أكبر من السكينة، وبفضول حقيقي لاكتشاف أصوات جديدة من أنحاء العالم، العام الماضي كنت أدافع عن رؤيتي، واليوم أفتح نفسي لرؤى الآخرين.

المخرج السوري أمير فخر
المخرج أمير فخر عضو لجنة تحكيم مهرجان برلين

وجودك كعضو لجنة تحكيم عربي في مهرجان عالمي كبير أمر لافت. كيف تنظر إلى هذه المسؤولية؟

يشرفني بالطبع أن أكون عضواً في لجنة التحكيم، في لجنة هذا العام هناك ناقد سينمائي نمساوي، وفنانة تشكيلية ألمانية، إلى جانبي كمخرج، هذا التنوع يخلق مساحة حوار ثرية، لأننا لا ننظر إلى الأفلام من زاوية واحدة، لا أريد أن أحكم على فيلم فقط بعين المخرج، بل بعين المتلقي أيضاً، بعين الإنسان الذي يبحث عن صدق التجربة ونضجها، أما كوني عربياً في لجنة تحكيم مهرجان كبير، فأراه أمراً مهما على مستوى الرمزية، فحضور المخرجين العرب في لجان تحكيم المهرجانات الكبرى لم يعد استثناء كما كان في السابق، وهذا يبعث على الفخر، أشعر بمسؤولية أن أمثل ثقافتي وبيئتي بوعي، لكنني في الوقت ذاته لا أريد أن أكون ممثلاً لهوية مغلقة، بل لصوت إنساني مفتوح على العالم.

هل تختلف نظرتك إلى الفيلم حين تكون مخرجاً عنه، عنها حين تكون عضو لجنة تحكيم؟

بالتأكيد، كمخرج، أعيش الفيلم من داخله؛ أعرف هشاشته، وأعرف ما مرّ به من شكوك ومعاناة، أعرف أن كل فيلم هو عالم قائم بذاته، وأنه نتيجة زمن طويل من القلق والتجريب، لذلك أعترف أنني لست من أنصار فكرة المسابقات أصلاً، لأنني لا أحب فكرة المقارنة بين العوالم، كيف يمكن أن نقول إن عالماً أفضل من آخر؟، لكنني في الوقت نفسه أفهم منطق المهرجانات، وأدرك أن الجوائز قد تفتح أبواباً حقيقية أمام صناع الأفلام، حين أجلس في لجنة التحكيم، لا أبحث عن “الأفضل” بمعناه التراتبي، بل أبحث عن النضج، النضج السينمائي هو المعيار الأهم بالنسبة إليّ، كيف يرى المخرج العالم؟ كيف يعالج موضوعه؟ هل هناك وعي باللغة السينمائية؟ هل هناك صدق داخلي؟، المسابقة تضم أفلام اختيرت من بين آلاف المشاركات، مجرد الوصول إلى هذه المرحلة إنجاز بحد ذاته، لذلك أحاول أن أتعامل مع كل فيلم كفرصة لقاء، لا كعنصر في سباق.

المخرج السوري أمير فخر
المخرج السوري أمير فخر الدين

لديك تجربة شخصية مع مهرجان برلين تعود إلى أكثر من عشر سنوات، حين قدمت فيلمك القصير الأول ولم يُقبل.. ماذا تعني لك العودة اليوم كعضو لجنة تحكيم؟

هذه القصة مؤثرة بالنسبة إليّ، قبل نحو عشر سنوات صنعت فيلمًا قصيراً في الجولان المحتل، وكان أول عمل لي، لم أكن أعرف الكثير عن المهرجانات، لكنني سمعت عن برلين، فجلست أمام الحاسوب وقدّمت الفيلم، جاءني الرفض، وتأثرت كثيراً يومها. شعرت بالإحباط، وقررت أن أركز على مشروع فيلم طويل.

المفارقة أن مديرة أحد أقسام المهرجان شاهدت الفيلم بعد سنوات وأخبرتني أنه كان عملاً جميلاً، وهذا يعلّمنا أن عملية الاختيار ليست حكماً نهائياً على قيمة العمل، هناك عوامل كثيرة، بينها الصدفة والحظ وتوقيت المشاهدة، حين أعود اليوم كعضو لجنة تحكيم للأفلام القصيرة في مهرجان برلين السينمائي الدولي، أشعر أن دائرة ما قد اكتملت، الرفض الذي تلقيته يوماً لم يكن نهاية الطريق، بل جزءاً من تكويني. أحياناً ما ينقذنا هو طريقة تعاملنا مع الرفض، لا الرفض نفسه.

المخرج أمير فخر  يعود من جديد لمهرجان برلين
المخرج أمير فخر يعود من جديد لمهرجان برلين

لنتحدث عن ثلاثيتك السينمائية التي بدأت بفيلم "الغريب" واستكملتها بـ"يونان".. أين يقف الجزء الثالث؟

الجزء الثالث في مرحلة التمويل حالياً، وآمل أن نصوره قريباً، بدأت الثلاثية بفيلم "الغريب" عام 2021، ثم جاء "يونان" عام 2025. هذه الأفلام الثلاثة تدور حول ثيمة أساسية هي علاقة الفرد بالمكان، وبالانتماء، وبالعزلة الداخلية،  الجزء الثالث سيتناول مواجهة الفرد لماضيه حين يجد نفسه مضطراً للعودة إلى مكان تركه خلفه، لا أستطيع كشف تفاصيل كثيرة، لكن ما يمكنني قوله إن الفيلم سيختم هذه الرحلة التأملية، منذ المشهد الأول في "الغريب" وضعت إشارة خفية إلى مسار الثلاثية، كأنها خيط يمتد عبر الزمن، أفلامي غالبًا ما تنطلق من مخاوف مستقبلية، لا من ذكريات ماضية فقط. في "يونان" مثلًا كنت أستكشف خوفاً شخصياً من أن أفقد إمكانية العودة إلى بلدي يوماً ما، في الجزء الثالث هناك خوف آخر، مرتبط بالعودة ذاتها، وبمواجهة ما تركناه خلفنا.

هل تفكر في ثلاثية جديدة بعد انتهاء هذه؟

نعم، لدي فكرة لثلاثية أخرى، ربما تكون أول مرة أصرّح بذلك. أرغب في الاشتغال على موضوع الإيمان، لا بوصفه مسلّمة، بل بوصفه سؤالًا. الإيمان، بالنسبة إليّ، ليس مفهوماً مغلقاً، بل مساحة جدل وتأمل، أحب الرقم ثلاثة، لأنه يمنحني فسحة للتفكير المتعدد في الفكرة الواحدة، بدل اختزالها في عمل واحد.

المخرج أمير فخر
المخرج أمير فخر قدم مجموعة من الأفلام الناجحة

ما أسباب عدم تعاونك مع أي مؤلفين في مشاريعك السينمائية؟

أجد صعوبة في مشاركة الكتابة حين يكون المشروع شديد الخصوصية، لأنني أشتغل على مناطق داخلية جداً، على مخاوف شخصية وأسئلة وجودية، لكنني لا أستبعد التعاون مستقبلاً، السينما في النهاية فن جماعي، وأؤمن بأن الحوار قد يفتح آفاقاً جديدة.

هل تعتقد أن المخرجين العرب العاملين في أوروبا يحظون بفرص أفضل من حيث التمويل والدعم؟

لا شك أن وجود أنظمة دعم حكومية في أوروبا يسهّل عملية الإنتاج، في العالم العربي لدينا مبادرات وصناديق مهمة، لكنها محدودة قياساً بحجم الطموح، هذا لا يعني أن التمويل الأوروبي يفرض بالضرورة أجندته، لكن هناك دائماً ديناميات قوة يجب أن نكون واعين لها، أذكر مثلاً أن فيلم "يونان" كان إنتاجاً مشتركاً بين عدة دول أوروبية وعربية، بعض جهات التمويل سألتني عن خلفية الشخصية الرئيسية،  وكأنها تبحث عن تعريف محدد لهويته. لكنني تعمدت ألّا أضع توصيفاً مباشراً، لأنني لم أرد اختزال الشخصية في انتماء واحد، أردت أن تكون تجربته إنسانية قبل أن تكون جغرافية، في النهاية، المسألة ليست شرقاً أو غرباً، بل وعي المخرج بما يريد قول،. إذا امتلك هذا الوعي، يمكنه أن يحافظ على صوته، أياً كانت مصادر التمويل.