ورطة صوفي تيرنر في مسلسل "Steal".. حين يصبح الخطر أقل رعبًا من الفقر!
يبدأ المسلسل البريطاني Steal (سرقة) من فرضية تبدو مألوفة: عملية سطو ضخمة تُنفَّذ تحت تهديد السلاح. لكن ما يميّزه منذ مشاهده الأولى أنه لا يتعامل مع السرقة كفعل استثنائي، بل كامتداد منطقي لعالم هشّ تُدار فيه الحياة اليومية بمنطق الخوف وانعدام الأمان.
المسلسل لا ينشغل بسؤال: كيف تُسرق المليارات؟ بقدر ما يتوقف عند سؤال أكثر إزعاجًا: لماذا يبدو هذا الفعل ممكنًا نفسيًا وأخلاقيًا داخل منظومة لا تمنح الأمان لمن يعملون في قلبها؟
العمل من إنتاج أمازون، وإخراج سام ميلر وهيتي ماكدونالد، وتأليف سوتيريس نيكاس، وبطولة صوفي تيرنر، التي عرفت انطلاقتها الواسعة بتجسيد شخصية سانسا ستارك في مسلسل (لعبة العروش)، ويبدو أنها ستشهد انطلاقة أقوى مع أمازون التي رشحتها للعلب شخصية المغامرة لارا كروفت في مسلسل قادم.
أزمة ما بعد السطو
في قلب هذا السؤال تقف زارا دنّ (صوفي تيرنر)، شخصية تتورّط في أزمة السطو وتبدأ بحثها الخاص عمّا حدث وكيف آلت الأمور إلى هذه المرحلة. تعاونها مع الجناة يبدأ من موقع الخوف والإجبار، لكنه يزداد تعقيدًا مع تصاعد الشكوك حولها. هنا لا يقدّم المسلسل حكاية بطولية عن النجاة، بل يرصد لحظة يصبح فيها الخطر المنظّم أقل وطأة من الاستمرار داخل حياة تُوصف بالآمنة شكليًا.

تنطلق الأحداث مع اقتحام عنيف لحياة موظفين عاديين في شركة لوكميل كابيتال لإدارة صناديق التقاعد، حيث يُجبرون على تنفيذ عملية سرقة مالية معقّدة. في المشاهد الأولى، يحرص السرد على التقاط لحظة الصدمة: وجوه مذهولة، أجساد متيبّسة، وارتباك يسبق الفهم. لكن سريعًا يبدأ التحوّل الأهم، من ردّ الفعل إلى التكيّف.
تبرز زارا هنا بوصفها حالة خاصة. في مشاهد لاحقة — خصوصًا تلك التي تُظهر حياتها خارج مكان العمل — يلمّح المسلسل إلى وحدتها وغياب أي شبكة أمان حقيقية حولها. لا حضور للعائلة باستثناء أم حاقدة، ولا علاقة عاطفية مستقرة، ولا مستقبل يبدو مضمونًا.
ومع تقدّم الحلقات، تتحول الحبكة من تعقّب الجناة إلى تفكيك دوافع وشكوك تطال الجميع. التفاصيل التقنية للسطو تبقى في الخلفية، بينما يحتل الصدارة سؤال الثقة: من ينهار؟ من يساوم؟ ومن يبدأ في رؤية ما يحدث لا كتهديد فقط، بل كفرصة لإعادة تعريف الذات؟ هذا التحوّل يُبنى عبر مشاهد صغيرة: نظرات صامتة أثناء الاجتماعات، تردّد قبل اتخاذ القرار، وتغيّر تدريجي في لغة الجسد.

امرأة هشة ورجل مأزوم
تقدّم صوفي تيرنر دورها بهدوء لافت وخلفية نفسية هشّة. زارا ليست شخصية صاخبة، ولا تسعى إلى السيطرة الكاملة على المشهد. على العكس، يعتمد أداؤها على الكبت والبرود: عينان قلقتان تراقبان أكثر مما تتكلمان، جسد متحفّظ، ملابس بعيدة عن الأناقة، وصوت لا يرتفع إلا نادرًا.
في مشاهد التهديد الأولى، تؤدي تيرنر الخوف بحدّه الأدنى؛ ليس صراخًا أو انهيارًا، بل توتّرًا داخليًا يظهر في التفاصيل الدقيقة: تردّد قبل الإجابة، نفس محبوس، أو حركة يد غير مستقرة.

إلى جانبها، يقدّم جاكوب فورتشن-لويد شخصية الشرطي الغارق في إدمان القمار والديون بوصفها مرآة أخرى للانكسار تحت الضغط، لكن من زاوية مختلفة. أداؤه قائم على إنهاك أخلاقي متواصل لا على غضب أو ندم صريح. الشرطي هنا لا يبدو فاسدًا بالمعنى المباشر، بل مستنزفًا، يتحرك بدافع الحاجة أكثر من الرغبة، ويكذب على نفسه قبل أن يكذب على الآخرين. هذا التآكل يتجسد في حضور جسدي مثقل ونبرة صوت تفتقر إلى الحسم.
وتكتمل هذه الدائرة بوجود لوك، صديق زارا المقرّب، الذي يؤديه آرتشي ماديكوي. لوك لا يعمل كمحرّك مباشر للأحداث، بل كمرساة إنسانية تذكّر بما كان يمكن أن يكون حياة طبيعية خارج دائرة الخطر. حضوره يضيف ثقلًا لخيارات زارا، لأنه يضعها في مواجهة غير معلنة مع ما تخسره بقدر ما تكسبه.
أما الشخصيات الأخرى، خصوصًا زملاء العمل، فتُرسم بوظائف درامية واضحة: الخائف، والانتهازي، والمنهار. وهي تظل في الغالب انعكاسات لتحوّل زارا، أكثر من كونها مراكز ثقل مستقلة.

عالم بلا أمان بصري
يتبنّى إخراج Steal لغة بصرية تتماشى مع فكرته الأساسية: انعدام الأمان. الكاميرا غالبًا ثابتة أو بطيئة الحركة، تراقب الشخصيات من مسافة قريبة لكن غير حميمية. في مشاهد المكتب، تُستخدم الكادرات الضيقة والزوايا المستقيمة لتأكيد الطابع المؤسسي الخانق، حيث تُدار أموال معاشات موظفي الطبقة الوسطى داخل فضاءات بلا دفء.
في المقابل، حين ينتقل السرد إلى المساحات المفتوحة، لا يمنحنا الإخراج راحة متوقعة. الشوارع، البيوت، وحتى أماكن الاختباء، تُصوَّر بوصفها امتدادات للضغط لا مهربًا منه. هذا الاختيار يعمّق الفكرة الجوهرية للمسلسل: لا يوجد مكان آمن فعلًا، لأن المشكلة ليست في الموقع، بل في البنية التي تحكم الحياة نفسها.
المأخذ الأساسي على الإخراج هو ميله أحيانًا إلى نبرة واحدة لفترات طويلة، ما يخلق تشابهًا بصريًا بين بعض الحلقات. هذا التكرار ربما يعكس وعيًا بدوران الشخصيات داخل حلقة مغلقة، حيث لا يبدو المستقبل مختلفًا جذريًا عن الحاضر؛ لكنه في النهاية أثر على تماسك حالة التشويق.
تُستخدم الموسيقى التصويرية بأقصى درجات الاقتصاد؛ لا لحن يقود المشاعر، بل نغمات خافتة تظهر في لحظات الضغط القصوى ثم تختفي، تاركة الصمت يؤدي دوره. التصوير يعتمد على ألوان باردة ومحايدة تُفرغ المشاهد من أي إحساس بالطمأنينة، بينما يحافظ المونتاج على إيقاع متوازن يرفض التسارع المفرط، ويمنح التوتر فرصة للتراكم بدل التفريغ السريع.
فقراء وأثرياء
يتمحور Steal في جوهره حول أثر المال في حياة الشخصيات، لا بوصفه وسيلة، بل كقوة تشكّل السلوك وتعيد رسم الحدود الأخلاقية. المسلسل يلمّح مبكرًا إلى غياب العدالة في توزيعه، ثم يجعل هذا الغياب محرّكًا خفيًا للأحداث. شخصيات مثل زارا والشرطي كوفاتش تُدفع إلى الحافة، لا بدافع الجريمة، بل بدافع النجاة؛ الفقر هنا ليس حالة اقتصادية فحسب، بل شعور دائم بانعدام الأمان.
في المقابل، يُقدَّم عالم كبار الموظفين والأثرياء بوصفه فضاءً محصّنًا، حيث تتراكم الثروة دون مساءلة، ويُعامل الجشع كامتياز لا كخلل. ما يحسب للمسلسل أنه لا يحوّل هذا التناقض إلى خطاب مباشر أو إدانة لفظية، بل ينسجه داخل السرد نفسه. القرارات المصيرية لا تُتخذ في قاعات محاضرات أخلاقية، بل في لحظات صامتة يُدرك فيها الأفراد أن النظام لا يعمل لصالحهم أصلًا.

المال هنا لا يُغري الشخصيات بقدر ما يكشف هشاشتها: من يملكه يخاف فقدانه، ومن يفتقده يخاف الحياة نفسها. بهذا المعنى، تصبح السرقة في Steal عرضًا جانبيًا لصراع أعمق بين من يملكون رفاهية الاختيار، ومن لا يملكون سوى التكيّف. المسلسل لا يبرّر هذا الاختلال، لكنه يضعه في مركز الصورة، بوصفه نتيجة طبيعية لخلل طويل الأمد في موازين المجتمع.
الحدود الأخلاقية
يقدّم Steal قراءة قاسية لفكرة الجريمة. السرقة هنا ليست خروجًا على النظام، بل نتيجة له. اختيار زارا ليس وليد لحظة، بل حصيلة حياة بلا ضمانات.
المسلسل لا يبرّئ شخصياته، لكنه يرفض إدانتهم بسهولة. يضعنا أمام واقع تصبح فيه الحدود الأخلاقية مرنة تحت الضغط، ويتركنا مع سؤال غير مريح: كم من الخطوات نحتاج لنصل إلى النقطة نفسها؟

يبقى أن العمل، رغم تماسكه في بداياته، يعاني رخاوة واضحة في نصفه الثاني، نتيجة تكرار بعض الأفكار وخفوت الإيقاع والانغماس في شرح تفاصيل اقتصادية تفقد زخمها الدرامي. ومع ذلك، ينجح Steal في ما هو أصعب: تحويل عملية سطو إلى مرآة لزمن يشعر فيه كثيرون أن الأمان لم يعد حقًا مكتسبًا، بل رفاهية مؤجَّلة.
الصور الترويجية الرسمية للمسلسل من Prime Video / Amazon MGM Studios